العنوان اليمن: مشكلات الوطن الداخلية تطرح نفسها بقوة.. مستقبل اليمن بعد الانتخابات الرئاسية
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 05-أكتوبر-1999
مشاهدات 49
نشر في العدد 1370
نشر في الصفحة 30
الثلاثاء 05-أكتوبر-1999
• الانتخابات عززت العلاقة بين الرئيس والإسلاميين لكن الائتلاف الحكومي مع الإسلاميين ما زال مستبعدًا.
بانتهاء
الانتخابات الرئاسية اليمنية الأولى من نوعها بدأ الجميع التفكير في مرحلة ما بعد فوز
الرئيس علي عبد الله صالح بأغلبية كبيرة لم يكن أحد يستبعدها لا في السلطة، ولا في
المعارضة. وقد تركزت الاهتمامات في المرحلة الأخيرة للانتخابات الرئاسية حول نسبة الذين
سوف يشاركون أو لا يشاركون في الانتخابات.. وفيما اكتفى الحزب الاشتراكي وحلفاؤه بالدعوة
إلى عدم المشاركة في الانتخابات حشد التحالف الوطني- الذي يضم الأحزاب المؤيدة للرئيس
علي صالح - كل قواه لإفشال دعوة عدم المشاركة.. وفي التقرير الأخير للانتخابات بلغت
نسبة المشاركين وفق اللجنة العليا للانتخابات – ٦٦٪ - من المسجلين في جداول الناخبين،
وهي نسبة لا ترضي الطرفين إلى حد ما.. فدلالتها الأولى أن دعوة عدم المشاركة لم تلق
استجابة قوية من خارج الأحزاب الداعية إليها، كما أن الطرف الآخر وجد فيها إشارة إلى
أن الحماس العام لدى الشارع اليمني.. كان أقل مما هو مأمول، لكن سبب ذلك لا يعود إلى
دعوة عدم المشاركة بل إلى شعور عام بعدم الثقة في دعوات التغيير والبدء في إصلاح الأوضاع
العامة ولاسيما الاقتصادية، بالإضافة إلى أن انعدام المنافسة الحقيقية وتأكد الجميع
من فوز ساحق للرئيس صالح لم يوفر دوافع قوية للحرص على التصويت بعد أن بات الأمر مفروغًا
منه. لكن هناك مقياس آخر للمشاركة خاص بالمحافظات، فتدني نسبة المشاركين في الانتخابات
في محافظتي «حضرموت» و «عدن» حوالي ۳۰٪ و ٣٣٪ له دلالة سوف تمنح المعارضة فرصة للحديث
عن نجاح دعوتها، لكن الحقيقة أن هذه النسبة لا تختلف عن نسبة المشاركة في الانتخابات
النيابية عام ١٩٩٧م.. مع التسليم بأن النسبة المتدني تعبر عن حالة استياء وإحباط وعدم
وجود تنافس مثير وتولد القناعة لدى المواطنين بأن النتيجة محسومة لصالح الرئيس.
ولا يتوقع
المراقبون أن تتوقف الأطراف السياسية طويلًا عند نتائج الانتخابات، فالاشتراكيون وحلفاؤهم
حرصوا على عدم استفزاز السلطة فعليًّا واكتفوا بالفعل الإعلامي المحدود التأثير في
بلد كاليمن ولا يتوقع أن يهتموا بإثبات مقاطعة المواطنين لانتخاب «الرئيس» تفاديًا
لحساسية الموضوع.. أما الحزب الحاكم فسوف ينشغل في الفترة القادمة باستحقاقات كثيرة
وليس من مصلحته التوقف طويلًا عند إشكال نسبة المشاركة المعلنة فهي وإن كانت غير مرتفعة
جدًّا قياسًا بالعالم الثالث، إلا أنها معقولة بالنسبة لليمن والظروف السياسية والاقتصادية
المعروفة.
المفاجأة
في إشكال «المشاركة» هو تسريب جهات محسوبة على حزب المؤتمر الشعبي العام أخبارًا، وتصريحات
مجهولة المصدر إلى الصحافة المحلية والخارجية تتهم التجمع اليمني للإصلاح بأنه لم يشارك
بفاعلية في عملية الاقتراع، وأن الإصلاحيين تقاعسوا عن الانتخاب والدفع بأنصارهم إلى
صناديق الاقتراع، مما سبب ضعف الإقبال.
ولا شك
في أن الجناح المعادي لتحالف الرئيس مع الإسلاميين هو الذي يقف وراء تلك التسريبات
وتداول الوسط السياسي والصحفي اليمني اسماء بعض الشخصيات التي قامت بعملية التسريب،
لكن الأثر الإعلامي كان سريع الانتشار وهدف إلى إجهاض أي تطوير إيجابي لتحالف الرئيس
من الإسلاميين أثناء الانتخابات، وهو التحالف الذي أثار غيظ خصوم الإسلاميين إلى درجة
اتضحت صورتها في الأخبار والتحليلات التي نشرتها الصحافة المحلية، كما تداول اليمنيون
خبر اعتكاف أحد القيادات البارزة في حزب المؤتمر في منزله احتجاجًا على اشتراك الإصلاح
في الحملة الانتخابية الداعمة للرئيس.. وانتشرت ظاهرة التخويف من الإسلاميين ووصف دعمهم
للرئيس بأنه موقف مكر منهم يهدف إلى الانقضاض على السلطة وكالعادة، لم تخل هذه الانتخابات
من وقوع حوادث أمنية متفرقة، رغمًا عن الهدوء الذي ساد الحملة الانتخابية لمرشحي الرئاسة،
لكن لم يلاحظ أن هذه الحوادث - سواء أكانت سياسية أم جنائية- وقد تركت أثرًا خطيرًا،
ففي مثل هذه الأحوال ومع اشتداد حالة التوتر والترقب تقع أحداث لا صلة لها بالانتخابات،
والقنبلة التي انفجرت يوم الانتخابات في مدينة «الضالع»، وقتلت حاملها كانت على بعد
۳۰۰ متر من مركز الاقتراع.
نظرة إلى المستقبل
طوال مرحلة
الحملة الانتخابية كانت القضية الأكثر إلحاحًا في الحديث عن المستقبل وعن فترة ما بعد
فوز الرئيس صالح.. ولم يخل الأمر من توقعات يائسة من إمكان تحقيق شيء على طريق التغيير..
لكن المؤيدين للرئيس صالح حددوا في استطلاعات صحفية مطالبهم من مرشحهم في جملة من القضايا
والهموم العامة مثل محاربة الفساد، إنعاش الاقتصاد تشجيع الاستثمار، ومواجهة البطالة
المتفشية بين الشباب، إصلاح القضاء، مجانية التعليم والصحة، وتحقيق الأمن والاستقرار..
إلخ. وبصفة عامة، كان هناك تركيز مختصر في الدعوة إلى تنفيذ البرنامج الانتخابي للرئيس
والذي تضمن رؤية مشتركة بين الأحزاب المؤيدة وهو تضمن أهم الأطروحات السياسية
والاقتصادية والاجتماعية بعيدًا أن الاختلافات الجزئية في نظرة كل حزب لتاك
القضايا.. بذلك يكون الرئيس اليمني مطالبًا- للمرة الأولى- بتنفيذ برنامج محدد نال
به ثقة الأغلبية الشعبية التي وصلت إلى نحو
ثلاثة ملايين ونصف المليون صوت، وتتركز الأنظار
- الآن - حول الخطوات الأولى التي سوف يقوم بها «الرئيس المنتخب» بعد أداء اليمين الدستورية
في ٢ أكتوبر أمام مجلس النواب اليمني، وسوف تحدد هذه الخطوات المتوقعة ملامح «النهج»
الجديد ومقدار التجديد لذي يتضمنه فهناك -مثلًا- قرار إبقاء الحكومة الحالية أو تغييرها
كاملة أو إجراء تعديلات محدودة في بعض الوزارات سيئة الأداء وهناك-أيضًا - المحافظون
الذين يمثلون أحد مؤشرات لتغيير، والسفراء وكبار رجال القضاء.. لكن جب التنبه إلى أن
الرئيس صالح لا يحبذ إحداث عملية تغيير واسعة في كل مرحلة، بل يركز على قطاع أو قطاعين..
وفي كثير من الأحيان لا يكون التغيير جذريًا لكيلا يثير مشكلات جانبية.
المؤتمر والإصلاح
ومن القضايا
التي ينتظر الجميع موقف الرئاسة اليمنية منها.. قضية العلاقات بين الحزب الحاكم وبين
الأحزاب الأخرى.. ولا سيما الحزب الرئيس في المعارضة التجمع اليمني للإصلاح، كذلك الحزب
الاشتراكي ومجموعة الأحزاب المتحالفة معه.. ثم هناك قيادات حركة الانفصال التي تعيش
خارج اليمن.
أما بالنسبة
للإصلاح، فقد آثار تعاون الإسلاميين في الحملة الانتخابية المساندة للرئيس تكهنات قوية
حول عودة الائتلاف الحكومي بينهما. وهو أمر يثير غضب جهات عديدة داخل اليمن وخارجه
ولاحظ المواطنون أن الرئيس كان حريصًا على تقديم نفسه في المهرجانات الانتخابية بأنه
مرشح المؤتمر والإصلاح، ولاحظ المراقبون الحضور الكبير للإسلاميين في المهرجانات الانتخابية
وظهور شعاراتهم المعروفة بوضوح غطى على الآخرين، ومع كل ذلك إلا أن الشيخ عبد الله
بن حسين الأحمر رئيس تجمع الإصلاح - أوضح في حوارات صحفية أن دعم الإصلاح للرئيس كان
تابعًا من قناعاتهم بقدرته وخبرته على قيادة اليمن في المرحلة القادمة، لكن تعاون الإصلاح
في الانتخابات ليس مرتبطًا بأي اتفاق سياسي على ائتلاف حكومي لاحق للانتخابات. كما
جدد تحفظات الإصلاح حول أداء حكومة الحزب الحاكم ولا سيما في الجوانب الاقتصادية، لكن
المراقبين مقتنعون بأن الإصلاح - ولو لم يشارك في الحكومة - إلا أنه عزز علاقته بالرئيس
من خلال دعمه انتخابيًّا وسياسيًّا وإعلاميًّا.
ويلاحظ
أن قيادات الإسلاميين حرصت منذ شهور طويلة على تأكيد أن ترشيحها للرئيس صالح أمر لا
علاقة له بأي اتفاق سياسي مع حزب الرئيس، كما أعلن الرئيس نفسه عدم وجود أي صفقة سياسية
مع الإسلاميين، ومع كل ذلك. فإن أحدًا لا يستطيع أن يجزم بشيء محدد حول مستقبل العلاقة
بين الرئيس والإسلاميين، ولاسيما أن تجربة الإصلاح في المشاركة الحكومية السابقة كانت
ذات جوانب مريرة بحكم كونهم الشريك الأصغر في الحكومة، حيث شهدت العلاقات - آنذاك
- توترات مستمرة حول قضايا مهمة مثل الإصلاحات الاقتصادية وجداول الناخبين.
المؤتمر والاشتراكي
وعلى صعيد
علاقة الرئيس بالتحالف الحزبي الذي يقوده الحزب الاشتراكي، فقد حرص الرئيس بعد يوم
من انتخابه على عدم التعرض لهم بعنف واكتفى بدعوتهم إلى مراجعة مواقفهم القديمة، هذا
عكس لغة الخطاب التي تحدث بها الرئيس خلال حملاته الانتخابية التي حفلت بهجوم شديد
على الاشتراكي، خاصة خلال زيارته حضرموت، والتي التي فيها خطابًا قام خلاله بتذكير
المواطنين بماضي الحزب الاشتراكي الدموي والحالة السيئة التي كانت عليها المناطق التي
حكمها مقارنة بالحاضر الذي شهد تنفيذ مشاريع استراتيجية في العمران والاتصالات ولا
يزال هناك عامل مشترك من الشك والارتياب يحكم العلاقة بين الرئيس وحزبه، وبين الحزب
الاشتراكي، فالاشتراكيون يؤمنون بأن وجودهم كحزب كبير مستهدف من قبل السلطة التي لن
ترضى بهم إلا إذا تحولوا إلى حزب ضعيف عديم التأثير إن لم يكن تابعًا لها، كما يتهمونها
بأنها تخاف من الاستحقاقات الديمقراطية لكيلا تتيح الفرصة لظهور معارضة جدية لسياساتها،
وفي المقابل فإن السلطة ما تزال ترى في الحزب الاشتراكي توجهاته التآمرية الماضية،
وخاصة أن قيادة الحزب الحالية ترفض إدانة القيادة السابقة التي أعلنت الانفصال وأدخلت
اليمن في نفق الأزمة السياسية التي أدت إلى الحرب الأهلية عام ١٩٩٤م، بل والأكثر من
ذلك أصدر الحزب الاشتراكي قرارًا بإعادة قيادات الانفصال تحت ذريعة إعادة كل القيادات
التي خرجت إبان الصراعات الدموية بين أجنحة الحزب طوال ثلاثين السنة الماضية، ولا يزال
الحزب الاشتراكي يطالب بالعفو عن المدانين من قيادات الانفصال ويعدهم ضحايا مؤامرة
دبرها الرئيس والإسلاميون ضد حلفائهم الاشتراكيين.
ويبدو
أنه إذا كان قيام تحالف حكومي بين الحزب الحاكم وبين الإسلاميين أمرًا مستبعدًا، فمن
باب أولى ألا يكون هناك تحالف أو تقارب واضح بين الحزب الحاكم والتحالف الذي يقوده
الاشتراكي والذي يتوقع أن يركز خطابه السياسي والإعلامي في المرحلة القادمة على ضرورة
إجراء إصلاحات دستورية لا تجعل الترشيح للانتخابات الرئاسية مرتبطًا بمجلس النواب الذي
يسيطر عليه الحزب الحاكم بقي هناك المعارضة التي تعيش في المنفى الاختياري، وهي تضم
أعدادًا كبيرة من الاشتراكيين، بالإضافة إلى عدد محدود من حزب الرابطة الذي تحالف مع
الحزب الاشتراكي أثناء الحرب الأهلية.. وهؤلاء يتخوفون من العودة، لكن إشارات قوية
في المؤتمر الصحفي الذي عقده الرئيس صالح بعد انتخابه دلت على أن هناك شيئًا ما في
الأفق ربما يتيح لكثيرين منهم العودة باستثناء علي سالم البيض والمحكوم عليهم بالإعدام،
ويتوقع كثيرون أن يكون أول العائدين الاشتراكي البارز سالم صالح محمد عضو مجلس الرئاسة
السابق الذي كثيرًا ما يدلي بتصريحات للصحافة اليمنية والخارجية حول عودته لليمن واحترامه
للرئيس. «اليمن بعد الانتخابات».. هو السؤال الذي يبحث عن إجابة بعد إغلاق مراكز الاقتراع
والإجابة لن تكون سهلة ولا سريعة وربما لن تكون واضحة.