العنوان اليمن: واقع المعارضة اليمنية بعد عامين من انتهاء الحرب
الكاتب ناصر يحيي
تاريخ النشر الثلاثاء 30-يوليو-1996
مشاهدات 77
نشر في العدد 1210
نشر في الصفحة 28
الثلاثاء 30-يوليو-1996
بعد مشاركة الإصلاح للمؤتمر في الحكومة.. المعارضة اليمنية ضعيفة الأداء في الداخل وغير واضحة المعالم في الخارج.
تميزت سنوات الفترة الانتقالية –التي تلت قيام دولة الوحدة في اليمن– بأن تحالف الحزبين القويين –اللذين كانا يحكمان اليمن قبل الوحدة– لم يحل دون وجود معارضة قوية ذات حضور شعبي تمثلت في التيار الإسلامي الذي ظهر في كيان سياسي باسم «التجمع اليمني للإصلاح». وعلى الرغم من أن المعارضة لم تستطع أن تفرض مواقفها على الحزبين الحاكمين، إلا أن الوجود الإسلامي الفاعل في الأوساط الشعبية والقادر على استخدام شعبيته في الشارع اليمني تمكن من تقديم تجربة معارضة قوية كان يعمل لها حساب، خاصة فيما يتعلق بالجوانب الإسلامية لأية قضية. لكن هذه المعارضة فقدت قوتها منذ شارك الإسلاميون في السلطة منذ صيف ۱۹۹۳م وحتى يومنا هذا، وانحسر دورها كثيرًا بعد أن خرج منها التنظيم السياسي الأكثر شعبية.
ولم يتغير واقع حال المعارضة كثيرًا بعد انضمام الحزب الاشتراكي إليها في أعقاب هزيمته في الحرب الأهلية، وفرار قيادته إلى الخارج، بل يمكن القول إن الحزب الاشتراكي أضاف جوانب الضعف التي تعتريه إلى تلك الموجودة –أصلًا– في المعارضة، ولا سيما سمعته المتدهورة التي جمعت بين مشاركة قسم كبير من أعضائه في الانفصال الفاشل وبين سمعته التاريخية كحزب شيوعي متطرف.
وبصفة عامة تبدو المعارضة اليمنية معتمدة في نشاطها على العمل الإعلامي بدرجة كبيرة وتتمتع صحفها بتأثير في الوسط الشعبي بسبب نهجها في انتقاد النظام ورموزه مع شيء غير قليل من الإثارة ونشر الأخبار حتى قبل التأكد من صحتها، ولذلك يصح القول إن المعارضة هي ظاهرة صحفية في المقام الأول، ولولا ذلك لما شعر أحد بوجودها، بل إن بعضها لا يكاد يكون له نشاط إلا إصدار الصحيفة الناطقة باسمه وبعضها توقف عن هذا العمل أيضًا، ويكتفي بوضع اسمه في ذيل البيانات التي تصدرها المعارضة.
معارضة الداخل...
وفي داخل أحزاب المعارضة اليمنية يوجد تياران يضم كل منهما عددًا من الأحزاب والتنظيمات التي تقاربت رؤاها ومواقفها تجاه عدد من القضايا وبصفة خاصة منذ انتهاء الحرب الأهلية التي أزالت كثيرًا من الظلال والخطوط غير الواضحة التي كانت الحياة السياسية –بسببها– تبدو أشبه بلوحة سرية تتوه الأنظار وتتعب العقول كلما حاولت فهم معانيها.
ويضم التيار الأول عددًا من الأحزاب السياسية الموالية لحزب المؤتمر الشعبي العام ويقودها جناح في حزب البعث الموالي للعراق بقيادة د. عبد الوهاب محمود –أمين سر القيادة القطرية، وعضو هيئة رئاسة مجلس النواب اليمني– وهذا التيار يعمل تحت اسم «آدم».
وبصفة عامة يتمتع هذا التيار المعارض بعلاقات حسنة مع حزبي الائتلاف الحاكم، وكان لهم موقف قوي في مساندته أثناء مقاومة حركة الانفصال عام ١٩٩٤م.
وباستثناء حزب البعث، فإن كل الأحزاب المتحالفة معه تعد من الأحزاب الصغيرة، والتي يتهمها خصومها بأنها تابعة لحزب المؤتمر.. لكن الحقيقة أن تلك الأحزاب ذات موقف معاد للحزب الاشتراكي بصفة خاصة، وذلك جعل من السهل اجتذابها لنفوذ المؤتمر الشعبي الذي كان يسعى –مع شريكه الاشتراكي– في فترة ما بعد الوحدة لتكوين تحالف من بعض الأحزاب الصغيرة تدعم الحزب الرئيسي أثناء أي خلاف بين الحزبين اللذين حكما اليمن من ٩٠ – ١٩٩٤م. ومع ذلك، فإن هذه الأحزاب لا تتردد في إعلان معارضتها لبعض السياسات العامة التي تتخذها الحكومة مثل برنامج الإصلاح الاقتصادي والإداري أو الموقف مما يسمى بعملية السلام بين الدول العربية والكيان الصهيوني... لكن تبقى هذه المعارضة بعيدة عن الشدة والحدة التي تحدث في الجناح الآخر من المعارضة.. يساعد على ذلك ضعف الإعلام الصحفي لهذه المجموعة من الأحزاب.
أما التيار الآخر من المعارضة اليمنية فيضم عددًا من الأحزاب التي كانت أقرب للحزب الاشتراكي طوال السنوات السابقة، وأبرزها الحزب الناصري الوحدوي والجناح الآخر للبعث العراقي وأحزاب أخرى صغيرة تشمل علمانيين، وتيارًا يعبر عن فقهاء المذهب الهادوي «شيعة اليمن»، وهي منضوية في المجلس الأعلى للمعارضة التي يترأسه رسميًا أمين عام الحزب الناصري، لكن الحزب الأساسي في المجلس هو الحزب الاشتراكي، وهو الذي يمنحه أهمية في نظر المراقبين.
وهذا التيار من أحزاب المعارضة يمتلك جوانب قوة ونقاط ضعف، وتسهم كلها في تأكيد صورة لنفوذه وتأثيره في الوسط السياسي اليمني تتراوح بين القوة والضعف والعزم والتردد، حتى كاد اليأس يدب في قلوب أنصاره -بل وبعض قياداته– التي تنشر بين الحين والآخر انتقادات لاذعة لأداء مجلس المعارضة، وحرص قياداته على رضا الرئيس اليمني ومسارعتها للقائه عند أول اتصال هاتفي تتلقاه منه.
ومع ذلك فإن هذه المعارضة حققت نجاحًا في انتقاداتها العنيفة للدولة، مستفيدة من ضعفها وغياب حزبها في معالجة كثير من الأوضاع الخاطئة والممارسات اللاقانونية... بالإضافة إلى استقلال معاناة المواطنين من الأزمة الاقتصادية التي تضاعفت آثارها مع تطبيق برنامج إصلاحات اقتصادية يركز على تخلي الدولة عن سياسة الدعم الممنوح للمواد الغذائية والخدمات العامة وفي داخل هذا التيار توجد أحزاب على خصومة شديدة وتاريخية مع الائتلاف الحاكم وخاصة التيار الإسلامي فيه، وكلها ترى في الإسلاميين عدوًا لمشروعها أو اتجاهها الفكري.. الأمر الذي يجعلها تستشعر وجود ثمة خطر ينتظرها في حالة استمرار ازدياد نفوذ الإسلاميين.
أما وجود الحزب الاشتراكي داخل هذا التيار فهو يمثل عنصري قوة وضعف معًا... فالاشتراكيون لديهم تجربة طويلة في الحكم وهم يمثلون تيارًا ما يزال له امتدادات شعبية كبيرة... لكن اهتراء سمعة الحزب ورغبة قيادته في عدم الدخول في مغامرات سياسية مع الدولة يغلب -حتى الآن- عنصر الضعف على نقطة القوة.
ومن جوانب ضعف هذا التيار أن معظم أحزابه –ولا سيما الهامة– تضع حدودًا لمعارضتها لرئيس الدولة، فهي حريصة على بقاء خيوط غير مرئية في العلاقات الثنائية معه، كما أن واقع اللعبة السياسية في اليمن يجعل أحزاب المعارضة تسعى لدق أسفين بين حزبي الائتلاف وبالتالي فهي لا تمانع في تقديم بعض الخدمات التي من الممكن أن تسهم في إثارة الخلاف بينهما.. ولعل ذلك هو الذي يطبع نشاط هذه الأحزاب باللا مبدئية وبالتردد مما يؤدي إلى ظهور خلافات في عدد من القضايا التي يتم الاتفاق بشأنها، ثم تظهر مفاجأة وجود مواقف متباينة، مثلما حدث أثناء مناقشة مشاركة اليمن من عدمها في قمة شرم الشيخ.. وأثناء التعامل مع اللائحة التفسيرية لقانون الأحزاب.. وفي الحالتين كان يحدث اتفاق على موقف موحد... لكن الممارسات بعد ذلك كشفت أن كل حزب كانت له حساباته الخاصة، فالاشتراكي – مثلًا أيد المشاركة في قمة شرم الشيخ، والحزب الناصري قدم أوراقه للتسجيل القانوني، وعلى الرغم أن الاتفاق كان عدم الاعتراف بقانونية دعوة الأحزاب للتسجيل وفي السياق نفسه، فإن حزبًا كالاشتراكي حريص على تكييف علاقته مع الدولة بحذر شديد، فهو يعلم أن أوراقًا كثيرة ومصالح عديدة للحزب ما تزال بيد خصومه، وما زال الحزب يشكو أن أمواله وممتلكاته ومقراته قد تمت مصادرتها، ويجعل من مسألة استعادتها أهم قضية تشغله.
كما يتميز هذا التيار من المعارضة بعلاقاته القوية مع جهات خارجية رسمية وغير رسمية ولا سيما المنظمات الغربية التي تظهر اهتمامها بحقوق الإنسان أو التجارب الديمقراطية، وقد نجحوا كثيرًا في استثمار هذا الجانب لمصلحتهم، وتوظيف تلك المنظمات للضغط على الحكومة اليمنية.
المعارضة من الخارج!
وفي خارج اليمن توجد جماعات أخرى للمعارضة، وبعضها تقتصر على أفراد مشاهير.. لكن لهم امتدادات تكبر أو تصغر .. ومن الناحية التاريخية فهناك المعارضة باسم أسرة حميد الدين التي حكمت المنطقة الشمالية من اليمن حتى عام ١٩٦٢م، ويقابلها جماعات المعارضة ضد النظام الشيوعي الذي حكم المنطقة الجنوبية حتى عام ١٩٩٠م، وهي -في الغالب- قد ترهلت علاقتها بالداخل من طول مدة بقائها في الخارج، وغالبيتهم منغمس في الأعمال التجارية، وإن كان يحرص على الشكل الخارجي للمعارضة.
ثم هناك رموز من الساسة اليمنيين الذين خرجوا لسبب أو آخر من اليمن واستقروا في الخارج، وهؤلاء –وإن كانوا– لا ينتمون لأحزاب أو تنظيمات، إلا أن بعضهم يقوم بدور في إزعاج النظام الحاكم إعلاميًا كلما دعت الحاجة لاستخدامه.
أما أكبر جماعات المعارضة الموجودة في الخارج فهي منظمة «موج» التي أسسها «عبد الرحمن الجفري» الذي شارك قيادة الحزب الاشتراكي في حركة الانفصال أثناء الحرب الأهلية عام ١٩٩٤م رغم العداء التاريخي الذي كان بين الطرفين منذ أن حكم الشيوعيون في عدن.
وتضم حركة «موج» أعدادًا كبيرة من كوادر الحزب الاشتراكي وقياداته الذين فروا من المحافظات الجنوبية في أعقاب سقوط حركة الانفصال التي قاموا بها .. لكن «الجفري» هو الشخصية المسيطرة على الحركة، وتبدو قيادات الحزب بجانبه باهتة الأدوار ضعيفة التأثير، بينما يتولى «الجفري» القيادة الفعلية لنشاط الحركة الذي يتركز أساسًا على الجانب الإعلامي.
وتعتمد «موج» في خطابها الإعلامي على تقديم نفسها كمدافع عن مصالح الجنوب والجنوبيين، وتعتبر أن الجنوب يتعرض الآن لاحتلال شمالي، وربما تسهم هذه النبرة في كسب متعاطفين للحركة، وخاصة مع اشتداد الأزمة الاقتصادية.. لكن يبقى تأثيرها الفعلي مشلولًا إلى درجة كبيرة جدًا، فهي تجمع يشمل الشيوعيين السابقين وضحاياهم من الأحزاب الأخرى الذين جمعتهم الهزيمة في مصير واحد, ولم يعد أمامهم إلا إثبات وجودهم بأي أسلوب لإشعار الآخرين بأنهم ما يزالون أحياء.
ولا يوجد فارق كبير بين الخطاب الإعلامي لمعارضة الخارج أو المعارضة التي يقودها الاشتراكي في الداخل.. إن كان هؤلاء الأخيرون يتبرءون من أية معارضة خارجية، لكن خصومهم يعدونهم وجهين لعملة واحدة..