; اليهود السوفييت وخيبة الأمل | مجلة المجتمع

العنوان اليهود السوفييت وخيبة الأمل

الكاتب ابتهال قدور

تاريخ النشر الثلاثاء 10-نوفمبر-1992

مشاهدات 62

نشر في العدد 1024

نشر في الصفحة 40

الثلاثاء 10-نوفمبر-1992

مقدمة

اذا تم الإمساك بالخيوط فليس هناك أسهل من تحريكها.
وإسرائيل تمسك الآن بكثير من الخيوط العالمية، وهي بذلك تملك تحريكها إلى درجة ما.

انهيار الاتحاد السوفيتي- تحرك الصراعات العرقية فيه- تحطم البنية الاقتصادية- تغير العلاقات الدبلوماسية بين موسكو وتل أبيب مما نتج عنه تغير في علاقات موسكو بالعرب- هجرة يهودية سوفياتية بمئات الآلاف- إغلاق الدول الكبرى أبوابها أمام اليهود.. كل هذه كانت عوامل عارضة أو مفتعلة أدت إلى موجة من الهجرة اليهودية الجماعية إلى فلسطين.

واذا كان المحللون يدورون حول تشخيص أسباب الهجرة ودوافعها، فإن التاريخ والوقائع تصر على الدعوة إلى البحث عن خالقي هذه الأسباب.. بالأمس القريب وبعد أن فكرت إسرائيل في تهويد الخليل ونجحت، نادت بأعلى صوتها: أخيرًا أصبح عدد اليهود في الخليل هو الأكثر، ولا متسع هنا لذكر الظروف التي تحقق فيها هذا الأمل، فهي عمومًا لا تختلف كثيرًا بطبيعتها عما يجري الآن- وإن كانت تختلف بأشكالها- إلا أنها مازالت تعمل جاهدة لتحقيق غد لا يتجاوز عام 2005 لترفع صوتها من جديد وتقول: «اليوم أصبح عدد اليهود في فلسطين كلها هو الأكثر»..
المساعدات الأمريكية السخية ستخدم هذا الغرض، كما خدمته تلك المستجدات المتسارعة في الاتحاد السوفيتي.

ونذكر بأن هذه المساعي اليهودية تواكب تلك المساعي التي يسمونها مساعي السلام.

المترجمة

«لابد من إسرائيل كبرى لمواجهة حركة الهجرة الكبيرة» كلمات أطلقها رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق شامير، في شهر يناير من عام 1990.. في تلك الآونة كان قسم كبير من الإسرائيليين ينظرون بغبطة إلى أعداد المهاجرين السوفيات المتزايدة شهرًا بعد شهر.

فالاتحاد السوفياتي الذي يعتبر ثاني تجمع يهودي عالمي بعد أمريكا؛ لاحتوائه ما يربو على مليوني يهودي، راح يشجع الهجرة اليهودية حيث كان المعتقد أن إمكانيات إسرائيل في استيعابها للمهاجرين بلا حدود.. بعد عامين ونصف من ذلك التاريخ خيبة الأمل واسعة، وعود حكومة شامير تلاشت كلها 400,000 يهودي سوفياتي من الذين كانوا يحلمون بالأرض الموعودة اكتشفوا بعد وصولهم الكذبة الإسرائيلية.. أزمات اقتصادية، سوق عمل ضيق جدًا، حيث إن ثلث البطالة كان سببه المباشر الهجرة الروسية، ظروف معيشية تعيسة، أزمة سكن، دخل ضئيل، حرية حركة محدودة، لأن الروسي اليهودي لا يستطيع مغادرة إسرائيل بعد أن يدخلها.. كل هذه كانت عوامل تسببت في بطء حركة الهجرة الروسية إلى إسرائيل إلى أن وصلت أدنى حد لها منذ عام ۱۹۸۹ خلال شهر مايو الماضي، حيث لم يصل إسرائيل سوى 3360 مهاجرًا، ولملاحظة التدني التدريجي للهجرة بوضوح أكثر يكفي أن نعلم أن الفترة من يناير إلى يونيو لعام 1992 كان عدد اليهود الذين وصلوا الدولة العبرية 23400 مقابل 66000 خلال نفس الفترة من عام 1990.

أتراها بوادر تغيير في الاتجاه الرامي إلى تشجيع الهجرة أم أنها مجرد حادث عارض متعلق بعوائق طارئة في إسرائيل وفي الاتحاد السوفياتي السابق؟

قد يصعب إعطاء حكم سليم حاليًا إلا أنه لن يصعب أبدًا تأكيد الحجم الكبير للاستياء اليهودي السوفياتي داخل الأراضي المحتلة.

القلق الإسرائيلي الأعمى

كان اليهود السوفييت أحد الوسائل لحل مشكلة الكثافة السكانية التي بدت ضئيلة جدًا أمام النمو السكاني الفلسطيني، والذي أكد خطورته المؤتمر الخاص بالنمو السكاني اليهودي والمنعقد في الفترة من ۱۹ إلى ۲۲ أکتوبر ۱۹۸۷ والذي شخص الظاهرة بالهجرة اليهودية من إسرائيل إلى الخارج، إضافة إلى التنامي المستمر للسكان العرب في الأراضي المحتلة وداخل حدود ،١٩٦٧ وأعرب عن قلقه من إمكانية انقراض بطيء لليهود مؤيدًا أقواله بالتدرج المتدني لأعداد اليهود على النمو التالي:
- عام ۱۹۳۸ كان تعداد اليهود ۱۷ مليون.

- عام 1970 بلغت التجمعات اليهودية المقيمة خارج إسرائيل 10.2 مليون.

- عام 1985 انخفض الرقم ليبلغ 9.4 مليون.
ومع استمرار هذا التسلسل فإن الإحصائيات ستكون 7.9 مليون عام 2000، ومن 5 الى 6 مليون بعدها بربع قرن.

من هنا توجهت الآمال نحو التجميع اليهودي السوفياتي داخل إسرائيل.. هذه الحركة التي بلغت أعلى مستوياتها عام 1979 الذي سجل 51300 مهاجر.

أما عام 1988 فقد سجل 20000 مهاجر اختار معظمهم الولايات المتحدة، بينما لم يختر إسرائيل سوى ما يقل عن 15% منهم إلا أن الولايات المتحدة صرحت بعدم قدرتها على استيعابهم؛ مما دفعهم إلى التوجه نحو إسرائيل التي استقبلت عام 1989 (12923) يهودي سوفياتي إضافي بزيادة تعادل 580% مقارنة بعام 1988 محققة بذلك الرقم الأعلى منذ 15 سنة.

أما هذه الأعداد الهائلة تلاشت الأحلام التي كانت ترى في هذه الهجرة فرصة تاريخية، ليحل محلها قلق عام، فالأعباء المالية كبيرة حيث تصل تكلفة الأسرة المكونة من ثلاثة أفراد إلى 11000 دولار سنويًّا.. وتغيرت نظرة الإسرائيليين إلى المهاجرين السوفييت الذين راحوا بدورهم يحسون بوطأة الفخ المنصوب حولهم، ولم يتوانوا عن التعبير عن ذلك أثناء الانتخابات الأخيرة، حيث تأكد أنهم السبب في إرجاح كفة حزب العمال على أمل أن يحسن من أوضاعهم المعيشية.

الأحلام الضائعة

الكثير من الروسيات اليهوديات لم يجدن لهن عملًا سوى بيع أجسادهن في الحانات، والجرائد تذخر بإعلانات من صالونات التدليك تعلن عن وصول روسيات بكل المواصفات المغرية.. الشرطة تحمل عبء القبض على عصابات المافيا التي نشأت بعد الهجرة الروسية، على أرصفة الأسواق الشعبية تنتشر النساء تعرض بعض الألبسة القديمة والأواني المنزلية المستعملة للبيع، إحداهن تحمل شهادة جامعية، وقد كانت تعمل ممرضة في سمرقند إلا أنها لم تحصل على عمل في إسرائيل.. لذلك فهي مضطرة كغيرها إلى بيع ما تملك من أشيائها الخاصة غير الضرورية.. منظر الروس الذين يلتقطون بقايا الخضار والفواكه آخر النهار أصبح شيئًا عاديًا.
وهذا الوضع الذي يعايشه اليوم اليهود السوفيات يختلف عن الوضع الذي عايشه من سبقهم من المهاجرين من الجنسيات الأخرى، فالمغاربة الذين هاجروا في الخمسينيات تم إنشاء مدن كاملة لهم، كما خصصت لهم وظائف ساعدتهم على النهوض فقد كانت البلد آنذاك بحاجة لمن يملؤها ويبنيها بعد حركات التهجير القسري للفلسطينيين.. حتى الفلاشا الذين هاجروا من فترة قريبة يتمتعون بمستوى معيشي أفضل بكثير من الروس!

أما السوفيات فقد وصلوا في خضم الأزمة، في الوقت ذاته الذي كانت إسرائيل تصرح فيه بمائة وخمسين عاطلاً عن العمل.

باختصار يشعر الروس بأنهم قد خسروا الكثير في توجههم نحو إسرائيل، فالكثير ممن كانوا يعملون في روسيا ويعيشون حياة متوسطة لا يجدون عملًا يتناسب ومستوياتهم العلمية مما يضطرهم إلى قبول أي عمل يؤمن لهم اللقمة الضرورية، أحدهم يقول: «نحن لم نختر إسرائيل إلا أننا حين قررنا الهجرة من روسيا كانت جميع السفارات تحمل نفس الإجابة: مستحيل ليس أمامكم إلا إسرائيل».

ويقول آخر: «لقد خرجنا من سجن إلى سجن آخر أكثر بؤسًا، وإسرائيل تمنع منحنا جواز سفر قبل مرور خمس سنوات على إقامتنا داخل الأراضي المحتلة، بحجة أنه علينا تسديد ما أنفقته علينا منذ خروجنا من الاتحاد السوفياتي».

النجوم السابعة

إنه مشروع إسكاني يرمي إلى تهويد آخر المناطق التي يمثل فيها الفلسطينيون الأغلبية (70%) وذلك بإنشاء سبعة مدن على خط منحن شمال - جنوب سيلغي فكرة الحدود بين إسرائيل والأراضي المحتلة، كما سيؤدي دور جسر بين المدن الجديدة والمستوطنات في الأراضي المحتلة، مما سينتج عنه تحويل مدن مثل «أم الفهيم» إلى مستودعات واسعة لليد العاملة بسعر جيد بدون أية إمكانيات اقتصادية إلى جانب المدن اليهودية المزدهرة، سيقوم هذا المشروع أيضًا بخلق حاجز بين القرى الفلسطينية داخل إسرائيل وفي الأراضي المحتلة. 

ومع أن هذا المشروع قد لاقى الكثير من الاعتراضات إلا أن وزير الإسكان الإسرائيلي السابق لا يرى بديلًا أفضل منه لإيواء مئات الآلاف من اليهود السوفيات الذين وصلوا ليخدموا أغراضًا عديدة من ضمنها هذا المشروع الذي سيسلب المدن الفلسطينية آلاف الدنمات خلال شهر واحد.

الرابط المختصر :