العنوان اليهود.. قصتهم من البداية إلى النهايَة (الحلقة 2)
الكاتب محمد علي دولة
تاريخ النشر الثلاثاء 06-مايو-1975
مشاهدات 82
نشر في العدد 248
نشر في الصفحة 46
الثلاثاء 06-مايو-1975
• دراسة موضوعية في تاريخ اليهود تعتمد على أوثق المصادر ومحاولة لتفسير التاريخ في ضوء من سنن الله في الحياة البشرية.
عودته من مصر وإقامته في حبرون:
عاد إبراهيم عليه السلام من مصر، وقد رد عنه كيد ملكها، وكان الملك قد أتحفه بالأعطيات بسبب ما رأى من إيمانه وإيمان زوجته ورعاية الله لهما، وصحبتهما هاجر المصرية، وأقام مرة ثانية في أرض الجنوب، ثم ذهب منها إلى «بيت أيل» فنزلها فترة وجيزة، ثم ارتحل إلى «حبرون» ونزل هناك عند بلوطات حمرا- الأمير الأموري- وتعاهد هناك مع ملوك الأموريين على التناصر، وطال مكوثه في ذلك المكان وكثرت حاشيته ورزق هناك ابنـه إسماعيل، وعلا أمره وأصبح لـه مكانة مرموقة لا سيما بعد تغلبه على الجبارين الذين أسروا ابن أخيه لوط عليه السلام.
قال ابن كثير: «ثم إن طائفة من الجبارين (۷) تسلطوا على لوط عليه السلام فأسروه، وأخذوا أمواله، واستاقوا أنعامه، فلما بلغ الخبر إبراهيم الخليل سار إليهم في ثلاثمائة وثمانية عشر رجلًا (٨)، فاستقذ لوطًا، واسترجع أمواله، وقتل من أعداء الله ورسوله خلقًا كثيرًا، وهزمهم وساق في آثارهم حتى وصل إلى شمالي دمشق (۹)، وعسكر بظاهرها عند برزه، وأظن أن مقام إبراهيم إنما سمي لأنه كان موقف جيش الخليل، والله أعلم.
ثم رجع منصور إلى بلاده، وتلقاه ملوك بلاد بيت المقدس، معظمين له، مكرمين خاضعين، واستقر ببلاده صلوات الله وسلامه عليه»(۱٠)
وبعد هذا الانتصار الباهر الذي كسبه إبراهيم على «كدر لا عومر» وعودته مظفرًا جدد الله له الوعد بأن يورث ذريته أرض كنعان، وأن يجعل ذريته كثيرة كنجوم السماء، فجدد إبراهيم دعاءه إلى الله بأن يهبه الولد، فبشره الله بقرب مجيئه.
ولادة إسماعيل ومحنة إبراهيم بــــــه وبناؤهما الكعبة:
كانت سارة- زوج إبراهيم- عقيمًا، وكان إبراهيم قد بشر من الله مقدمه إلى أرض كنعان بغلام حليم، وكان إبراهيم عليه السلام يتوق إلى الولد، لذا طلبت منه سارة أن يتزوج بهاجر جاريتها، فتزوجها ورزق منها ابنًا أسماه «إسماعيل» وكان ذلك بعد أن بلغ إبراهيم من العمر ستًا وثمانين سنة.
ثم أمر بعد ولادة إسماعيل بقليل أن يهاجر به وبأمه إلى بلاد الحجاز، فارتحل بهاجر وبابنها إسماعيل وهو طفل صغير بين يديها، حتى إذا وصل بلاد الحجاز، اسكنها هناك ﴿بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾ «11»، إلا من دوحة أجلسهما تحتها، وترك لهما جرابًا فيه تمر، وسقاء فيه ماء، ثم قفى منطلقًا، فتبعته هاجر، فقالت: یا إبرهیم، أین تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس به أنيس ولا شيء؟
فقالت له ذلك مرارًا وهو لا يرجع إليها القول ولا يلتفت نحوها، فقالت له: الله أمرك بهذا؟ قال: نعم، قالت: إذن لا يضيعنا، ثم رجعت.
وانطلق إبراهیم راجعًا إلى أرض کنعان، وهو يدعو بهؤلاء الدعوات: ﴿رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ (إبراهيم: 37) (13)
ترك إبراهيم عليه السلام زوجته وابنه في رعاية الله، وعاد إلى أرض كنعان وهو يدعو لهما، واستجاب الله دعاءه، فانبثق ماء زمزم مكانهما بعد أن كادا يهلكان من العطش، ثم مرت عليهما جماعة من جرهم، فرأت ما عندهما من ماء، فاستأذنت هاجر في النزول، فأذنت لهم، فنزلوا، ونما إسماعيل بينهم، وشب، وتكلم بلسانهم، وأعجبهم إعجابًا شديدًا، فلما شب زوجوه منهم.
وكان إبراهيم عليه السلام يتردد على أسرته من حين لآخر، يتفقد أحوالها ويتعهدها بما تحتاج، وفي إحدى زياراته اختبر بامتحان عظيم، فأمر بذبح ابنه الوحيد «إسماعيل» ذلك الغلام الذي يملأ حبه جوانح قلب الشيخ الكبير إبراهيم، فمثل لأمر الله، وكذلك إسماعيل وأمه هاجر، وأطاعا الله طاعة عمياء تامة، وقال إبراهيم لإسماعيل: ﴿يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَىٰ ۚ قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ۖ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾(الصافات: 102)(14-15)
ولما ظهر من هذه الأسرة المؤمنة ما ظهر من الطاعة والخضوع لرب العالمين، نودي بإبراهيم ﴿وَنَادَيْنَاهُ أَن يَا إِبْرَاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا ۚ إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ سَلَامٌ عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَىٰ إِسْحَاقَ ۚ وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ (الصافات: 104:113)(16)
ولما كبر إسماعيل أنعم الله عليه بالنبوة وشرفه بها، وأتم فضله عليه وعلى أبيه، فأمرهما ببناء الكعبة المعظمة- وكان ذلك في أخريات عمر إبراهیم. فقاما ببنائها، ودعوا الله قائلين:﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا ۖ إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (البقرة: 127)(17)
﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَاب وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ ۚ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (البقرة : 129) (18) وقد أمتدح الله سبحانه إسماعيل أجمل المدح فقال: ﴿ وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ ۚ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ ( مريم: 54) (۱۹)
ولادة إسحاق لإبراهيم:
بعد ولادة إسماعيل بأربعة عشر عامًا رزق إبراهيم عليه السلام بابن آخر هو «إسحاق» من زوجته المسنة سارة، وكانت قد بلغت يومها تسعين عام من عمرها، أما إبراهيم فكان عمره إذ ذاك مائة سنة. وكان من قصة ولادته أن إبراهيم عليه السلام وزوجته سارة بشرا به من الملائكة لما مروا بهما مجتازين ذاهبين، إلى مدائن قوم لوط، ليدمروا عليهم لكفرهم و فجورهم.
وقد قص الله تعالى على الناس قصة هذه البشارة، فقال: ﴿ وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَىٰ قَالُوا سَلَامًا ۖ قَالَ سَلَامٌ ۖ فَمَا لَبِثَ أَن جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ ( هود: 69) (٢٠).
﴿فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ (هود: 69 - 73) (21) (22)
وكانت ولادة إسحاق معجزة دلت على عظمة الله تعالى ولطفه بإبراهيم عليه السلام، وكان إبراهيم يلهج بالثناء على الله دائمًا أن رزقه ولديه على كبر ويقول: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ ۚ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ (إبراهيم:39) (23)
رحلة ثانية إلى أرض الجنوب
أقام إبراهيم عليه السلام سنين عديدة في «حبرون» عند بلوطات ممرًا الأموري، ثم ارتحل من إلى أرض الجنوب، وسكن بين قادش و شور وتغرب في جرار، وجاور ملكها «أبيما ك» وعمل معه عهدًا على المسالمة وحسن الجوار، وكان العهد عند بئر احتفره عبيد إبراهيم، وقدم إبراهيم في ذلك المكان لا بيماك سبع نعاج شهادة على أن عبيده هم الذين احتفروها، ودعيت تلك البئر «بئر سبع».
وفاة سارة:
مكث إبراهيم عليه السلام مدة طويلة في «بئر سبع» من أرض الجنوب، ثم عاد ثانية فسكن في«حبرون»، واستمتع هو وزوجته سارة بولدهما إسحاق، وقاما على رعايته، وشب وبلغ مبلغ الرجال فزوجاه، وأنجب ابنه يعقوب، ففرح الشيخان الكبيران بحفيدهما، ورأيا تحقيق بشرى الله لهما حين بشرا بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب.
ثم أن سارة وافاها الأجل بعد أن تجاوزت المائة بعدة عقود، فابتاع إبراهيم «مغارة المكفيلة» (٢٤) التي في حقل «عفرون بن صوحر الحثي» ودفنها فيه، وتزوج بعده، كما يقول سفر التكوين -بجارية له اسمها «قطورة» فولدت له ستة أولاد هم: «زمران، يقشبان، قذان، مدیان، يشباق، شوحا»
وفاة إبراهيم عليه السلام:
وحين بلغ إبراهيم عليه السلام من العمر مائتي سنة، توفاه الله تعالى إلى رحمته، فغسله ابناه ثم دفناه في مغارة المكفيلة إلى جوار زوجته سارة عليهما سلام الله ورحمته.(25)
فضل إبراهيم عليه الصلاة والسلام:
عاش إبراهيم عليه السلام عمره (26) المديد يدعو الناس إلى عبادة الله الله سبحانه ويدلهم عليه، وينهاهم عن عبادة الأوثان، وكان في عالم يموج بالوثنية، ولم يكن أحد غيره وغير ابن أخيه لوط ومن آمن بهما من أبنائهما وغيرهم يعبد الله عبادة صحيحة في ذلك الزمان الذي اتخذ الناس فيه لأنفسهم آلاف الآلهة الباطلة في أنحاء الأرض.
وقد أنزلت عليه صحف مقدسة وأثنى الله عليه في القرآن ثناء عظيمًا، فمن ثناء القرآن عليه قوله تعالى ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِّلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (النحل: 120)(27)
﴿شَاكِرًا لِّأَنْعُمِهِ ۚ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً ۖ وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (النحل:122) (28) وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا﴾ (النحل: 41) (29).
«وهو أحد أولي العزم الخمسة المنصوص على أسمائهم تخصيصًا من بين سائر الأنبياء، في آيتي الأحزاب والشورى، وهما قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَى بْنِ مَرْيَمَ ۖ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا﴾ (الأحزاب :7)، وقوله: ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ ۖ أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ ﴾ (الشورى: 13) ثم هو أشرف أولي العزم بعد محمد صلى الله عليه وسلم» (٣٠).
«ولما كان أفضل الرسل و أولي العزم بعد محمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، أمر المصلي أن يقول في تشهده ما ثبت في الصحيحين من حديث كعب بن عجرة وغيره قال: قلنا يا رسول الله: هذا السلام عليك قد عرفناه، فكيف الصلاة عليك؟
قال: قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد» (۳۱)
********
(7) هؤلاء الجبارون (كدر لاهومر) ملك عيلام وأعوانه، كما في سفر التكوين
(8) يظهر أن هذا العدد تشكل من عبيده ومن حلفائه الأموريين.
(9) ويظن أنه أخذ كبير خدمه « اليعازر الدمشقي » في هذه المرة.
(10) البداية والنهاية ( ۱ : ١٥٢ - ١٥٣ )
(11) في هذا الوادي أقيمت مكة المكرمة فيما بعد
(12) لم تكن الكعبة قد بنيت حين دعا إبراهيم عليه السلام، ويظهر أنه علم عن طريق الوحي بأن البيت سبيني في ذلك المكان
(13) الآية ٣٧ من سورة إبراهيم
(14) ما يراه النبي في المنام وحيا من الله، مهو كالوحي في حالة اليقظة
(15) الآية ۱۰۲ من سورة الصافات
(16) الآيات 104- 113 من سورة الصافات.
وقال ابن كثير في كتابه البداية والنهاية (١٥٨:١) تعقيبًا على قصة الذبح: «وهذا وحده دليل على أن الذبيح إسماعيل، لأنه هو المقيم بمكة، واسحق لا نعلم أنه قدمها في حال صغره.
وهذا هو الظاهر من القرآن، بل كأنه نص على أن الذبيح هو إسماعيل، لأنه ذكر قصة الذبيح، ثم قال: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ﴾ (الصافات:112) ومن جمله حالًا فقد تكلف ومستنده أن أسحق إنما هو إسرائیلیات.
وكتابهم فيه تحريف، ولا سيما هاهنا قطعًا لا محيد عنه، فإن عندهم أن الله أمر إبراهيم أن يذبح ابنه وحيده، وفي نسخة من المعربة بكره «إسحاق» فلفظة إسحاق هاهنا مقحمة مكذوبة مفتراة لأنه ليس هو الوحيد ولا البكر، إنما ذاك إسماعيل.
وإنما حملهم على هذا حسد العرب، فإن إسماعيل أبو العرب الذين كانوا يسكنون الحجاز الذين منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإسحاق والد يعقوب - وهــو إسرائيل - الذي ينتسبون إليه، فأرادوا أن يجروا هذا الشرف إليهم، فعرفوا كلام الله وزادوا فيه - وهم قوم بهت - ولم يقروا بإن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، وقد قال بأنه أسحق طائفة من السلف وغيرهم، وإنما أخذوه - والله أعلم - من كعب الأحبار، أو من صحف أهل الكتاب، وليس في ذلك حديث صحيح عن المعصوم حتى نترك لأجله ظاهر الكتاب العزيز، ولا يفهم هذا من القرآن، بل المفهوم بل المنطوق بل النص عند التأمل على أنه إسماعيل.
وما أحسن ما استدل به ابن كعب القرظي على أنه إسماعيل وليس بإسحاق من قوله: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ (هود: 71)
قال: فكيف تقع البشارة بإسحاق وأنه سيولد له يعقوب، ثم يؤمر بذبح إسحاق وهو صغير قبل أن يولد له؟! أهذا لا يكون لأنه يناقض البشارة المتقدمة» انتهى كلام ابن كثير.
قلت: ورد في سفر التكوين المتداول الآن وفي الإصحاح ۲۲: «وحدث بعد هذه الأمور أن الله أمتحن إبراهيم، فقال له يا إبراهيم، فقال: ها انذا، فقال: خذ ابنك وحيدك الذي تحبه إسحاق وأذهب إلى أرض المريا.. الخ»
ومن الغريب أن هذا السفر يقول عن إسحاق في هذا الموضع: إنه وحيد إبراهيم بينما حكى في الإصحاح (١٦) ولادة إسماعيل لإبراهيم، وذلك قبل ولادة إسحاق بأربعة عشر عامًا!
أن هذا يؤيد ما قاله ابن كثير آنفًا: أن كلمة «أسحق» الواردة بعد قوله: خذ ابنك وحيدك، أن هذه الكلمة مقحمة مكذوبة مفتراة!
(۱۷) أي في العرب سكان تلك البلاد.
(۱۸) الآية ۱۲۹ من سورة البقرة.
وقد استجاب الله دعاء نببيه الكريمين، فبعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم،
وكان يردد ويقول: (أنا دعوة أبي إبراهیم)
(19) الآيتان ٥٤ - ٥٥-من سورة مريم.
(٢٠) عجل حنيذ: مشوي على الحجارة المحماة في حفرة.
(21) لا تصل إليه: لا تمتد فتأكل
(22) الآيات ٦٩ - ٧٣ من سورة هود.
(23) الآية ٣٩ من سورة إبراهيم.
(٢٤)يقال لها الآن ( الغار الشريف ) وهي في مدينة الخليل
(25) ثبت أن إبراهيم عليه السلام بلغ هذا العمر المديد في الحديث الذي يرويه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ـ وهو في صحيح ابن حبان - ونصه: «اختتن إبراهيم وهو ابن مائة وعشرين سنة، وعاش بعد ذلك ثمانين سنة» والذي في سفر التكوين عن التوراة، أنه عاش خمسا وسبعين ومائة سنة. هذا وقد أمضى خمسا وعشرين ومائة من عمره المبارك في أرض کنعان.
(26) يقول ابن كثير عن موضع دفن إبراهيم عليه السلام في كتابه البداية والنهاية (1: 175): «فقبره وقبر ولده إسحاق وقبر ولد ولده يعقوب في المربعة التي بناها سليمان بن داود عليهمـــــــا السلام ببلدة حبرون، وهــــو البلد المعروف بالخليل اليوم. وهذا متلقى بالتواتر، أمة بعد أمة وجيلا بعد جيل من زمرة بني إسرائيل وإلی زماننا، أن قبره بالمربعة تحقيقا. فاما تعيينه منها فليس فيه خبر صحيح عن معصوم، فينبغي أن تراعى تلك المحلة، وأن تحترم احترام مثلها، وأن تبجل، وأن تجل أن يداس في أرجائها، خشية أن يكون قبر الخليل أو أحد أولاده الأنبياء عليهم السلام
تحتها
(27) سمي ابراهيم عليه السلام امة لانه جمع من الفضائل والكمالات ما لو تفرق لكفى امه باسرها.
(28) الآيات ۱۲۰ - ۱۲۲ من سورة النحل
(٢٩) الآية 41 من سورة مريم.
(٣٠) البداية والنهاية (۱: ۱۷۰).
(31) البداية والنهاية ( ١ : ١٧٢ )
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل