الثلاثاء 10-ديسمبر-1985
إن علاقة المغرب مع اليهود قديمة جدًّا حيث يرجع تاريخ أول هجرة يهودية للمغرب إلى القرن الثالث قبل الميلاد، وقد تلت ذلك هجرات يهودية أخرى في السنة السادسة للهجرة عندما غادر يهود خيبر شبه الجزيرة العربية عبر اليمن باتجاه المغرب ليستقروا في المناطق الجبلية، وقد عاش اليهود في عهد الدولة السعدية «1512- 1658م» كمواطنين عاديين كانوا يشعرون بالأمان والطمأنينة، ولما انهارت الدولة السعدية في المغرب حاول اليهود إنشاء دولة "إسرائيلية" في شمال المغرب لكن المغاربة أحبطوا تلك المحاولة بقيادة الأمير مولاي الرشيد بن الشريف عام 1664 والذي أسس الدولة العلوية.
بنود سرية قبل الاستقلال
وقد استمر الوجود اليهودي في المغرب حتى استيلاء الاستعمار الفرنسي على البلاد فتحالفت معه غالبية اليهود المغاربة التي حصلت مقابل ذلك على امتيازات كثيرة من المستعمر، ورغم تحالف اليهود مع الفرنسيين فإن أوضاعهم الاجتماعية لم تتأثر بسبب الاستقلال بل شارك اليهود في أول حكومة مغربية برئاسة مبارك البكاي في عهد الملك محمد الخامس، ولربما كان ذلك بسبب بنود سرية في المفاوضات التي أجريت من أجل الاستقلال، وقد ظلت شوكة اليهود تقوى في ظل النظام الملكي بالمغرب وأصبح لهم مناصب حساسة في الإدارة والاقتصاد والسياسة، وأصبحوا يتحدون مشاعر المواطنين المسلمين تحت حماية النظام الملكي بحجة أنهم مواطنون.
شعرة اليهود
من المعلوم أن اليهود في المغرب يمارسون حريتهم كاملة ويبدو أنهم يعملون من خلف ظهر الشعب المغربي في خدمة الكيان الصهيوني المحتل لأرض المسلمين المغتصبة.. فلسطين الإسلامية، ولعل اليهود في المغرب وجدوا في تأييد النظام لمعاهدات كامب ديفيد التي أبرمها أنور السادات مع الصهاينة برعاية أمريكا مجالًا آخر لجعل المغرب يسعى أو يؤيد صلحًا جديدًا بين الصهاينة والعرب على غرار كامب ديفيد التي قلبت الموازين في الشرق الأوسط لصالح اليهود وحلفائهم، وذلك بشل حركة أكبر دولة عربية وإسلامية هي مصر عن أداء دورها التاريخي في مجابهة أعداء الأمة الذين لا يزالون يحتلون أراضي ومقدسات المسلمين، كما ترددت أكثر من مرة أنباء عن لقاءات جمعت بين الملك وقادة "إسرائيل" في سرية تامة، كما نقلت مجلة «أفريقيا وآسيا» الفرنسية أن المغرب قام بتسليم كل الأشرطة التي سجلت عليها المباحثات السرية بين الرؤساء العرب في قمة الدار البيضاء بالمغرب، وتتويجًا لحرص الحسن الثاني الشديد على حماية اليهود وخدمتهم بكل ما يستطيع صرح الملك لوزرائه يومًا من الأيام بأنه رأى والده في المنام يحذره من أن يكون سببًا في سقوط شعرة واحدة من رؤوس اليهود، وتلك هي التوصية التي تلقاها الملك الذي يدّعي أنه أمير المؤمنين وحامي حمى الإسلام وقائد قوافل الجهاد لتحرير القدس الشريف.
مؤتمرات اليهود المغاربة
في مايو 1984 وعشية الذكرى السادسة والثلاثين لاحتلال فلسطين عقد اليهود المغاربة مؤتمرهم السنوي في الرباط حضره أكثر من 400 يهودي يمثلون كافة الطوائف اليهودية في العالم كان من بينهم 28 يهوديًّا قدموا من فلسطين المحتلة منهم ثمانية أعضاء في الكنيست "الإسرائيلي"، وثلاثون من السياسيين ورؤساء البلديات والأكاديميين ومحرري الصحف، وقد جرى استقبال حافل للوفود اليهودية لدى وصولها إلى الرباط وسط إجراءات أمنية مشددة، وافتتح مؤتمرهم وزير الدولة المغربي أحمد العلوي ممثلًا عن الملك الحسن الثاني، ودعا المؤتمر إلى تشكيل لجنة للسلام بين العرب واليهود تسمى لجنة «أبناء إبراهيم»، وكان ممن حضروا هذا المؤتمر أهرون أبو حصيرة وزير الأديان "الإسرائيلي" المعزول.
كذلك اعتادت الجالية اليهودية بالمغرب على إحياء ذكرى «يوم الغفران» اليهودي حيث تقيم الجالية احتفالات سنوية بهذه المناسبة يحضره كبار المسئولين في النظام المغربي نيابة عن الملك الحسن الثاني.
وفي أكتوبر الماضي عقد اليهود المغاربة مؤتمرًا آخر في كندا تحت شعار: «یا یهود المغرب في أنحاء العالم اتحدوا» وشارك في هذا المؤتمر 150 مندوبًا من جميع أنحاء العالم، وكان نجم المؤتمر هو رجل الأعمال المغربي ديفيد عمار العضو في البرلمان المغربي ورئيس مجلس الطوائف اليهودية في المغرب، والذي منحه العاهل المغربي وسام العرش المغربي عام 1984، وقد أكد المؤتمر ولاء يهود المغرب "لإسرائيل" ووفاءهم للمغرب وللملك الحسن الثاني، وقد عبّر عن ذلك أحد الموفدين مازحًا بقوله: «نحن يهود المغرب لنا دولة هي "إسرائيل" ولنا ملك هو الحسن الثاني»، وقد وجّه اليهودي المغربي ديفيد عمار دعوة إلى تنظيم حوار إسلامي -يهودي وإلى حوار "إسرائيلي"- أردني- فلسطيني.
مفاجأة الحسن الثاني
ولعل التصريح الذي فاجأ به الملك الحسن الثاني العالم هذا الأسبوع عندما أبدى استعداده للالتقاء برئيس وزراء الكيان الصهيوني يعتبر تمهيدًا للفصل التكميلي لمسرحية كامب ديفيد، وخاصة بعد الضغوط الأمريكية "الإسرائيلية" التي تمارس الآن لإجبار الأردن على الدخول في مفاوضات مباشرة مع "إسرائيل"، ورغم تراجع العاهل المغربي عن تصريحه في اليوم التالي بمطالبته لرئيس الوزراء "الإسرائيلي" بإرسال مقترحاته إلى الأمين العام للأمم المتحدة فإن الدافع إلى إصدار تصريحات مماثلة يبقى غامضًا ولعل بعض المعلومات تتسرب خلال زيارته الأخيرة لباريس حول هذا الموضوع ليكشف الغموض عن الدافع الحقيقي وراء أخطر تصريح لزعيم عربي منذ تصريح السادات عن استعداده لزيارة القدس.
حرب الخلافة في تونس تشتد ضراوة بين الحكومة ونقابة العمال
الصراع الذي تشهده الأوساط السياسية والعمالية في تونس يندرج تحت حرب الخلافة التي تشتد ضراوة يومًا بعد يوم بين رئيس الوزراء التونسي محمد مزالي وزعيم اتحاد العمل التونسي الحبيب عاشور، وقد بلغت حدة الصراع بين الجانبين ذروته عندما داهمت قوات الأمن التونسية مقار نقابات العمل في الأقاليم يوم الأربعاء 29 أكتوبر الماضي واعتقلت عشرات الأعضاء بحجة أنه كانت لديها معلومات عن وجود أسلحة داخل تلك المقار، كما هاجمت قوة كبيرة من الشرطة في ليلة الأربعاء مقر الاتحاد الجمهوري للعمل بالعاصمة حيث كان يعقد اجتماع عام للعمال وتم إلقاء القبض على مئات العمال من بينهم الأمين العام للاتحاد بالعاصمة وأمناء عامون لنقابات مهنية، كما احتلت قوات الشرطة في نفس الليلة المقر المركزي للاتحاد بالعاصمة وألقي القبض على عبد السلام جراد عضو المكتب التنفيذي في منزله، وقد بلغ عدد النقابيين المعتقلين في تلك الفترة فحسب 150 نقابيًّا بعد إصدار الأمر بإغلاق مقر الاتحاد في تونس العاصمة، كما أمرت الحكومة بفرض الإقامة الجبرية على الحبيب عاشور زعيم الاتحاد بتهمة تحريض العمال على التمرد والعنف.
حملة ضد عاشور
كانت الحكومة تنوي الإعلان عن حل المكتب التنفيذي للمنظمة النقابية وتبديله بهيئة عمالية مؤقتة من عناصر موالية للحزب الاشتراكي الدستوري الحاكم، وكانت الحكومة قد خططت لإصدار إعلان عن حل المكتب التنفيذي أثناء اجتماع المجلس الوطني لاتحاد النقابات الذي كان مقررًا عقده يوم الأربعاء أول نوفمبر 1985، لكن المجلس أفشل خطة الحكومة عندما قرر إلغاء اجتماعه المذكور.
ومن هنا لم تجد الحكومة أمامها إلا إصدار أوامرها لقوات الشرطة باعتقال الزعماء النقابيين وإغلاق المقر العام للاتحاد، وقد واكبت ذلك حملة عنيفة شنتها الحكومة على زعيم الاتحاد الحبيب عاشور الذي اتهمه مزالي نفسه بسوء التصرف والدكتاتورية وغياب الديمقراطية داخل اتحاد العمال واختلاس أموال الاتحاد، واتخاذ مواقف متعنتة خلال المفاوضات بين الحكومة والنقابات، واللجوء إلى الإضرابات العمالية لإرباك الحكومة وليس لتحقيق مصالح للعمال، وقد ترتبت على تصرفات حكومة مزالي تجاه الحركة النقابية ورموزها البارزين ردود فعل غاضبة من مختلف الأقاليم، حيث شهدت العاصمة تونس وبعض المدن الكبرى مظاهرات شبه يومية ضد الحكومة وفي منطلقة قفصة الصناعية شل إضراب عام نظمه العمال حركة المصانع والمناجم لمدة يومين، كما شهدت أقاليم الجنوب الأخرى إضرابًا عامًا شاركت فيه مختلف القطاعات العمالية.
مزالي وحرب الخلافة
ترى أوساط المثقفين في تونس أن محمد مزالي ممثل الخلافة المعلن يسعى على جميع المستويات لتوطيد أقدامه على بساط الخلافة ويزحزح عن طريقه كل رمز يمكن أن يكون عقبة أمامه في سباقه نحو الخلافة، فقد نجح حتى الآن في إبعاد وزير الداخلية السابق إدريس قيقة خلال أحداث ثورة الخبز في العام الماضي، ومنصور المعلا وزير المالية السابق، الذي يمثل بورجوازية صفاقس وعزيز الأطرم ممثل بورجوازية تونس العاصمة، والآن يركز على أسطورة تونس في الأوساط النقابية الحبيب عاشور، فإن عاشور وإن لم يكن معنيًّا بشكل مباشر بحرب الخلافة إلا أن مزالي يدرك أنه يمكن أن يكون ورقة بأيدي من يحتمل أن يكونوا منافسين له في حلية الخلافة، فأراد أن يبعد عاشور عن اتحاد النقابة ويبدله بمن يضمن له تأييد هذه القلعة العمالية في المراحل الأخيرة لحرب الخلافة، ولكن هل يسقط عاشور بهذه البساطة؟
ورقة الاتجاه الإسلامي
يرى المراقبون في الأوساط السياسية في تونس أن حركة الاتجاه الإسلامي تشكل الآن ورقة قوية من أوراق لعبة الخلافة، فبعد أن سيطرت الحركة على أكثر من نصف القطاع الطلابي في تونس أصبحت كل الأطراف المشاركة في حرب الخلافة يحاول كسبها، لأنها أصبحت قوة سياسية لا يمكن الاستهانة بها، وقد أصدرت حركة الاتجاه الإسلامي بيانًا أدانت فيه تصرفات حكومة مزالي التعسفية ضد المنظمة النقابية، وطلبت الحركة من الحكومة إطلاق سراح النقابيين المعتقلين ورفع الحظر السياسي عن الأمين العام لاتحاد العمال الحبيب عاشور، ويعتبر هذا الموقف من حركة الاتجاه الإسلامي تأييدًا للمنظمة النقابية في معركتها مع الحكومة، وفشلًا لمزالي الذي حاول كسب تأييد الحركة في الآونة الأخيرة لتدعيم موقفه في حرب الخلافة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل