; اليهود يحجون إلى المغرب | مجلة المجتمع

العنوان اليهود يحجون إلى المغرب

الكاتب المحرر المحلي

تاريخ النشر الثلاثاء 17-يونيو-1986

مشاهدات 74

نشر في العدد 771

نشر في الصفحة 18

الثلاثاء 17-يونيو-1986

  • الاتصالات المغربية الصهيونية لم تنقطع منذ خمس سنوات
  • اليهود ينشطون في كل مجال في بلد يفخر ملکه بانتمائه للسلالة الهاشمية

تناقلت وكالات الأنباء في الأسبوع الماضي خبرًا مفاده أن عددًا كبيرًا من اليهود من أصل مغربي ومن ضمنهم نواب في الكنيست الإسرائيلي توافدوا إلى منطقة «سطاط» جنوب الدار البيضاء بالمغرب الأقصى لحضور ما يسمى بحج الحيلولة ومما ذكرته وكالات الأنباء بهذا الخصوص أن وزير الداخلية والعلام المغربي السيد إدريس البصري ترأس مع دايفد عمار السكرتير العام المجلس الجالية الإسرائيلية في المغرب مراسم ذلك الحج الذي يقام في ذكرى وفاة الحاخامات اليهود.

 ومر الخبر.. ذكر في بعض الصحف العربية وتناسته بعضها لكنه مر والمهم أنه من دون أن يثير أي استنكار رسمي أو شعبي. مر الخبر بلغة الصمت المطبق وتغلفه بعض دهشة مكبوتة.. فما الذي جرى؟ وما بال الجميع سكوت؟ أم أن الأمر قد اختلط عليهم وأن الطيرة قد عقدت ألسنتهم؟

  • رئيس لجنة القدس يسير على طريق الكامب

كيف لا يحق لنا أن نحتار كل الحيرة بل وحتى أن نشك في قدرتنا على الفهم والإدراك وملك المغرب يفخر بانتمائه للسلالة الهاشمية الشريفة، وهو الذي نصبه العرب والمسلمون رئيسًا للجنة القدس وكيف لا يكون شأننا كذلك والغرب يكيل المدح للحسن الثاني ووسائل إعلامه تمجد عبقريته وتكبر تجربته وتمتدح ذكاءه... على كل من تملكته الحيرة والدهشة من أخبار حج اليهود إلى المغرب أن يقر الآن ويعترف للعاهل المغربي بكل تلك الصفات والخصال حيث إنه استطاع أن يسير في طريق كامب ديفيد دون أن يثير موجة سخط أو ضجة كتلك التي آثارها السادات. حقًا أنها لمفارقة عجيبة أن توضع العقبات وتقام المتاريس في وجه الأول «السادات» ويجد الثاني «الحسن» طريقًا سالكة.

  • كيف يحدث ذلك؟ وما هو تفسيره؟

سياسة الغزل بين المغرب والكيان الصهيوني والاتصالات المباشرة بينهما ليست جديدة وهي تعود إلى ما قبل كامب ديفيد حيث إن المغرب هو الذي رتب لرحلة السادات للقدس المحتلة من خلال مفاوضات واتصالات سرية دارت بين مسؤولين مصريين ومسؤولين إسرائيليين في المغرب الأقصى برعاية العاهل المغربي نفسه وقد كشفت مصادر إسرائيلية النقاب عن زيارة قام بها اسحق رابين وزير الحرب الإسرائيلي السابق إلى المغرب سنة ١٩٧٥ وقبل أن يزورها موشى ديان كما ذكر في مذكراته سنة ١٩٧٧.

وكانت الصحافة الإسرائيلية والعالمية تكشف طيلة السنوات الخمس الأخيرة عن اتصالات لا هي سرية تمامًا ولا هي علانية صراحة من ذلك ما ذكرته صحيفة معاريف من أن أحد أغنى رجال الأعمال المغاربة زار إسرائيل أكثر من مرة وقام باستيراد السلع الإسرائيلية كما تحدثت الصحافة العالمية باسرها سنة ١٩٨١ عن لقاءات تمت بين ملك المغرب وكل من بيريز زعيم المعارضة آنذاك وعدد من أعضاء الكنيست الإسرائيلي وكانت الحكومة المغربية في كل مرة تتحدث فيها الصحف عن مثل هذه اللقاءات التي تعقد في المغرب و خارجه تعمد إلى سياسة إصدار بيانات للتكذيب والاستنكار وتصف الذين يقومون بنشر تلك الأخبار بأنهم يعملون على تشويه سمعة المغرب وأن غايتهم بث الفرقة وتصديع صفوف العرب والمسلمين غير أن توالي الأحداث وتكرر اللقاءات عزز القناعة بأن العاهل المغربي أعتمد أسلوب الفعل في السر والإنكار في العلن حتى اذا جهر فيما بعد بالاتصال المباشر بين المسؤولين الإسرائيليين أمثال بیریز وشامير وغيرهما بدا الموقف لا غرابة فيه وبالتالي سهل تمريره.

  • العاهل المغربي مستعد أو غير مستعد لمقابلة بيريز

آخر بالون أطلقه الملك الحسن الثاني لاختبار مدى تهيؤ العرب لقبول ما كان يدعو له سرًا وبدأ يدعو له علنًا هو تصريحه عشية زيارته لفرنسا بأنه على استعداد لمقابلة بيريز والتفاوض معه وقال إنه ليس عارًا أن يتفاوض متحاربان حتى لا نظل الحرب إلى الأبد والتقطت الحكومة الإسرائيلية النبأ بكل سرور وراحت تنفخ في أبواقها معلنة أن المفاوضات المباشرة هي السبيل الوحيد لحل قضية الشرق الأوسط ولا يخفى على أحد أن ما تبحث عنه إسرائيل دائمًا هو أن يقر العرب بوجودها ويعترفون بها وبمجرد الجلوس إلى التفاوض المباشر معها يحصل هذا الاعتراف والتسليم ولكن جاءت ردة الفعل فسارع إلى التراجع «وما المانع أن يقال القول وعكسه في السياسة العربية» وقال إذا كانت لدى بيريز مقترحات فليضعها في ظرف ويبعثها بالبريد المسجل إلى الأمين العام للأمم المتحدة.

  • المغرب بوابة الغرب على أفريقيا

ترى ما الذي جعل الملك المغربي يطلق ذلك البالون في السماء العربية الغائمة عشية سفره لفرنسا والتقائه بالرئيس الفرنسي ميتران وهو الذي يعلم أكثر من غيره أن طرحه لتلك المبادرة في ذلك الوقت بالتحديد لا جدوى منه بعد أن رفضت أمريكا وإنجلترا ورفض الغرب كله القبول بمنظمة التحرير الفلسطينية كممثل للشعب الفلسطيني؟

لا يمكن فهم تلك المبادرة المغربية إلا ضمن الغزل المغربي الفرنسي الذي عاد بقوة بعد ما اعتراه بعض الفتور والركود النسبي. لقد عاد الدفء من جديد إلى العلاقات الفرنسية المغربية بعد المحادثات المطولة التي دارت بين الملك الحسن الثاني وميتران إبان زيارة هذا الأخير للمغرب والتي حددت دور المغرب كبوابة لفرنسا والغرب على أفريقيا من ناحية وحددت حجم الدعم العسكري والاقتصادي الذي يحتاجه المغرب من ناحية ثانية. فلا بأس إذن أن يرد الملك المجاملة ولو بمبادرة خاوية يسترضي بها ميتران المتحيز للصهيونية تفكيرًا واتجاهًا ويعرب له أنه دائمًا على استعداد لخدمة الأهداف الفرنسية نظير ما اتفق عليه من تزويد المغرب بـ ٢٤ طائرة ميراج ۲۰۰۰ ومفاعل نووي وبناء سكة حديد بين مراكش والعيون ومن دعم الاقتصاد المغربي الذي يشكو من عدة آفات وفي مقدمتها حرب الصحراء المغربية وللمغرب مصالح أخرى يبحث عنها في أوروبا من خلال فرنسا وهي بالأخص دخول منتجاته للسوق الأوروبية المشتركة بعد أن هددها انضمام إسبانيا واليونان لتلك السوق.

  • دور قديم يتجدد

لقد لعب الملك المغربي دورًا غربيًا مهمًا في أفريقيا وما زلنا نذكر مشاركته في الحملة الفرنسية في مدينة تلويزي الزائرية في ۱۸ مايو ۱۹۷۸ لإنقاذ موبونو من ثورة النحاس في كاتنقا ومساهمته في التعجيل بترحيل الليبيين من تشاد ولا يزال الملك الحسن الثاني يؤكد كل يوم أنه على استعداد لمواصلة دوره في أفريقيا والشرق الأوسط وما قيام اليهود بالحج إلى المغرب في الأيام الأخيرة إلا دليل آخر على أن العاهل المغربي لا يزال يتقدم بخطوات مدروسة ومحسوبة على نفس النهج الذي رسمه لنفسه واضعًا يده في يد القادة الفرنسيين كيف لا وهو العاشق الولهان لكل ما هو فرنسي وهو الهائم بلغة «فولوا» وثقافتهم وحضارتهم التي جعلته أخيرًا يتبرع بإعادة بناء وترميم أحد قصورهم.

  • من السرية إلى العلنية بالتدرج

إن سياسة إصدار بلاغات التكذيب والإنكار لم تعد تجدي في المرحلة الراهنة بعد أن تعززت القناعة لدى الجميع بأن ما سبق تكذيبه قد حصل بالفعل ولكننا لا نستغرب أن تصدر بلاغات تكذيب أخرى عن الحكومة المغربية تنفي فيها بعض ما يحرجها وذلك في نطاق سياسة التدرج التي انتهجتها ولكن ماذا سيقول المغرب بعد فضيحة الاتصالات التلفونية بينه وبين إسرائيل عبر إسبانيا والتي نشرتها جرائده؟ وكيف يسهل الرحلات السياحية بينه وبين إسرائيل والتي بدأت بخمسين شخصًا في أيار مايو ١٩٨٦؟ وبماذا سيتعلل لقبوله بإقامة حج الحيلولة على أراضيه وإمامة وزير الداخلية «البصري» المراسم هذا الحج؟ وبماذا سيفسر تبادل الرسائل والهدايا بين دبلوماسييه ودبلوماسي إسرائيلي في تركيا وغيرهما من البلدان؟

لا شك أن المرحلة الحالية هي مرحلة التعليل والتبرير بل التزوير وقد دشن هذه المرحلة الملك الحسن الثاني نفسه عندما حاول تبرير استعداده المقابلة بيريز بقوله إن الموقف الإسرائيلي غير واضح تمام الوضوح للعرب لأنهم لم يتصلوا بالإسرائيليين مباشرة ولم يسمعوا عنهم مباشرة ذلك وكل ما لديهم إنما وصلهم من خلال وسطاء ويمكن قول نفس الشيء عن الموقف العربي بالنسبة للإسرائيليين وكأن الملك يشير بذلك إلى أن ما يفعله الوسطاء قد يعتريه التحريف أو الزيادة والنقصان ويحق لنا أن نتساءل أمام هذا المنطق هل هناك حقًا غموض أو ضبابية في الموقف الإسرائيلي الشيء الذي يحتاج إلى الاستكشاف وعن قرب؟

كل ما ذكرناه يندرج في نطاق سياسة استعمارية التمرير المخططات المشبوهة ولكنها في النهاية هل ستستمر؟؟

الرابط المختصر :