; اليوم الأسود في البيت الأبيض | مجلة المجتمع

العنوان اليوم الأسود في البيت الأبيض

الكاتب عبدالقادر بن محمد العماري

تاريخ النشر الثلاثاء 28-سبتمبر-1993

مشاهدات 78

نشر في العدد 1068

نشر في الصفحة 28

الثلاثاء 28-سبتمبر-1993

الشيء الذي أعجبني في حفل توقيع الاتفاق بين عرفات والإسرائيليين في حديقة البيت الأبيض يوم الاثنين (13/ 9/ 1993م) هو وجود رؤساء ومسؤولين أمريكيين سابقين في الحفل. وقلت يا ليت قومي في العالم الثالث يحذون حذو الغربيين في مثل هذه الأمور فيبقون على رؤسائهم ومسؤوليهم السابقين محترمين ومكرمين ويدعونهم للمشاركة في الاحتفالات ويعطونهم الفرصة لخدمة بلادهم كل بحسب مقدرته وإمكانياته، فمع الأسف الشديد إذ لو كان هؤلاء الرؤساء والمسؤولون في عالمنا الثالث لكانوا الآن إما في غياهب السجون أو قد قتلوا في انقلاب أحمر أو حتى أبيض أو أعدموا بعد محاكمة صورية أو في الإقامة الجبرية على الأقل.

أما الاتفاق نفسه -والذي أقيم الحفل من أجله- فهو نتيجة ظلم مستمر منذ فبراير سنة (۱۹۱۷م) عندما زحفت الجيوش البريطانية على فلسطين، وكان سكان فلسطين في ذلك الوقت سبعمائة وخمسين ألفًا منهم ستمائة ألف عربي مسلم، ومائة ألف عربي مسيحي، وخمسون ألف يهودي، وكان أكثر العرب في ذلك الوقت قد ساعدوا الجيوش البريطانية على طرد الأتراك العثمانيين من بلادهم بناءً على وعد من البريطانيين بإعطائهم الاستقلال. ولكن البريطانيين أخلفوا الوعد، واتفقوا مع الفرنسيين والإيطاليين والروس والأمريكان أيضًا على المشروع الصهيوني وصدر به وعد بلفور في (۲ نوفمبر سنة ۱۹۱۷م). وفي (۳۱ أغسطس سنة ١٩١٨م) تقدم الرئيس ولسون صاحب مبادئ حقوق الإنسان التي خُدعت بها كثير من الشعوب فأعرب للحاخام ستيفان وايز الصهيوني الكبير عن ارتياحه إلى النجاح الذى أدركته الصهيونية وعد ذلك موافقة ضمنية على وعد بلفور، وفي (۳۰ يونيو سنة ۱۹۲۲م) أصدر الكونجرس الأمريكي بالإجماع قراره التالي: إن الولايات المتحدة الأمريكية تؤيد إنشاء وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين على أن يعلم بجلاء أنه لن يُفعل شيء من شأنه أن يمس الحقوق الدينية والمدنية للمسيحيين والطوائف غير المسيحية الأخرى في فلسطين أما صربيا واليونان وغيرهما من الدول المسيحية فقد اعترفت بوعد بلفور قبل ذلك.

إذن الدول الغربية لا تنظر إلى المسألة على أن شعبًا هو الشعب الفلسطيني شرد من بلاده إذ هذه الدول هي التي قامت بتشريده وإعطاء فلسطين لليهود، فهم ينظرون من منطلق ديني «إن الله وعد اليهود بفلسطين أن يقيموا عليها دولة إسرائيل»، وكما تلاحظ في قرار الكونجرس الأمريكي فإنه اعتبر سكان فلسطين مجرد طوائف دينية تسكن في فلسطين، لا وطن يملكه شعب ويسكنه من آلاف السنين

إذن نحن الآن نضرب في حديد بارد إذا أمّلنا من هذا الاتفاق أنه سيعيد للفلسطينيين حقوقهم وقيام دولتهم على أرض فلسطين ويجب أن نعترف أن قرارات مجلس الأمن وهيئة الأمم كلها مهما اعترفت بحقوق الفلسطينيين فهي حبر على ورق كما يجب أن نعترف أننا ما دمنا ضعفاء فلن نستطيع أن ننال حقوقنا، وأن هذا الاتفاق ما هو إلا محاولة للمحافظة على أمن إسرائيل وذلك هو الذي يهم الغرب فقط.

والذي يجب علينا في هذه الحال أن نتضامن وألا نتقاتل فيما بيننا، وأن نشجع الفلسطينيين على الوحدة فيما بينهم، حتى لو اختلفوا ورأى بعضهم قبول الاتفاق باعتباره خطوة إلى الأمام في نظرهم، وإنقاذ ما يمكن إنقاذه، فعلى معارضي الاتفاق ومؤيديه ألا يدخلوا في صراع يفتت وحدتهم ويزيدهم ضعفًا، وعلى مؤيدي الاتفاق والذين وقعوه ألا يعتبروا أنفسهم قد أتوا بالحل المناسب، ولا يستغلوا التأييد الغربي والإعلام العالمي ويندفعوا في التأييد أكثر من اللازم، وإنك لتعجب لهذه الأفراح التي أقيمت هنا وهناك بمناسبة هذا الاتفاق، فما ندري ما الذي يفرح فيه، فلو أن شخصًا اغتصب بيتك كله ولم تستطع أن تنزعه منه ثم بعد جهد جهيد أعطاك حجرة صغيرة في طرف البيت شبيهة بتلك الحجرة المخصصة للحارس في البيوت الكبيرة، فهل تفرح وتقيم الزينات وترفع الأعلام وقد أخذ بيتك كله فإذا أنت قد غمرتك الفرحة وزغردت من الفرح فإن أحدًا بعد ذلك لن يعتبرك مظلومًا بأخذ بيتك وطردك منه في يوم من الأيام، بل خدعت نفسك وخدعت الآخرين بهذه الأفراح!

إنه يوم أسود في تاريخ القضية الفلسطينية، وإن علينا أن نعلم علم اليقين أن الحل المشرف، وأن الحق لن يعود إلى أصحابه إلا بالاتحاد والتضامن تحت راية واحدة هي راية الإسلام، ولا ندري لماذا نخجل نحن من رفع راية الإسلام، ولم يخجل الإسرائيليون من رفع راية إسرائيل وراية اليهودية، ولابد أن نتذكر يوم خدع الإنجليز العرب وحملوهم على محاربة الدولة العثمانية وكانوا كما قال شاعرهم

قد رجونا من المغانم حظًا                                  ووردنا الوغى فكنا الغنائم

في سنة (۱۹۱۹م) قال كلمنصو- وزير خارجية فرنسا: «اشترك الجيش العربي في تمزيق شمل الجيش الرابع والجيش السابع والجيش الثامن من العثمانيين، واحتل مع الحلفاء دمشق وحلب في منتهى الجرأة والإقدام».

وفي سنة (۱۹۲۰م) قال الجنرال الفرنسي غورو وهو يضع رجله على قبر صلاح الدين الأيوبي «ها نحن قد عدنا ثانية يا صلاح الدين».

وفي سنة (۱۹۲۱م) أصدر الشريف حسين منشورًا لشعب فلسطين قال فيه: «عرضت علي الحكومة البريطانية معاهدة عدلتها بحيث ينص فيها على استقلال فلسطين، وجعلت وعد بلفور في حكم أنه لم يصدر، وإذا لم تقبل الحكومة البريطانية هذه التعديلات فلا يمكن أن أقبل هذه المعاهدة».

قد يقال إن هذه الأقوال قد عفى عليها الزمن وجاء العالم الجديد بمبادئه الجديدة والذين يقولون ذلك يخدعون أنفسهم، فالغرب هو الغرب، وصحيح أن في الغرب أناسًا يعرفون الحق ويعملون من أجل حقوق الإنسان بإخلاص ولكن مع الأسف أننا أصحاب قضية عادلة ولكن محاميها فاشلون، ومن هؤلاء الغربيين المنصفين اللورد أرنولد توينبي فقد قال في مناظرته مع سفير إسرائيل بقاعة جامعة كندا: «إن إسرائيل بكاملها مازالت من وجهة شرعية ملكًا لعرب فلسطين.. إن النسبة الكبيرة من الأرض والبيوت والأموال المنقولة وأشجار الفاكهة هي للعرب اللاجئين الذين يعيشون على مد البصر من أملاكهم في ظروف الشقاء والقنوط».

لم نستغل إمكانياتنا من أجل كسب أنصار لقضايانا، وعندنا أعظم دين له جاذبية إذا أحسنا الدعوة إليه اكتسح الأديان والأفكار في الغرب، وبذلك نكون قد نفعنا أنفسنا وأرضينا ربنا وجاهدنا في الله حق جهاده. فالجهاد ليس بالسيف فقط الجهاد أيضًا يكون بالكلمة الطيبة، وبالقدوة الصالحة وبحسن العرض عند الحديث مع أهل الفكر والعقل، أما إذا كنا نعتقد أن مسايرتنا للغرب وخضوعنا للضغوط هو السبيل لنيل حقوقنا فإننا واهمون لنصلح أنفسنا أولًا، ونعمل على بث روح الجهاد في شبابنا، الجهاد بمعناه الواسع، والإعداد الكامل للمعركة الفاصلة مع الأعداء، كلنا يريد السلام، ولكن السلام غير الاستسلام، والذين يقولون إن هناك سلامًا عادلًا شاملًا سيأتي عن طريق هذه الاتفاقيات فهم واهمون كيف يكون هناك سلام عادل واليهود قد أقاموا دولتهم على أرض مغتصبة من أصحابها؟ 

إن عبارات السلام العادل الشامل عبارات خادعة لتمرير اتفاقيات الاستسلام، إننا نلح ونلح على الصبر والمثابرة وعدم الاستعجال على قطف الثمار، ونلح أيضًا على الوحدة والتضامن بتوفير كل الجهود وعدم إراقة الدماء بين الأخوة والأشقاء

ولقد آن الأوان أن نقلد الغربيين في حواراتهم وديمقراطيتهم، وفي كل إيجابياتهم، فتلك كلها يدعو إليها الإسلام ولا نقلدهم في سلبياتهم وشهواتهم وأن نحمي مجتمعاتنا من نتائج هذه الاتفاقيات غير العادلة

الآن إسرائيل تملي شروطها، تتخلى عن أريحا لأن اليهود يعتبرونها من البلاد المغضوب عليها في عقيدتهم، ويتخلون عن غزة لأنها مكلفة اقتصاديًا ومشاكلها أكثر من منافعها، أما القدس فلم يتخلوا عنها، وقد قال رابين إنها عاصمتهم للأبد! إذن ما فائدة هذا الاتفاق غير أنه سيكون طريقًا لتطبيع العلاقات مع الدول العربية كلها، ويفتح الأبواب على مصاريعها أمام اليهود؟ ألا يحق لنا إذن أن نحزن وأن نعتبر الاحتفال به احتفالًا بدفن القضية الفلسطينية أو تحنيطها؟

لاشك أن يوم الاثنين الماضي يوم أسود بالنسبة للعرب والمسلمين والفرح به من جانبنا غفلة وسذاجة، والخوف كل الخوف من أن يتعاون هؤلاء الذين وقعوا الاتفاق وأيدوه مع إسرائيل للقضاء على ما تسميه إسرائيل والغرب بالأصولية.

إن محاربة الأصولية من قبل إسرائيل وأعوانها معناه محاربة الإسلام الذي هو طريق الخلاص وإذا هم استجابوا لها في ذلك فإنهم سيكونون قد تحولوا إلى أعداء الإسلام.

 ضاعت فلسطين لا بالسيف من يدنا                  لكن بإصبع غدار منسحب

قد فرقتنا ومازالت تفرقنا                                       عدوة الشرق والإسلام والعرب

﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُم مُّتَرَبِّصُونَ﴾ (التوبة: ٥٢).

الرابط المختصر :