العنوان اليوم العالمي لمأساة الشعب الفلسطيني
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 03-ديسمبر-1985
مشاهدات 51
نشر في العدد 744
نشر في الصفحة 21
الثلاثاء 03-ديسمبر-1985
يوم ٢٩ نوفمبر ومنذ ثماني سنوات هو اليوم العالمي للتضامن مع الشعب الفلسطيني كما قررت الأمم المتحدة في دورتها لعام ١٩٧7.
وقد بادرت المنظمة الدولية للاحتفال بهذا اليوم عام ۱۹۷۸ في مقرها العام بنيويورك، وكان نجم الحفل سكرتيرها العام السابق كورت فالدهايم.
وفي مثل هذا اليوم تعقد الندوات وتتلى الخطابات عن مأساة الشعب الفلسطيني وما قاساه من تشريد وتقتيل وضنك في الحياة، وبهذا يكون التضامن مع الشعب الفلسطيني، وكما أرادت الأمم المتحدة الشجب والاستنكار وربما النحيب وذرف الدموع!
فهل أنصفت الأمم المتحدة قضية فلسطين؟ وما هو حقيقة الدور الذي لعبته فيها؟
لو رجعنا إلى السبب الذي جعل الأمم المتحدة تختار يوم ۲۹ نوفمبر بالذات، لوجدنا أنه يصادف نفس اليوم الذي أصدرت فيه الأمم المتحدة قرار تقسيم فلسطين الشهير رقم ١٨٠عام ١٩٤٧.
ومن المعروف أن قرار التقسيم هو القرار رقم «3» بعد وعد بلفور وقرار عصبة الأمم المتحدة بانتداب بريطانيا على فلسطين عام ۱۹۲۲، الذي كرس ضياع فلسطين وإعطاء اليهود الأغراب حق الحياة فيها على حساب أهلها المواطنين.
لقد جاء قرار التقسيم لصالح الحركة «الصهيونية»، وكان توطئة لإعلان قيام الدولة اليهودية في فلسطين في ١٥/ ٥/ ١٩٤٨ التي سارعت الأمم المتحدة للاعتراف بها أيضًا على حساب الشعب الفلسطيني.
أما قرار اعتبار يوم ۲۹ نوفمبر من كل عام يومًا عالميًا للتضامن مع الشعب الفلسطيني، فقد صدر عام ۱۹۷۷ بعد أيام قليلة من زيارة السادات المشؤومة للقدس وتعهده بالاستجابة لجميع المطالب الإسرائيلية.
والحقيقة أن يوم «التضامن» مع الشعب الفلسطيني هو في الحقيقة يوم نعي الشعب الفلسطيني، وليست هذه مبالغة أو بلاغة، فسجل مواقف الأمم المتحدة من قضية فلسطين يسير في هذا الاتجاه ويؤكده.
فقرار التقسيم عام ١٩٤٧ كما قلنا كان توطئة لقيام دولة (إسرائيل) عام ١٩٤٨، أي أن دور الأمم المتحدة كان قبل قيام دولة (إسرائيل)، هو إضفاء طابع الشرعية الدولية على الجهود المبذولة لإقامتها.
وفي هذا السياق جاء قرار عصبة الأمم بالموافقة على انتداب بريطانيا على فلسطين، من أجل التهيئة لإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين كما أشار أحد بنود صك الانتداب.
وعندما قامت الأمم المتحدة عام ١٩٤٥ اتخذت قرار التقسيم عام ١٩٤٧، في وقت كانت العصابات الصهيونية بأمس الحاجة فيه لرقعة جغرافية تتمتع بشرعية دولية.
وبعد قيام دولة (إسرائيل) بجهود دولية ظلت قرارات الأمم المتحدة تترى حتى عام ١٩٦٧، لتتحدث عن قضية واحدة هي قضية اللاجئين وتسوية مشاكلهم، وكانت الأمم المتحدة سخية بحيث أنشأت وكالة غوث اللاجئين لتكريس حياة البؤس والتشريد في الشعب الفلسطيني.
ومنذ هزيمة عام ١٩٦٧ أصبحت قرارات الأمم المتحدة تركز على حق (إسرائيل) في الوجود ضمن حدود آمنة وتسوية آثار العدوان، وفي هذا المجال صدر القرار الشهير ٢٤٢ عام ١٩٦٨و۳۳۸ عام ۱۹۷۳.
وما زال هذان القراران أساس المطالب الصهيونية الأميركية، ليس من الحكام العرب بل من منظمة التحرير والشعب الفلسطيني الذي شرد من أرضه ووطنه.
ومن قبيل تضليل الشعب الفلسطيني بشكل خاص والشعوب الإسلامية بشكل عام، لجأت الأمم المتحدة بين فترة وأخرى لاتخاذ قرارات لا تزيد عن كونها «ملهاة» كدعوة عرفات لإلغاء خطاب عام ١٩٧٤ في الهيئة العامة للأمم المتحدة، وقرار اعتبار الصهيونية شكلًا من أشكال التمييز العنصري عام ١٩٧٥، والقرار الخاص بالاعتراف بحق تقرير المصير عام ١٩٧٦، وقرار اعتبار يوم ٢٩ نوفمبر يومًا عالميًا للتضامن مع الشعب الفلسطيني عام ۱۹۷۷.
وثمة حقيقة أخرى لصيقة بهذا الدور الذي تقوم به الأمم المتحدة تجاه القضية الفلسطينية، وهي أنها في قراراتها محكومة بمواقف الدول الكبرى خاصة موقف الولايات المتحدة الأميركية.
ولعل أقرب مثال على ذلك قرار السكرتير العام للأمم المتحدة تجاهل توجيه الدعوة لياسر عرفات بحضور دورة الأمم المتحدة لهذا العام، بعدما هدد ريغان بعدم حضور دورة الأمم المتحدة إذا ما دعي عرفات، وذلك في أعقاب الغارة الإسرائيلية على مقر المنظمة في تونس، وحادث اختطاف السفينة الإيطالية «أشيل لورو».
وعندما طالبت معظم دول العالم بطرد (إسرائيل) من الأمم المتحدة، هددت الإدارة الأميركية بالانسحاب من الأمم المتحدة.
وهكذا فإن تحليل قرارات الأمم المتحدة سواء ما صدر منها عن الجمعية العامة أو عن مجلس الأمن، يقود إلى الاعتقاد بأن هيئة الأمم المتحدة على العكس من أهدافها المعلنة، مارست دورًا متواطئًا ومضللًا تجاه القضية الفلسطينية.
وإذا كان إضفاء الشرعية على الوجود اليهودي في فلسطين واضحًا، فإن تضليل الشعب الفلسطيني والشعوب الإسلامية عن طريق ادعاء المنظمة بنصرة القضية الفلسطينية من خلال اليوم العالمي للتضامن مع الشعب الفلسطيني، ربما يحتاج إلى توضيح أكثر.
ومن أجل ذلك نقول إن هذا الدور تمثل في صرف مطالب الشعب الفلسطيني والشعوب العربية الإسلامية عن مطلب عودة الأرض لأصحابها الشرعيين، إلى مجرد الاعتراف بوجود الشعب الفلسطيني وقيادته الشرعية والنضال لتحقيق ذلك عن طريق الأمم المتحدة.
إننا نتذكر كيف صورت دعوة ياسر عرفات للأمم المتحدة وإلقائه خطابًا رفع فيه شعار غصن الزيتون، نتذكر كيف صورت كنصر فلسطيني عربي ما بعده نصر.
ومنذ ذلك الحين أصبح ميدان النضال محصورًا في الحصول على اعتراف أو وعد بالاعتراف بحق تقرير المصير من هذه الدولة أو تلك.. وكأن التحرير والاستقلال تنال بالآمال والمنحات.
فهل لنا في اليوم العالمي «لنعي» القضية الفلسطينية من عظة!
﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكۡرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُۥ قَلۡبٌ أَوۡ أَلۡقَى ٱلسَّمۡعَ وَهُوَ شَهِيدٞ﴾ (ق: 37).