العنوان المجتمع التربوي (1584)
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر السبت 10-يناير-2004
مشاهدات 90
نشر في العدد 1584
نشر في الصفحة 54
السبت 10-يناير-2004
■ الإتمام الصامت
فهد النفيسي
ذكر أبو بكر الكتاني، قال: جرت مسألة في المحبة بمكة -أعزها الله تعالى -أيام الموسم، فتكلم الشيوخ فيها، وكان الجنيد أصغرهم سنًّا، فقالوا: هات ما عندك يا عراقي فأطرق رأسه، ودمعت عيناه، ثم قال: عبد ذاهل عن نفسه، متصل بذكر ربه، قائم بأداء حقوقه، ناظر إليه بقلبه، فإن تكلم فبالله، وإن نطق فعن الله، وإن تحرك فبأمر الله، وإن سكن فمع الله، فهو بالله والله ومع الله.
فبكى الشيوخ وقالوا: ما على هذا مزيد جزاك الله يا تاج العارفين.
ذكره ابن القيم في تهذيب المدارج ص ٥١٣ ثم ذكر الأسباب الجالبة للمحبة فذكر منها: «الرابع: إيثار محابه على محابك عند غلبات الهوى، والتسنم إلى محابِّه، وإن صعب المرتقى». إن من غلبات الهوى أن يحب الرجل المباهاة والتعاظم بمناقبه، مما يكرهه الله عز وجل بنص القرآن العظيم، فقد قال تعالى في سورة لقمان: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ (لقمان: ١۸)، قال الشارح فخور: أي كثير المباهاة والتعاظم بمناقبه.
فمن إيثار محاب الله على محابنا أن نكره ما يكرهه سبحانه وتعالى، والله عز وجل يكره التفاخر والمباهاة، ومن التسنم إلى محابه أن ترجع الفضل إلى الله، فالله عز وتعالى في قدرته يحب عباده المخلصين، الذين يرجعون فضل أعمالهم لله تعالى، ولا يرون لأنفسهم أي وزن دونه.
فالرفعة والعزة هي من عند الله،﴿وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ ﴾ (آل عمران :26).
العز في كنف العزيز ومن عبد العبيد أذله الله
فليحذر من اعتاد لسانه أن يضيع وقته وجهده في ذكره لمناقبه ومدحه لنفسه، رجاء قبول الخلق، أن يكون من أهل الأخلاط السذج من خلطوا على قلوبهم بما لا يرفعهم في دنيا ولا في آخرة.
وكان من دعاء النبي ﷺ: «أنت المقدم وأنت المؤخر»
فالله عز وجل هو المقدم وهو المؤخر، وإن مدحنا لأنفسنا لن يرفعنا على الناس قيد أنملة فإن الرفعة بيد الله، وصدق ﷺ حين قال: «من تواضع لله رفعه».
يقول الشيخ محمد أحمد الراشد: في العوائق «الإتمام الصامت» ص ۳۹:
«ولذلك كانت وصية السلف أن: التمام التمام. أرسلها أبوبكر رضي الله عنه من وراء الصحراء إلى خالد بعد انتصاراته في العراق، أن: «ليهنك أبا سليمان النية والحظوة، فأتمم يتمم الله لك، ولا يدخلنك عجب فتخسر وتخذل وإياك أن تدل بعمل، فإن الله له المن، وهو ولي الجزاء...» تاريخ الطبري ٣ /٣٨٥.
يطلب منه الإتمام الصامت في غير وقوف عن السير حتى يكون كذلك البدر».
وقال في موضع آخر من نفس الكتاب تحت عنوان: تنقية النية مما علق بها من شوائب ص۱۲۱: «نور أناره خالد رضي الله عنه يوم احتدمت اليرموك فقال:
«إن هذا يوم من أيام الله، لا ينبغي فيه الفخر ولا البغي أخلصوا جهادكم، وأريدوا الله بعملكم، فإن هذا يوم له ما بعده» تاريخ الطبري (٣/٣٩٥).
ونقول بالذي قال: إن أيامنا هذه التي نصاول فيها جاهلية القرن العشرين لاستئناف الحياة الإسلامية إنما هي من أيام الله التي لها ما بعدها، فإنه لا ينبغي للداعية أن تجره فتنة إلى فخر وتطاول على أصحابه»... انتهى كلامه.
قال سيدنا عمر بن الخطاب: «لا يعجبنكم من الرجل طنطنته، ولكنه من أدى الأمانة وكف
عن أعراض الناس فهو الرجل» (زهد ابن المبارك:233)
يقول الراشد في العوائق ص ۱۳۷: «طنطنة التفاخر والتفيقه»:
إن مما يحزن القلب أن يتجرأ صغار الدعاة وطلاب الطريق القويم، لا أربابه، للحديث عن أنفسهم وعن رحلاتهم وجولاتهم في عالم الدعوة، بحجة إثراء التجربة الدعوية، ولا نشكك في نياتهم، ولكنها منزلة عالية فر منها كبار القوم تواضعًا واتهامًا لأنفسهم بعدم لوصول!.
يقول الإمام حسن البنا الذي خط بأعماله قبل كلامه طريق التجرد، في مقالة تجرد: ﴿مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا*وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا﴾ (الإسراء: ۱۸-۱٩):
ومن هنا آثر الصالحون من عباد الله في كل زمان ومكان أن يتجردوا للغايات العليا، ويصرفوا حياتهم ومقاصدهم وأعمالهم وأقوالهم إلى الله جل وعلا متجردين لذلك من كل غاية، متخلصين من كل شهوة: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ ۚ وَذَٰلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ (البينة: ٥).
ومن هنا قرأنا في تاريخنا قصة ذلك الذي عشر على حق من الجوهر الغالي الثمين في القادسية، فقدمه إلى الأمير طائعًا، فعجب من أمانته وقال: «إن رجلًا يتقدم بمثل هذا لأمين، ما اسمك؟ حتى أكتب به إلى أمير المؤمنين فيجزل عطاك، وينبه اسمك»، فقال الرجل: «لو أردت وجه أمير المؤمنين ما جئت بهذا، وما وصل علمه إليك ولا إليه، ولكن أردت وجه الله الذي يعلم السر وأخفى، وحسبي علمه ومثوبته»، وانصرف ولم يذكر اسمه، وآثر ما عند الله على ما عند الناس.
وأمثال ذلك كثير في تاريخنا الزاخر بمعاني التجرد للخير والحق والعمل الصالح ابتغاء مرضاة الله، فهل تستقيم الأمور على هذا النهج القويم؟.... اللهم آمين... انتهى كلامه.
كفى بالله مزكِّيًا
يقول الراشد في العوائق ٥٣: «لأن الكيِّس من دان نفسه دائمًا واتهمها بالتقصير، ورأى أن ما يعمله مهما كثر قليل، بجانب حقيقة شكر الله».
وأحد السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: رجل تصدق بيمينه صدقة لا تعلمها شماله، ومثله الذي يفتح الله على يديه بالأعمال الصالحة لا يعلمها إلا قليل، ويراها المسلمون فلا يعرفون صاحبها.
والدعاة يهتفون من أول يومهم أن: الله غايتنا.
فما ضرهم أن يحشروا مع قتلى نهاوند الذين لا يعرفهم الناس، بل الله يعرفهم؟.
يقول مدرك بن عوف الأحمسي: «بينا أنا عند عمر رضي الله تعالى عنه إذ أتاه رسول النعمان بن مقرن فجعل عمر يسأله عن الناس، فجعل الرجل يذكر من أصيب من الناس بنهاوند، فيقول: فلان بن فلان وفلان بن فلان. ثم قال الرسول: وآخرون لا نعرفهم.
فقال عمر رضي الله عنه: «لكن الله يعرفهم».
وفي لفظ آخر: «ولكن الذي أكرمهم بالشهادة يعرف وجوههم وأنسابهم».
وإنما يُسدُ باب الفتن في الدعوة بمثل هؤلاء الجنود الذين يجردون عملهم لله، ولا يحفلون بمعرفة غيرهم أو جهلهم بما يعملون، وإلا فإنها سهام الشيطان قاتلة»، انتهى كلامه.
يقول عمر بن عبد العزيز: «من عد كلامه من عمله: قل كلامه».
وقال المحدث الثقة محمد بن كناسة الكوفي وهو يرثي خاله الزاهد المشهور إبراهيم بن أدهم:
زهود يرى الدنيا صغيرًا عظيمها وفيٌّ لحق الله فيها معظما
وأكثر ما تلقاه في القوم صامتًا فإن قال: بذ القائلين وأحكما
يقول الراشد: «فاستصغار الدنيا، والوفاء، لا يبدو جمالهما الكامل إلا إذا اقترنا بصمت» العوائق: ۱۷۲
﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ()لَا شَرِيكَ لَهُ ۖ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ (الأنعام:162-163).
﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾ (الإنسان:9)
■ كيف تكون إيجابيًا؟!
إيهاب صلاح العشري
For2ehab@hotmail.com
الإيجابية صفة لها أثرها العظيم في حياة الأمة تنقلها من الموات إلى الإحياء. ذلك أن السلبية «وهي نقيض الإيجابية» لا تبني أمة ولا تقيم حضارة وانظر إلى الإنسان. تجد أنه إذا أراد أن ينقل متاعًا ثقيلًا استأجر له الأقوياء الأشداء من الرجال، ذلك أن المهازيل لا يستطيعون حمل أنفسهم فضلًا عن أن يحملوا غيرهم.
بداخل المسلم طاقات جبارة نابعة من إيمانه بالله عز وجل، ذلك أن الإيمان الحق يفجر الطاقات ويشحذ الهمم وينمي معنى الإيجابية في النفوس، والمسلم الحق لابد أن يكون إيجابيًّا، إن الصحابة رضوان الله عليهم الذين تربوا على الإيجابية غيروا وجه التاريخ فحولوا الغابة الإنسانية إلى واحة حب وإيمان تلك الصفة كانت تجعلهم يبادرون إلى الأعمال الصالحة، فهذا الحباب بن المنذر t يقول للنبي ﷺ في بدر: «أهذا منزل أنزلكه الله أم هو الرأي والمشورة؟ فقال النبي ﷺ بل هو الرأي والمشورة.. قال الحباب إذًا فهذا ليس بمنزل....».
يفهم البعض خطًا أن من التقوى ألا تتطلع إلى معالي الأمور فيقول لك لا تطلب الرئاسة لأن التقي يجب ألا يطلبها. ما لنا والانتخابات؟ ما لنا والسياسة؟ وهذه مظاهر سلبية في حياة الناس وليست من التقوى في. شيء، التقي هو الذي يسعى لأن تكون الأمور في يد من يصلح لها من الأتقياء حتى يستطيعوا أن يسيروها وفق مراد الله عز وجل، والمسلم مطالب بالتميز في كل
شيء في خلقه وعلمه وصناعته وحتى في تعامله مع الناس.
والسؤال الآن: ما السبيل لتعلم الإيجابية؟
1- وضوح الرؤية والهدف: فكلما كان لديك هدف واضح تسعى لتحقيقه كنت قادرًا مبادرًا ممسكًا بزمام الأمور. والمسلم صاحب رسالة من أسمى الرسالات وهي عبادة الله عز وجل حق العبادة، ومن ثم تعبيد الكون كله لله رب العالمين. وهذا الهدف العظيم يتطلب منه أن يكون إيجابيًّا حتى في الأهداف الدنيوية يجدر بك ألا ترضى بالأهداف الضعيفة القليلة ولكن بالأهداف عظيمة الشأن ومن ثم توظيفها في خدمة هدفك الأسمى.
2- استشعار فردية التكليف: ذلك أن الإنسان سوف يقف بين يدي الله عز وجل فردًا ويحاسب عن كل ما قدمه، لقوله تعالى: ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ (مريم:95)، ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ (المدثر:38)
ومهما كان الإنسان داخل مجموعة يقوم بأعمال جماعية إلا أنه سوف يحاسب حسابًا فرديًّا بين يدي الله عز وجل. وفي هذا يحثنا الرسول ﷺ: «اغتنم خمسًا قبل خمس: حياتك قبل موتك، وصحتك قبل سقمك، وفراغك قبل شغلك، وشبابك قبل هرمك، وغناك قبل فقرك».
وفي هذا تربية للمسلم بأنه هو الذي سوف يسأل عما قدم فلا يجدر به أن يلقي التبعة على غيره، وقد يفهم البعض خطأ أنه مادام داخل المجموعة فهذا يكفي أو أنه قد أخذ تذكرة مرور إلى الجنة، وهنا نقول له: لابد أن تراجع مفاهيمك فالحساب فردي.
3- دراسة سير ذوي الهمم العالية: فدراسة سيرتهم والتشبه بهم باعث قوي على تحفيز وإيقاظ القوى الخفية لديك، فدراسة المعاصرين سوف تجدد الأمل في نفسك شخصيات لها تأثيرها في تاريخ الأمم أمثال الخلفاء الراشدين أو المتميزين من المجاهدين وتدفعك نحو التميز والابتكار.
4- الوقوف مع النفس: وقفات للبحث والغوص في أعماقها ودراسة القدرات الكامنة لديك اسأل نفسك: ترى ماذا قدمت لخدمة الإسلام والمسلمين؟ وماذا يمكن أن أقدم؟ وما القدرات التي لدي؟ وما السبيل إلى توصيل ما عندي من مواهب إلى الناس؟ ثم دون ما يخطر ببالك وابدأ فورًا في العمل على تطبيقه وإخراجه للناس حسب الوسائل المتاحة لديك.
5- لا تلتفت إلى الوراء: فالالتفات إلى الوراء يجر الخيبة والهزيمة النفسية اجعل من دروس الماضي محفزًا لك للمضي إلى المضي إلى الأمام، فإن الإنسان إذا أراد أن يصعد السلم فلابد أن يولي ظهره لمن خلفه من الناس، إن كثيرًا من الناس أعداء للنجاح فلا تلتفت إليهم وإلى أحاديثهم مادامت رؤيتك واضحة وهدفك محددًا.
6- استشعار قيمة الوقت: فوقتك هو عمرك فلا تضيعه فيما لا يفيد لابد أن تخطط لكل دقيقة في حياتك، فالتاجر الذكي هو الذي يحافظ على رأس ماله والمؤمن الفطن يعلم أن رأس ماله هو عمره فلا يجب أن يضيعه فيما لا يفيد لقول النبي ﷺ: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ» إذا فأنت في نعمة ما دمت محافظًا على وقتك مستفيدًا منه جيدًا.
7- تقييم الذات: فكلما أنجزت شيئًا من خططك قف وقفة للتقييم والمتابعة في ضوء ما حددت من أهداف مسبقة.
وأخيرًا ما فائدة أن تكون إيجابيًا؟
1- الإعذار إلى الله عز وجل بأنك لم تألُ جهدًا في تغيير الأمة إلى الأفضل.
2- سد الثغرة التي أنت عليها، فكل منَّا على ثغرة معينة في هذه الحياة، فلتحذر أن يؤتى الإسلام من قبل ثغرتك.
3- احترامك لذاتك: فالإيجابية تمنحك احترام الذات وتقديرها.
4- إحساسك الشخصي بأنك تقدم شيئًا له قيمته أمام الله عز وجل ثم له تأثيره في دنيا الناس.
5- تفجير الطاقات الكامنة لديك.
6- الوصول إلى درجة الإبداع والابتكار.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل