العنوان الإخاء عند التابعين
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 29-سبتمبر-1992
مشاهدات 61
نشر في العدد 1018
نشر في الصفحة 48
الثلاثاء 29-سبتمبر-1992
الإخاء عند التابعين
الإخاء في الله كمنهج تربوي
وهي من أبرز طرق
تربية النفوس عند التابعين ومن بعدهم، منطلقين بذلك من آيات كثيرة وأحاديث منها
قوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ
يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ (الكهف: 28) (1)،
ومنها قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ
وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ﴾ (الحشر: 9) (2)،
ومنها حديث أبي هريرة عن السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم القيامة: «ورجلان
تحابا في الله اجتمعا على ذلك وتفرقا» (3)، ومنها قوله صلى الله عليه وسلم في
رواية مسلم: «والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا
أو لا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم أفشوا السلام بينكم» (4).
الهدف من الإخاء:
وهذا هو أحد
شيوخ التابعين الإمام الحسن البصري يحدد الهدف الرئيسي من الإخاء، فيقول: «أخ لك
كلما لقيك ذكرك بحظك من الله خير لك من أخ كلما لقيك وضع في كفك دينارًا» (5).
ويزيد إيضاحًا في مهمة الأخ مع أخيه، فيقول: «المؤمن مرآة أخيه إن رأى فيه ما لا
يعجبه سدده، وقومه، وحاطه، وحفظه في السر والعلانية» (6).
إذن فهو تعاون
كامل في تربية هذه النفوس، يتعاون فيها الأخ مع إخوانه، فالمرء لوحده ضعيف، ومع
إخوانه قوي، ومن الصعب على الإنسان بمفرده التغلب على هذه النفس الأمارة بالسوء من
غير عون من إخوانه.
إظهار الحرص على الأخوة:
ولأن هذا الأمر
من أهم ما كان يهتم به الرعيل الأول وطلابهم من التابعين، فكانوا شديدي الحرص على
هذه الأخوة ألا تضعف أو تفتر. ولقد تعددت العبارات من التابعين والتي مفادها بأن
باطن الأرض خير من ظاهرها لولا ثلاث: قيام الليل، وصيام النهار، والإخاء في الله.
فهذا هو التابعي الثقة وهب بن منبه يقول: «ثلاث من روح الدنيا: لقي الإخوان،
وإفطار الصائم، والتهجد من آخر الليل» (7).
وكانوا يعبرون
عن هذا الحرص، وتلك المحبة، التي لا يستطيعون كبتها فيما يرويه الإمام الحسن
البصري عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أنه كان «يذكر الرجل من إخوانه في بعض
الليل، فيقول: يا أطولها من ليلة، فإذا صلى المكتوبة غدا إليه فإذا التقيا عانقه»
(8).
وكان الصحابي
الجليل ابن مسعود إذا خرج لأصحابه، قال: «أنتم جلاء حزني»، وكان الثقة الفاضل
القارئ طلحة بن مصرف يقول لأخيه في الله مالك بن مغول: «للقياك أحب إليَّ من
العسل» (9).
التضحية بكل شيء من أجل الأخوة:
هكذا كان تصورهم
عن الأخوة، فهي إخوة في العون على الثبات على الطريق، وعلى مواصلة الطريق إلى
الجنة، وما كان عندهم شيء من أمر الدنيا الفانية يبخلون به أو يضنون به عمن يعينهم
على الوصول للجنة الخالدة.
ومن كان يفكر
هذا التفكير أو يطبقه في أرض الواقع، فهو لا يعرف حقيقة الإخاء وأهدافه ومراميه.
وهذا ما يبينه الصحابي الجليل ابن عمر - رضي الله عنه -؛ إذ يقول: «رأيتنا وما أحد
بأحق بديناره ودرهمه من أخيه المسلم» (10). ويتلقف هذا الفهم من الرعيل الأول جيل
التابعين، فيأتي ابن أخيه عمر بن عبد العزيز، فيقول: «ما أعطيت أحدًا مالًا إلا
وأنا أستقله، وإني أستحيي من الله - عز وجل - إن سألت الله - عز وجل - لأخ من
إخواني، وأبخل عنه بالدنيا، وإذا كان يوم القيامة قيل لي: «لو كانت الدنيا بيدك
كنت أبخل» (10). ويشبهه بالقول ما ذكره زين العابدين علي بن الحسين - رضي الله عنه
-؛ إذ قال: «إني لأستحي من الله - عز وجل - أن أرى الأخ من إخواني، فأسأل الله له
الجنة، وأبخل عليه بالدنيا، فإذا كان يوم القيامة قيل لي: فإذا كانت الجنة بيدك
كنت بها أبخل وأبخل وأبخل» (11).
هوامش:
(1) الكهف: 28.
(2) الحشر: 9.
(3) البخاري:
232/3 - الزكاة ومسلم (1031)، وهو جزء من حديث.
(4) مسلم 54 –
الإيمان.
(5) الزهد لابن
المبارك: 167.
(6) الزهد لابن
المبارك: 232.
(7) الإخوان
لابن أبي الدنيا ص (43).
(8) الإمام أحمد
في مسنده 123.
(9) مجمع
الزوائد 285/10، وقال رواه الطبراني بأسانيد بعضها حسن.
(10) الإخوان
لابن أبي الدنيا، ص: 203.
(11) البداية
والنهاية 15/9.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل