; الإخوان المسلمون في سوريا.. والقضية الفلسطينية (2) | مجلة المجتمع

العنوان الإخوان المسلمون في سوريا.. والقضية الفلسطينية (2)

الكاتب علي صدر الدين البيانوني

تاريخ النشر السبت 11-أغسطس-2001

مشاهدات 64

نشر في العدد 1463

نشر في الصفحة 46

السبت 11-أغسطس-2001

في مواجهة صفقات الاستسلام ومحاولات إغلاق القضية

 هذه صفحات من تاريخ الإخوان في فلسطين

التقلبات في السياسة الداخلية وهزيمة ١٩٦٧

كان الإخوان المسلمون في سوريا، من أوائل المهتمين بالقضية الفلسطينية على المستوي الشعبي، بل يمكن القول إن الجماعة قد ارتبطت منذ تأسيسها بالقضية الفلسطينية وقد استعرض المقال السابق المرحلة الأولى لذلك الارتباط في المدة بين عامي ۱۹٤٣ و۱۹٤۸م ويتناول هذا المقال بقية المرحلة الأولى ثم المرحلة الثانية بدءاً من قيام الكيان الصهيوني وحتى هزيمة ١٩٦٧م وسقوط هضبة الجولان.

 وقعت الهدنة المشؤومة، وأصدرت قيادة جيش الإنقاذ بدمشق أوامر للإخوان بالانسحاب من القدس وتسليمها للجيش العربي بحجة إرسالهم إلى الجبهة السورية وشعر الإخوان «بأن هناك مناورات تجري على الصعيد الدولي، وفي أوساط السياسات العربية لجعل التقسيم أمرًا مفروغًا منه، واجعل القدس تخرج من أيدي العرب والمسلمين»، فقرروا مغادرة القدس ثم العودة إليها خفية بصورة إفرادية لمتابعة الجهاد، وكان من بين العائدين زهير الشاويش وكمال حتاحت والشهيد ضيف الله مراد، وانضموا إلى فرقة التدمير في القدس، حيث نسفوا الجسور والمستعمرات والسكك الحديدية التي كان يسيطر عليها اليهود، وظلوا على تعاون مع فرقة من الإخوان المسلمين المصريين بقيادة الشهيد أحمد عبد العزيز.

وكان موقف الإخوان المسلمين منذ البداية وحتى اليوم هو رفض قرار التقسيم وتحرير فلسطين كاملة، لأنها عربية مسلمة، فضلًا عن أنها أرض مقدسة. كما كان العمل للقضية الفلسطينية آنذاك شغل الجماعة الشاغل، ولها الأولوية على ما عداها، والأمر نفسه بالنسبة إلى منظمات الإخوان المسلمين الشقيقة، لا سيما دول الطوق المحيطة بفلسطين مثل «الأردن، مصر، العراق».

وفي تقويم هذه المرحلة من قضية فلسطين سجل السباعي يرحمه الله - ملاحظات الجماعة عليها وهي:

1- أن جيش الإنقاذ الذي شكلته الجامعة العربية.. لم يكن إلا تسكينًا لشعور العرب الهائج.

2- وأن قيادة جيش الإنقاذ لم تخض معركة جدية واحدة في فلسطين.

3- وأن جيش الإنقاذ كانت مهمته تحطيم منظمة «الجهاد المقدس» الفلسطينية وقائدها الشهيد عبد القادر الحسيني.

4- أما الهزيمة، فحسبي أن ألخص أسبابها بكلمة واحدة هي: «الخيانة» «مجلة حضارة الإسلام عدد اب ١٩٦٥ م ص ٥١» 

سيثبت التاريخ مرة أخرى أن كارثة فلسطين ما كانت لتقع لولا ارتباط بعض المسؤولين في البلاد العربية بدول الاستعمار، وخضوعهم التام لها، بالإضافة إلى قصور الرؤية، والعقلية البيروقراطية في التعامل مع القضية «حضارة الإسلام - عدد كانون الثاني - ١٩٦٣م – الافتتاحية».

 المرحلة الثانية: قيام الكيان الصهيوني حتى سقوط الجولان ١٩٤٨٠-١٩٦٧م.

مر القطر السوري خلال هذه الفترة بظروف وأوضاع سياسية متعددة من حياة برلمانية وانقلابات عسكرية، ومن وحدة مع مصر ثم انفصال عنها، وانقلاب الثامن من آذار، ثم انفراد حزب البعث بالسلطة.. وكل ذلك كان له انعكاساته السلبية أو الإيجابية على القضية الفلسطينية، وعلى جماعة الإخوان المسلمين. وسوف نلحظ السمات التالية في موقف الإخوان المسلمين من قضية فلسطين في هذه المرحلة:

1- موقف ثابت من تحرير فلسطين، ورفض سياسات التقسيم أو الاستسلام والأمر الواقع.

 ٢- العمل على إبقاء القضية الفلسطينية حية، والاستعداد لمعركة التحرير القادمة.

3- تعرض الجماعة لمضايقات الحكومات بسبب ذلك، وتنديد الجماعة بهذه السياسات وبمن وراءها من قوى خارجية أجنبية. 

4- الانطلاق في معالجة قضية فلسطين من خلال تصور إسلامي، يدعو إلى إعلان الجهاد، واستنهاض العرب والمسلمين جميعًا لأداء هذا الواجب المصيري، وذلك بخطاب عربي وطني ديمقراطي، يواكب أحداث فلسطين، ويكافئ تطوراتها محليًا وعربيًا ودوليًا، كما سوف نرى.

في العهود الديمقراطية البرلمانية استطاعت جماعة الإخوان أن تنهض بدور نشط في إحياء القضية الفلسطينية، وتعبئة الشعب ومطالبة المسؤولين برعايتها حق الرعاية في مراكزهم المنتشرة في المحافظات السورية وأقضيتها، أو دروسهم وخطبهم المسجدية، أو منابر الجامعة، لا سيما كليتا، الحقوق والشريعة ومسجد الجامعة وتحت قبة البرلمان.. أو إرسال المذكرات للحكام، أو جمع التبرعات وعقد المؤتمرات المحلية والعربية والإسلامية للأهداف نفسها. أما أبرز المجالات والإنجازات لخدمة القضية بعد توقف القتال، فيمكن إجمالها بما يلي:

1- قيادة حملة توعية شعبية في الكتابة والخطابة، ونشر الوثائق والإحصاءات حول فلسطين وخفايا الحرب الخاسرة حتى تكون قضية فلسطين في نظر الشعب قضية قومية واضحة المعالم شديدة الأثر في حياة العرب وخاصة أبناء سورية «انظر كتاب: دروس في دعوة الإخوان المسلمين للسباعي 
ص ١٦٠».

٢- جعل قضية فلسطين مادة تدرس في الأسر التنظيمية وحلقات التوجيه في الجماعة «المرجع السابق» 

3- دعوة الحكومة السورية إلى تخصيص أسبوع في كل عام باسم «أسبوع الخطر الصهيوني تقام فيه المهرجانات وتلقى فيه الخطب، وتوزع المنشورات في أنحاء البلاد، وقد بادر السباعي إلى تخصيص هذا الأسبوع عام ۱۹٥٥م ودعا قادة الحركة الإسلامية في الوطن العربي للاشتراك فيه، وطاف معهم شتى أنحاء سورية، معرفين بالخطر الصهيوني، لا على فلسطين ومستقبل قضيتها وحسب، بل على مستقبل العرب والمسلمين، ومطالبين الحكومات العربية بإعداد الشعوب للمعركة الفاصلة مع اليهود. «مجلة حضارة الإسلام - عدد لعام ١٩٦١ م ص ٢٠٧».

٤- رفع مذكرة عن المكتب التنفيذي لجماعة الإخوان في سورية بتوقيع المراقب العام، إلى رئيس الجمهورية ورئيس المجلس النيابي ورئيس مجلس الوزراء ووزير الدفاع.. تتضمن مشروعًا تعبويًا شاملًا للدولة والشعب، يعرض آخر تطورات القضية الفلسطينية من تنامي قوة العدو الصهيوني وصراحة نياته العدوانية، ومن غفلة الأمة وتقاعس الحكومات العربية وضياع ميثاق الضمان الجماعي بالخلافات بين الحكومات العربية وعدم كفاية الميثاق الذي وقعته حكومتا مصر وسورية، وعدم كفاية الأموال المحصلة من أسبوع التسلح، لأن تقديرات الخبراء للحاجة كانت تبلغ أنداك خمسمائة مليون ليرة سورية ولا بد من مصارحة أنفسنا وشعبنا بالتقصير والمخاطر، وإن من الواجب أن يكون برنامج كل حكومة في بلادنا بعد الهدنة أن تهيئ البلاد للمقاومة في الجولة الثانية بكل وسائل المقاومة الروحية والخلقية والمادية والعسكرية، ولم نر حكومة قامت على هذا الأساس، كما أننا لم نر حزبًا منذ وقعت الهدنة، جعل من قضية فلسطين وقضية البلاد المهددة بخطر العدوان الأثيم شغله الشاغل ومبعث نشاطه وأساس برنامجه في الحكم وخارجه.. بل إننا نُصرح بأن البلاد عانت من سياسة التفرقة والعداوة وسفك الدماء وإيغار الصدور.. ما تتحمل الأحزاب القائمة الآن من وزرها القسط الأكبر... لذلك قرر الإخوان المسلمون في مؤتمرهم من مندوبي المراكز وأعضاء المكتب التنفيذي للجماعة تذكير الحكومة والشعب بخطورة الوضع الحاضر في البلاد، ووجوب الاستعداد الكامل الجريء، القائم على المطالب الخمسة التالية:

أولًا: استكمال السلاح بشراء السلاح الثقيل والطائرات المقاتلة والمدافع المضادة.. وأن نتحرر في شرائه من كل قيد، وأن نطلبه من أية دولة شرقية أو غربية. وإقامة معامل السلاح الثقيل خاصة والسلاح والذخيرة بشكل عام واستقدام الخبراء والفنيين من الدول العربية والإسلامية المتحررة من نفوذ الاستعمار ...» 

ثانيًا: تدريب الشعب بما فيه المعلمون والمدرسون وأساتذة الجامعات، الموظفون الموفدون للدراسة في الخارج.. ولا يرفع أحد من هؤلاء إلا باجتياز امتحانات التدريب.. وكذلك التجار والعمال وأرباب المهن الحرة والعلماء والخطباء وعلماء الدين والفلاحون والمزارعون وملاكو الأراضي واللاجئون من أبناء فلسطين لأهميتهم....». 

ثالثًا: وقاية المدن من الغارات الجوية بإقامة الملاجئ والخنادق وفرق المقاومة الشعبية..». 

رابعًا: فرض التقشف بامتناع الحكومة عن سياسة التبذير والاقتصاد في نفقات الأثاث والسيارات، وتعميم لباس موحد للطلاب والأساتذة، ومنع استيراد المواد الكمالية، وتحديد بيع اللحوم والحلوى وبعض المواد الغذائية في أيام معينة من الأسبوع .... 

  • السباعي: جيش الإنقاذ الذي شكلته الجامعة العربية لم يكن إلا تسكينًا لشعور العرب الهائج
  • في العهود الديمقراطية استطاع الإخوان النهوض بدور نشط في إحياء القضية.. وفي عهد الوحدة بين سوريا ومصر وحظر الأحزاب لم يبق للإخوان سوى منابر المساجد.
  • رفض الإخوان التوقيع على وثيقة الانفصال عن مصر لأن ذلك يضعف القطرين الشقيقين أمام العدو الصهيوني

خامسًا: تقويم الأخلاق اخلاق الحرب غير اخلاق السلم ككل الأمم المحاربة، وضمان ذلك كله ونجاحه أن نبعث في امتنا روح التدين الخالص، الذي يجعل الاستشهاد في سبيل الله أحلى الأماني مجلة «الشهاب - عدد ٣٤ – 1/1/1956م

5- اقتراح نواب جماعة الإخوان المسلمين في المجلس النيابي الخمسينات جعل دراسة القضية الفلسطينية مادة دراسية مستقلة فحوص الشهادات دروس في دعوة الإخوان صفحة ١61»  

6- في عهد الوحدة بين سورية ومصر وحظر الأحزاب السورية لم يبق للإخوان من المنابر غير خطب الجمعة في المساجد ومجلة «حضارة الإسلام» التي كان صاحبها ورئيس تحريرها الدكتور السباعي. ثم منبر مسجد جامعة دمشق، الذي يخطب فيه الأستاذ عصام العطار أحد قادة الجماعة، ومراقبها العام بعد السباعي. 

في مجلة «حضارة الإسلام»، خصص السباعي بابًا ثابتًا بعنوان «الدرة المغتصبة» تتصدره صورة المسجد الأقصى، ويعنى بالقضية الفلسطينية واخبارها وآخر تطوراتها. أما افتتاحيات المجلة التي جمعت مؤخرًا في كتاب مقدمات حضارة الإسلام، فقد كتب السباعي مقالات عدة عن قضية فلسطين، منها:

أ- «سلسلة من المؤامرات» «يناير - ١٩٦٣م».

ب- «رمضان ومؤتمر القمة» «يناير - ١٩٦٤م».

ج- «في ذكرى الإسراء والمعراج» «العدد ٥ - ١٩٧٤م».

د- «الطريق الصحيح لحل مشكلاتنا، آخر افتتاحية كتبها قبل وفاته «سبتمبر ١٩٦٤م».

7- في عهد الانفصال رفض الإخوان المسلمون التوقيع على وثيقة الانفصال، لأن انفصال الوحدة بين سورية ومصر يضعف القطرين الشقيقين أمام تعاظم قوة العدو الصهيوني، وعلى الرغم من تصدي الإخوان لمشكلات القطر الداخلية وفي مقدمتها إعادة الحياة الدستورية، بعد الإطاحة بالمجلس النيابي، فإنهم لم ينقطعوا عن دورهم المعتاد في العناية بالقضية الفلسطينية، إحياء لها في النفوس، وتحذيرًا من المؤامرات، وطلبًا للاستعدادات المكافئة للمعركة.. فكانت صحفهم كجريدة «اللواء» في دمشق والمرصاد، في حلب، وخطب المراقب العام آنذاك الأستاذ عصام العطار في مسجد الجامعة ومداخلاته تحت قبة البرلمان، وتصريحاته لأجهزة الإعلام تعكس هذه المواقف. 

الرابط المختصر :