العنوان الإخوان المسلمون ومرحلة جديدة من العمل الإسلامي
الكاتب د. عصام العريان
تاريخ النشر السبت 10-ديسمبر-2005
مشاهدات 102
نشر في العدد 1680
نشر في الصفحة 20
السبت 10-ديسمبر-2005
كتبت عند تولي الأستاذ محمد مهدي عاكف مهام المرشد العام للإخوان المسلمين خلفًا للمرحوم الفقيد المستشار محمد المأمون الهضيبي أقول: مرشد جديد ومرحلة حاسمة، ولم أكن أقرأ الغيب، بل هي قراءة واقعية للتطورات والأحداث التي تموج بها المنطقة، وحديث عن رجل عرفته عن قرب وعايشته ثلاث سنوات من خمس قضيتها داخل السجن، وبالفعل كانت مرحلة حاسمة تحرك فيها الإخوان بقيادة المرشد لطرح تصوراتهم ورؤيتهم للإصلاح والمبادرة الشهيرة بنقابة الصحفيين.
ثم حاولوا جاهدين بناء تحالف سياسي معارض قوي بتوجيه من المرشد ومكتب الإرشاد. وقام بالمهمة النائب الأول د. محمد السيد حبيب، إلا أن حزب التجمع اليساري أحبط المحاولة لصالح بقاء الأوضاع على ما هي عليه، حيث لا بديل قويًّا للنظام الحالي الذي وصل إلى حالة صعبة أصابت الناس باليأس من استجابته للإصلاح التدريجي المحدد وفق جدول زمني واضح يتم مراقبته بواسطة الشعب عبر مؤسساته الدستورية وهيئاته الشعبية ومنظمات المجتمع المدني.
مظاهرات الإخوان
ثم شارك الإخوان بقوة في المظاهرات التي تطالب بالإصلاح ونزلوا إلى الشوارع في قرابة مائة ألف في حوالي ۱۸ محافظة مصرية من الإسكندرية إلى وسط الصعيد، ودفعوا ثمن ذلك وحدهم دون بقية القوى التي تظاهرت قبلهم ومعهم وبعدهم ٣ آلاف معتقل، سجن منهم قيادات بارزة ملأوا سجون مصر المكتظة بآلاف المعتقلين منذ سنوات، ومن هؤلاء الآن قرابة ١٥ - ٢٠ نائبًا نجحوا في الانتخابات البرلمانية الأخيرة.
وبعد ذلك شكل الإخوان -بعيدًا عن أحزاب المعارضة الرسمية- التحالف الوطني من أجل الإصلاح والتغيير مع حركات شعبية ونقابات مهنية، ولجان لحقوق الإنسان في عمل جبهوي جديد يتبناه الإخوان لأول مرة.
وقرر الإخوان المشاركة بالتصويت في انتخابات الرئاسة التي جرت في تعددية شكلية غير حقيقية، حيث لا تنافس جادًّا بعد أن أفرغ ترزية القوانين مبادرة الرئيس لتعديل المادة ٧٦ من الدستور من مضمونها، فتحول التعديل إلى خطيئة دستورية بحق يجب إلغاؤها تمامًا، وتعديل كل المواد المتعلقة بالرئيس وصلاحياته وعلاقته بالوزارة وبالبرلمان إذا كنا نريد إصلاحًا حقيقيًّا خاصة ما يتعلق بضوابط الترشح للرئاسة وتحديد مدة الرئاسة بولايتين فقط لا غير (مادتان 76-77).
مزيدًا من الحراك السياسي
وأضافت هذه المشاركة -التي عارضها البعض بإخلاص- مزيدًا من الحراك السياسي والشعبي وفرضت أوضاعًا جديدة، حيث أصبحت الكتلة التصويتية للإخوان وأنصارهم محل اهتمام المتنافسين على الرئاسة باستثناء الرئيس مبارك، ثم محل جدل كبير بعد إعلان النتائج وحتى الآن، رغم ما حققه الإخوان من نسبة تصويت في الانتخابات البرلمانية تزيد على ٤٠٪ من الذين صوتوا في الجولات الثلاث تقريبًا وبنسبة متقاربة في كل المحافظات وفي المدن أو القرى.
ثم تشكلت الجبهة الوطنية للإصلاح والتغيير بمبادرة كريمة من شخصيات وطنية مرموقة لجمع شمل المعارضة دون إقصاء للإخوان. وبذل د. عزيز صدقي ود. يحيى الجمل ود. حسن نافعة وغيرهم جهدًا كبيرًا في هذا الصدد، ونجحوا بالفعل في تأسيس الجبهة من (۱۱) حزبًا وهيئة وحركة وفي قلبها الإخوان المسلمون.
وقررت الجبهة إعلان لائحة انتخابية موحدة رغم ضيق الوقت، وأثبتت النتائج أن ذلك كان تعجلًا وتسرعًا، ورأى الإخوان أن الأفضل هو التنسيق بين اللوائح الانتخابية وحدث ذلك بالفعل على مرحلتين: الأولى تنسيق ثنائي مع أحزاب وقوى وحركات مثل العمل والكرامة، ثم الثانية تنسيق مع لائحة الجبهة ووضعنا قواعد للتنسيق التزمنا بها قدر الإمكان، وكانت النتائج كما يعرفها الجميع لأن الإخوان اعتمدوا على الله وراهنوا على الشعب، واستعدوا للانتخابات منذ أكثر من سنة، ووضعوا خطة عملهم منذ سنتين، وفي قلبها العمل الشعبي في المجتمع، ومن أهم محاورها: المحور السياسي، والتطوير الإداري، واعتماد التكنولوجيا الحديثة في نشاط الإخوان واتصالاتهم، إضافة إلى البعد التربوي لأعضاء الجماعة وأنصارها، وتجديد اللوائح المنظمة للنشاط وتجديد دماء القيادات عبر تفعيل الشورى الداخلية.
واليوم ومع اقتراب حسم المرحلة الثالثة للانتخابات البرلمانية -«هذه السطور كُتبت والمجلة ماثلة للطبع قبيل إجراء انتخابات الإعادة في المرحلة الثالثة من الانتخابات» وقد يصل عدد نواب الجبهة إلى أكثر من ۱۲۰ نائبًا «أي ما يزيد على %٢٥» من النواب، وأكثريتهم من نواب الإخوان الذين يصعب استمالتهم إلى الحزب الحاكم، أو قل بصدق يستحيل «أكثر من مائة نائب»- يجد الإخوان أنفسهم أمام مرحلة جديدة من العمل الإسلامي، رغم الحظر القانوني المفروض عليهم والذي نجحوا تمامًا في تناسيه والتغافل عن وجوده وعدم الاعتداد به لأن الشرعية الشعبية التي تكرست لهم أقوى بكثير من مجرد رخصة قانونية بذل البعض عشر سنوات صعبة للحصول عليها حتى الآن.
أما سمات هذه المرحلة الجديدة فيمكن التركيز فيها على الأمور التالية:
(1) الوزن النسبي الكبير للنشاط السياسي ضمن المنظومة الشاملة للإسلام، وهذا يقتضي بذل المزيد من الجهد من أجل:
أ. بلورة المشروع السياسي وتوضيحه للإخوان وللجمهور وللنخب المثقفة والاقتصادية والسياسية خاصة في مجال إصلاح الحكم. وهناك جهود بذلها الإخوان في طرح رؤية عامة تحتاج إلى انفتاح وتفصيل، وإخراجها من حيّز الضوابط والرؤية العامة إلى حزمة استراتيجيات وسياسات وقوانين وإجراءات.
ب. تحقيق توازن بين الأبعاد المختلفة للنشاط الإخواني خاصة فيما يتعلق بالبعد التنظيمي والتربوي والبعد السياسي والمجتمعي.
ج. النجاح في نقل التأبيد الجماهيري الواسع إلى نشاط سياسي واجتماعي، بحيث يشكل قوة رافعة لمشروع النهضة خاصة في مجالي المشاركة المستمرة في العمل السياسي، وليس مجرد التصويت مرة كل سنة، ثم الإيجابية في النشاط الاقتصاد والتنموي لتحقيق معدلات توظيف وإنتاج عالية، ثم التضامن الاجتماعي من أجل الإصلاح في مناخ آمن ومستقر؛ أي نقل الجمهور من العواطف الجياشة إلى العمل المنتج والمشاركة الإيجابية.
د. تمتين العمل الجبهوي وإشراك جميع التيارات الفكرية والسياسية: ليبرالية وقومية ويسارية وإسلامية من غير الإخوان في تحمل عبء الإصلاح، والاتفاق مع الجميع بما فيهم النظام الحاكم على ضوابط المرحلة انتقالية لا تزيد على 3-5 سنوات تتوفر فيها فرص متكافئة أمام الجميع للوصول إلى الشعب وتنظيم أنفسهم والحصول على المعلومات الكافية لبناء برامجهم للإصلاح، وأمام الجميع بديلان: إما عمل جبهوي مشترك لفترة أخرى يتحمل فيها الجميع عبء الإصلاح بعد الفترة الانتقالية كمغرم وليس كمغنم، والآخر هو ضوابط المنافسة الحرة الشريفة التي ستسفر في النهاية عن أغلبية وأقلية أو حكومة ومعارضة.
(2) التهديد الخطير للأمن القومي المصري والأمن القومي العربي لأسباب واضحة أهمها:
أ. الاستبداد السياسي وتهرؤ النخب الحاكمة التي لا تبحث إلا عن مصالحها الشخصية في الغالب الأعم مع الانهيارات الاقتصادية والاجتماعية.
ب. التحدي الذي ما زال يشكله الكيان الصهيوني بمواصلة انتهاكاته لحقوق الشعب الفلسطيني وضعف السلطة الفلسطينية في مواجهته بعد انهيار الدعم الرسمي العربي للقضية الفلسطينية سياسيًّا ومعنويًّا وماليًّا، بينما بقي الدعم الشعبي في حدود معقولة تكفي لبقاء المقاومة حية وإن لم تكن بنفس درجة الفاعلية السابقة.
التدخل الأمريكي السافر في شؤون المنطقة دعمًا لبقاء الأوضاع الاستبدادية والنظم الدكتاتورية وحماية للمشروع الصهيوني بكل الطرق، داعمة لأسوأ الحكومات التي عرفها هذا الكيان من نتنياهو إلى شارون، ثم احتلالًا للعراق، وإراقة دماء عشرات الآلاف وإهدار ثرواته أو نهبها، كالنفط، وتهديد إيران وسورية مع السكوت عن ليبيا وتونس وغيرها.
خطط استراتيجية
وهنا يتذكر الإخوان مراحل عملهم التي توضحها خططهم الاستراتيجية تبدأ بإصلاح النفس ثم تكوين بيت مسلم، ثم إرشاد المجتمع، ثم تحرير الأوطان من كل سلطان أو هيمنة بنيته: عسكرية أو سياسية أو اقتصادية أو روحية وثقافية، ثم إصلاح الحكومة انتهاء بإعادة الكيان الدولي للأمة الإسلامية وأستاذية العالم.
وهذا التحدي يقتضي تضافر الجهود من أجل:
- تعاون النخب والقوى السياسية ضد المشروع الأمريكي الصهيوني، وهذا صعب بعد أن اخترق الصهاينة والأمريكان بعض هذه النخب.
-حشد الرأي العام العربي والإسلامي والعالمي ضد مشروع الهيمنة والعولمة.
- بناء قوة مقاومة تبدأ بتضامن شعبي واتفاق نخبوي ثم إصلاح الحكومات وإصلاح الاقتصاد للانطلاق في نهضة حقيقية تكفي للتصدي لهذا المشروع.
- علاقات متوازنة مع الشعب الأمريكي وحوار متكافئ مع الإدارة الأمريكية للخروج الأمريكي من المنطقة، مع تحقيق المصالح المشتركة لكل الأطراف وليس تحقيق مصلحة طرف على حساب أطراف أخرى.
- حوار جاد على أسس سليمة مع أوروبا لمساعدة أمريكا للخروج من المأزق العسكري وتحمل أوروبا نتائج تصديرها للمشروع الصهيوني إلى بلادنا.
(3) مواجهة مشكلات الأقليات المتفاقمة في المنطقة، وإن لم تظهر بقوة في مصر: الأقليات الدينية «مسيحية ويهودية ولا دينية»K وتلك العرقية الأخرى القومية «الكرد والزنج والأمازيغ».
حوار جاد
وقطع الطريق على كل المحـاولات الصهيونية والأمريكية لاستغلال المظالم التي وقعت عليهم تاريخيًّا لتهديد دول وشعوب المنطقة كلها.
وفي مصر بالذات فقد بدأ الإخوان جهدًا كبيرًا لحوار جاد مع الأقباط المسيحيين ليس على مستوى الكنيسة، بل على مستوى العلمانيين، وليس على مستوى القاهرة أو النخب الإعلامية، بل على مستوى المواطن العادي وفي كل المحافظات والمدن والقرى.
هذه مرحلة جديدة تحتاج إلى فكر ثاقب ورؤية واضحة واستراتيجية مرنة وخطط جيدة ورجال أشداء ونساء عاملات، وشباب متحمس، ومتابعة دقيقة، وتحتاج أيضًا إلى إرادة حازمة وتضحيات غالية، ووفاء نادر لأمتنا وأوطاننا، ومعرفة بالمبدأ تمنع من المساومة عليه أو الخديعة بغيره أو الانحراف عنه.
وصدق الله العظيم: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوۡمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمۡۗ﴾ (الرعد: 11).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل