العنوان د. القرضاوي يكتب: الإخوان المسلمون «70» عامًا في الدعوة والتربية والجهاد.. الإخوان والأقليات الدينية
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 14-سبتمبر-1999
مشاهدات 256
نشر في العدد 1367
نشر في الصفحة 44
الثلاثاء 14-سبتمبر-1999
خصائص دعوة الإخوان المسلمين ومميزاتها
- كان الإمام البنا يعي تعاليم الإسلام ويتعامل مع الأقباط بروح التسامح الإسلامي الأصيل
- التلمساني: قامت جماعة الإخوان عام 1928م فلم يثبت في تاريخها يومًا أنها دعت إلى فرقة أو هتفت بعنصرية دينية
- أبو النصر: علاقتنا بالأقباط كانت وما زالت طيبة على مدى السنوات السبعين الماضية
- مشهور: نحن أحرص الناس على حقوق المواطن القبطي في مصر
- لم يفكر الإخوان في الانتقام من ظالميهم وتركوا الأمر لربهم ينتقم لهم.. إنه عزيز ذو انتقام
- أعلن الإخوان عشرات المرات أنهم يخوضون الحياة السياسية ملتزمين بالوسائل الشرعية رافضين لكل أساليب العنف والإجبار
من التهم التي قد يشوش بها مشوشون: دعوى أن الإخوان متعصبون ضد الأقليات الدينية، وأنهم لا يعطونهم حق المواطنة كالمسلمين، مع أنهم من أهل البلاد الأصليين، وأنهم يطالبونهم بأداء الجزية عن يد وهم صاغرون، ولا يبدأونهم بالسلام، وإذا لقوهم في الطريق اضطروهم إلى أضيقه، وأنهم يمنعونهم من وظائف الدولة، ولا سيما من الوظائف العسكرية في الجيش أو في الشرطة... إلخ.
ونقول لهؤلاء: لا ريب أن الإسلام قد أقر تعدد الأديان، وجعل ذلك واقعًا بمشيئة الله تعالى، ولو شاء لجمع الناس على الهدى، كما أن حساب الضالين على ضلالهم إنما موعده يوم القيامة، فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون.
ومع هذا جعل الإسلام لليهود والنصارى منزلة خاصة، وسماهما «أهل الكتاب» أي التوراة والإنجيل، وإن حرفا وبدلا، ولكن يظل هؤلاء أهل دین سماوي في الأصل، يؤمنون - بالجملة - بالله ويؤمنون برسله، ويؤمنون بالآخرة، ويتعبدون لله، ويعترفون بالقيم الأخلاقية.
فلا غرو أن أباح الإسلام مواكلتهم ومصاهرتهم حين قال القرآن ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ ۖ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ (المائدة: 5).
وبهذا ارتقى الإسلام إلى أفق في التسامح لم يسم إليه أحد من قبل، وأجاز للمسلم أن تكون زوجته وربة بيته وشريكة حياته وأم أولاده: كتابية، ومعنى هذا أن يكون أجداد أولاده وجداتهم وأخوالهم وخالاتهم وأولادهم كتابيين، ولهم حقوق أولي القربى وصلة الرحم.
واعتبر النصارى أقرب مودة للمسلمين من اليهود الذين وقفوا - للأسف - موقف العداوة والمحاربة للدعوة الإسلامية ولنبيها عليه الصلاة والسلام.
ولذا دخلت بلاد مسيحية كاملة في الإسلام ولم يدخل إلا أفراد قلائل من اليهود في الإسلام.
ثم إن أهل الذمة من أهل الكتاب لهم حقوق أخص وأعمق من غيرهم. بوصفهم من «أهل دار الإسلام».
ثم كانت الوصية بالأقباط أكثر من غيرهم في عدة أحاديث صحيحة، منها حديث أم سلمة أن الرسول صلى الله عليه وسلم أوصى عند وفاته فقال: «الله الله في قبط مصر، فإنكم ستظهرون عليهم، ويكونون لكم عدة وأعوانًا في سبيل الله» (أورده الهيثمي في مجمع الزوائد 62/100 وقال: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح).
وفي صحيح مسلم عن أبي ذر مرفوعًا: «إنكم ستفتحون مصر، فإذا فتحتموها فأحسنوا إلى أهلها، فإن لهم ذمة ورحمًا»، وفي رواية: «ذمة وصهرًا»، قال العلماء: الرحم أن هاجر أم إسماعيل منهم، والصهر أن مارية أم إبراهيم ابن النبي منهم.
وكان الأستاذ البنا يعي تعاليم الإسلام جيدًا في ذلك، ويتعامل مع الأقباط بروح التسامح الإسلامي الأصيل الذي يصدر عن العقيدة لا عن النفاق السياسي.
ولقد كان في اللجنة السياسية للإخوان بعض الأقباط المعروفين من رجال السياسة المحنكين.
ومازلت أذكر حينما حضر الإمام البنا إلى مدينة طنطا لعقد المؤتمر الوطني الكبير بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية لشرح الأهداف والمطالب القومية، وقد عقد مثل هذا المؤتمر في عواصم المديريات «المحافظات» في مصر، كان يصطحب معه أحد الأقباط المتخصصين، ليتحدث في قضية «قناة السويس» واسمه ناصف ميخائيل، وذلك ليؤكد معنى التضامن الوطني بين الأغلبية المسلمة والأقلية القبطية، وأن مصر لهم جميعًا.
ولقد سئل حسن البنا عن مسألة الجزية فقال: إن مسألة الجزية أصبحت اليوم غير ذات موضوع ما دام كل المواطنين ينخرطون في الخدمة العسكرية، ويدافعون عن الوطن، سواء بسواء، وقد كان المسلمون قديمًا هم الذين يدفعون ضريبة الدم فعلى الآخرين أن يدفعوا ضريبة المال.
بريد الاستاذ أن يقول ما قاله بعض الفقهاء من قديم: أن أهل الذمة إذا اشتركوا مع المسلمين في القتال ضد أعدائهم، سقطت عنهم الجزية.
وكان الأستاذ البنا يفسر دفع الجزية بأنه «بدل خدمة عسكرية»، وقد كان غير المسلمين سعداء بدفع هذا البدل في الزمن الماضي، بل كان كثير من موسري المسلمين يدفعون هذا البدل لإعفاء أبنائهم من الجندية، قبل عصر التجنيد الإجباري.
حسن الهضيبي.. ولم تتوقف هذه السياسة بعد استشهاد الإمام حسن البنا، بل التزم بها الإخوان المسلمون دينًا وأصلًا، فكان مرشدوه الأمناء: حسن الهضيبي وعمر التلمساني ومحمد حامد أبو النصر ومصطفى مشهور على نفس السياسة ونفس المنوال.
ففي كتاب «حسن الهضيبي الإمام الممتحن» ذكر الأستاذ جابر رزق يرحمه الله تحت عنوان «مع
خلطاته المسيحيين» :
«وكانت باكورة ولايته القضاء في مدينة جرجا من صعيد مصر، حيث تعلو في الطبقة المثقفة نسبة المسيحيين الذين تهيئ لهم مراكزهم وثقافتهم الاختلاط بقاضي المدينة ونظرائه من كبار الموظفين..
فإذا بهم يلتفون حوله، ويحيطونه بفيض من مشاعر الحب والتقدير، ويعلنون أنهم يحسدون عليه إخوانهم المسلمين، ويتمنون لو كان في طائفتهم مثله».
عمر التلمساني.. وقد نشرت مجلة «الدعوة» في عددها الرابع عشر الصادر في شعبان 1397هـ تحت عنوان: «وأين نصيبنا من هذا الحب»، السطور التالية لمرشدنا الراحل عمر التلمساني رحمه الله:
«إن القول بأن الإخوان يقوم تشكيلهم على أساس ديني يسبب الفرقة، قول يرده الواقع، ويدحضه الكثير من الحجج والبراهين:
- الأمة المصرية تتكون من ديانتين أساسيتين، الإسلام والمسيحية، وبلغ التسامح الديني بالأغلبية المسلمة أن كان من رؤسائها ووزرائها مسيحيون وكان يرأس مجلس النواب مسيحي».
- قامت جماعة الإخوان عام 1928م، فلم يثبت في تاريخها يومًا من الأيام أنها دعت إلى فرقة، أو هتفت بعنصرية دينية، أو نادت بحرمان غير المسلمين مما يستمتع به المسلمون، بل كان القسس يحضرون احتفالاتها ويلقون فيها كلماتهم من وجهة نظرهم لا من وجهة نظر الإخوان المسلمين، ولم يعترض عليهم أو يقاطعهم أحد.
- كيف يكون التشكيل الرسمي للإخوان مدعاة إلى التفريق بين أفراد الأمة وهم لا يحرمون على مسيحي أن يبتني كنيسة، أو أن يشتغل بوظيفة، أو أن يؤدي شعائره الدينية آمنًا مطمئنًا، إذا طالب المسيحيون بحزب مسيحي، فما الخوف من ذلك؟ أليس هذا واقع الأمة فعلًا: مسلمون ومسيحيون، وكل ينادي بصلاحية دينه وإصلاح المجتمع؟
محمد حامد أبو النصر.. وقد سئل السيد محمد حامد أبو النصر عن علاقة الإخوان بالأقباط فقال: علاقاتنا بالأقباط كانت وما زالت طيبة، على مدى السنوات السبعين الماضية، منذ نشأة الجماعة، لم يقع حادث يعكر صفوها، وكان للإمام حسن البنا مستشارون من الأقباط، وكان عدد من الأقباط يحرص على حضور محافل الجماعة، وحين أبعد الإمام البنا إلى قنا كتب القساوسة هناك مذكرات إلى الحكومة تنصفه.
وكذلك قال الأستاذ مصطفى مشهور - المرشد الحالي: نحن أحرص الناس على حقوق المواطن القبطي في مصر.
وقد عرضنا لموقف الإسلام من الأقليات في أكثر من كتاب، منها «غير المسلمين في المجتمع الإسلامي» ورسالة «الأقليات الدينية والحل الإسلامي» وكتاب «أولويات الحركة الإسلامية» وبعض الفتاوى والبحوث في كتابنا «فتاوى معاصرة» الجزء الثاني، وكتابنا «من فقه الدولة في الإسلام»، كما بينا ذلك في محاضرات شتى في أكثر من بلد.
وأعتقد أن اجتهادنا في هذه القضية الكبيرة قد استبانت معالمه، واتضحت صورته في ضوء الأدلة الشرعية، ولقي القبول من جمهرة الإخوان.
ومن التهم التي ألصقت بالإخوان – وما زالت - تهمة استخدام العنف، وحين نذكر جماعات العنف المسلح في عصرنا، يسارع ذوو الغرض والهوى لإدخال جماعة الإخوان فيهم.
وهذا لعمري من الاعتساف والتحريف، والظلم المبين الذي لا يخفى على دارس منصف، فالإخوان- من الناحية النظرية - لم يجيزوا استخدام القوة المادية إلا في مجالات معينة، وبشروط واضحة، بيَّنها الإمام البنا في رسائله بوضوح، كما في رسالة المؤتمر الخامس وغيرها، وهذه المجالات هي: مقاومة الاحتلال الإنجليزي لمصر، والاحتلال الصهيوني الاستيطاني في فلسطين.
وقد اشترك الإخوان بالفعل في قتال الصهاينة سنة 1948م في حرب فلسطين، وكان لكتائبهم دور مشهود، وبطولات قارعة رائعة، وشهداء أطهار ابرار، شهد لهم بها رجال كبار من قادة الجيش المصري، وإن كان جزاؤهم بعد ذلك أنهم أخذوا من الميدان إلى المعتقلات.
كما كان لهم دور معروف غير منكور في معارك القناة، حيث شارك شبابهم في الجامعات والأزهر وغيرها، وكان لهم شهداء معروفون. وكان لاستخدام العنف في غير الميدان دور محدود، قصد به ضرب المصالح اليهودية والبريطانية، ردًا على المجازر الهائلة التي وقعت في فلسطين على أيدي العصابات المسلحة التي استباحت كل المحرمات.
وهناك حوادث معروفة من أعمال العنف منسوبة إلى الإخوان، لها ظروفها وملابساتها، ومن العدل أن توضع في إطارها الزمني، فقد كان الاغتيال السياسي معروفًا عند الوطنيين منذ اغتيال بطرس باشا غالي وأمين عثمان، وغيرهما. وكان الرئيس السادات ممن اتهم في مقتل أمين عثمان.
فمن ذلك: حادثة قتل القاضي الخازندار في ظروف معروفة زينت لبعض الشباب المتحمس أن يقتلوا هذا القاضي، ولم يكن ذلك بأمر الأستاذ البنا ولا بإذنه أو علمه، وقد استنكر وقوع هذا الحادث، ومن الإنصاف أن يوضع الحدث في ظرفه الزمني، مقرونًا بالباعث عليه، حتى لا يأخذ أكبر من حجمه، ولم يتكرر هذا من الإخوان قط ولم يفكروا في أخذ ثأرهم حتى من القضاة العسكريين الذين حكموا عليهم أحكامًا لا يشك إنسان موضوعي أنها قاسية ظالمة.
وبعد ذلك كان قتل النقراشي رئيس الوزراء والحاكم العسكري الذي يحمل تبعة «حل الإخوان» واقتيادهم إلى المعتقلات بالآلاف، وتعريضهم للتعذيب والفصل والتشريد والتجويع حتى الذين كانوا يقاتلون الصهاينة في فلسطين نقلوا من الميدان إلى الاعتقال، فقام شاب من الإخوان بمساعدة بعض زملائه في «النظام الخاص» بقتله، وهو ما حاول الأستاذ حسن البنا الحيلولة دون وقوعه، ولقي بعض الرجال المسؤولين، وحذرهم من أن يتهور بعض شباب الإخوان ويحدث ما لا تحمد عقباه، فقالوا له بعبارة صريحة: ماذا يفعلون؟ سيقتلون رئيس الوزراء، ليكن، إن ذهب عير «أي حمار» فعير في الرباط!
وقد استدعي الأستاذ البنا بعد مقتل النقراشي، وحقق معه، ثم أفرج عنه، إذ لم تثبت أي صلة له بالحادث.
والواقع أن الجماعة بعد حلها ليست مسؤولة عن مثل هذه الحوادث، لأنها ليست موجودة حتى تساءل، ولم يحدث بعد ذلك أي حادث عنف إلا ما كان من محاولة اغتيال عبد الناصر في ميدان المنشية بالإسكندرية في أكتوبر سنة 1954م، وهو حادث تكتنفه الشبهات من كل جانب، وقد شكك فيه بعض رجال الثورة أنفسهم مثل حسن التهامي.
ولو أخذنا الأمور على ظواهرها، فليست الجماعة مسؤولة عنه، ولم يثبت في التحقيق أنها هي التي دبرته.
على كل حال هذا تاريخ قديم، ولم يثبت بعد ذلك أن الإخوان استخدموا العنف من سنة 1954م حتى اليوم، رغم ما وقع عليهم من عسف وظلم، وقتل علني لقادتهم، بحكم القضاء العسكري، والتعليق على أعواد المشانق، مثل الشهداء عبد القادر عودة - محمد فرغلي - يوسف طلعت - إبراهيم الطيب، أو لشبابهم بحكم التحرش المثير داخل السجن، كما في حادث سجن طرة الشهير، الذي قتل فيه السجانون مسجونيهم علانية، وسقط ثلاثة وعشرون شابًا من خيرة الشباب شهداء في سبيل الله، لم يصنعوا جرمًا إلا أنهم طالبوا بتحسين أحوالهم والسماح لذويهم أن يزورهم كبقية سجناء الدنيا.
وقد أعدم بعد ذلك: سيد قطب، وعبد الفتاح إسماعيل، ومحمد يوسف هواش، ولم يريقوا قطرة دم واحدة، إلا ما قيل: إنهم كانوا ينوون كذا وكذا. واقتيد الإخوان بعشرات الألوف إلى السجون والمعتقلات، وعذبوا تعذيبًا لم يسبق له مثيل. ورغم توسط الكثيرين واحتجاج الكثيرين على إعدام سید قطب، لم يستجب عبد الناصر لهم، وأصر على قتله.
وهناك أفراد قتلوا تحت سياط التعذيب في السجن الحربي بعد أن سهر عليهم الجنود القساة يتعاورون عليهم واحدًا بعد الآخر، كلما تعب هذا من الجلد والإيذاء، أخذ عنه صاحبه، فمن هؤلاء المعذبين من تحمل جسده، وإن بقي طوال عمره يعاني من آثار العذاب ما يعاني، ومنهم من نفدت طاقته وعجز عن الاحتمال، فخر قتيلًا بين أيدي هؤلاء الوحوش، وهم لا يبالون.
أعرف من هؤلاء صديقنا الشيخ محمد الصوابي الديب، خريج كلية الشريعة، وزميلنا في بعثة الأزهر للجهاد في القناة، الذي احتيل عليه فجيء به من جدة، بعد أن بقي فترة في القاهرة مختبئًا في بيت العلامة الشيخ حسنين مخلوف مفتي الديار المصرية، عليه رحمة الله. ولما سئل أخونا أین قضى تلك الفترة قبل سفره إلى جدة؟ رفض أن يبوح باسم الشيخ حتى لا يؤذى في شيخوخته، وصبر على العذاب حتى لقي ربه.
وقد كان كثيرون يطالبون الإخوان أن يأخذوا بثأرهم من الضباط الذين اشتهروا بتعذيبهم مثل حمزة البسيوني قائد السجون الحربية، الذي كان يقول في صلف وغرور: لا قانون هنا: أنا وحدي القانون! بل تطاول بجرأة ووقاحة على مقام الألوهية حين كان الإخوان يقولون تحت وطأة التعذيب: يا رب، يا رب، فيقول متبجحًا: أين ربكم هذا؟ هاتوه لي، وأنا أحطه في زنزانة!!
هذا الطاغية تركه الإخوان ومن عاونه لقدر الله الأعلى، فسخر منه القدر، حيث تحطمت سيارته في طريق الإسكندرية القاهرة، وقطع جسمه أشلاء، وقد عرف أهل القرية التي قتل أمامها ومزق شر ممزق: من هو صاحب السيارة، فكانوا يقولون: أخزاه الله، لقي جزاء ما قدمت يداه.
المهم أن الإخوان لم يفكروا في الانتقام من ظالميهم، وتركوا الأمر لربهم ينتقم لهم، إنه عزيز ذو انتقام، وهو سبحانه يمهل ولا يهمل.
فسبحان الله، جماعة بهذه الروح المتسامحة مع أقسی ظالميها، كيف تتهم بالعنف أو بالإرهاب، وهي منهما براء؟؟؟
ومن التهم التي توجه إلى الإخوان باستمرار، وتلوكها الألسنة والأقلام: أن «جماعات العنف» ظهرت من تحت عباءتهم، مثل جماعات «الجهاد» و«الجماعة الإسلامية» وجماعة «التكفير» وغيرها من الجماعات التي نشأت في مصر، واتخذت العنف نهجًا لها، وسبيلًا لتحقيق أهدافها.
والحق الذي لا ريب فيه: أن بعض هذه الجماعات مثل جماعة «التكفير» تعتبر «انشقاقًا» على الإخوان، وليس «امتدادًا» للإخوان.
وقد بدأت بذور هذه الجماعة في السجن الحربي، كما بينا كيف تسلسل تفكيرهم في كتابنا «الصحوة الإسلامية بين الجمود والتطرف»، وانتهى بهم الأمر إلى «تكفير الناس بالجملة» ابتداءً بالذين يتولون تعذيبهم بلا رحمة، ثم من يأمرهم بهذا التعذيب من الحكام، ثم من يسكت على هؤلاء الحكام من الشعوب.
وقد اعتزلت هذه الفئة الإخوان في السجون، وكانوا لا يصلون معهم، وقام بينهم وبين الإخوان جدل طويل، ورد عليهم مرشد الجماعة الثاني الأستاذ حسن الهضيبي رحمه الله في مقولات سجلها ونشرها بعد ذلك في كتابه «دعاة لا قضاة».
وقد نقلت فيما سبق أن شكري مصطفى أمير جماعة التكفير ومؤسسها، اتهم قادة الإخوان بالخيانة العظمى، لأنهم لم يقاوموا رجال الأمن والشرطة وسلموا جلود إخوانهم للسياط، ورقابهم للمشانق.
أشبه بالخوارج
فكيف يعتبر الإخوان مسؤولين عن هؤلاء الذين انشقوا عنهم، واتهموهم بأبشع التهم؟
إن هذا أشبه بمن يحمل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه وزر جماعة «الخوارج» الذين كانوا جنودًا في جيشه، ثم انشقوا عنه وخرجوا عليه، ورموه بالكفر، وتحكيم الرجال في دين الله، ثم تآمروا عليه وقتلوه غيلة.
هل يقبل عاقل هذا المنطق الأعوج؟ أن يحمل المرء تبعة من يخرج عنه، ويتمرد عليه، وينصب له الحرب والعداء؟
هذا ما تتبناه - للأسف الشديد - أجهزة الإعلام المصرية والعربية وتردده ولا تمله، وما يكرره كتاب علمانيون أو ماركسيون يعادون الإخوان، بل يعادون رسالة الإسلام.
وأما جماعة «الجهاد» و «الجماعة الإسلامية» في مصر فليست انشقاقًا من الإخوان، بل هي جماعات نشأت من أول يوم، احتجاجًا على الإخوان، وإنكارًا عليهم أنهم خانوا «مبدأ الجهاد» الذي أعلنوه طريقًا لهم، وشعارًا يتغنون به «الجهاد سبيلنا والموت في سبيل الله أسمى أمانينا».
ويفسرون الجهاد باستخدام العنف في مقاومة الحكام الذين لا يحكمون بما أنزل الله، باعتبار أن هذا كفر بواح عندهم فيه من الله برهان.
والإخوان لم يخونوا مبدأ الجهاد كما زعم هؤلاء، ولكن «الجهاد» ليس معناه «القتال» بل الجهاد مراتب وأنواع أوصلها الإمام ابن القيم في كتابه الشهير «زاد المعاد» إلى ثلاث عشرة مرتبة، واحدة منها فقط هي: قتال الكفار بالسيف.
أما فيما عدا هذا الجهاد العسكري، الذي يوجه فيه السلاح إلى أعداء الأمة، فعندهم أنواع أخرى من الجهاد الذي تحتاج إليه الأمة، ولا يرتاب أحد في أنه فريضة وضرورة.
فالجهاد بالدعوة وتبليغ الرسالة وإقامة الحجة إحدى هذه المراتب، وهي المذكورة في سورة الفرقان المكية ﴿فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾ (الفرقان: 52).
وهذا الجهاد متاح اليوم بصورة لم تعهد من قبل عن طريق الكلمة المقروءة والمسموعة والمرئية وعن طريق الإذاعات الموجهة، والقنوات الفضائية، وشبكة الإنترنت وغيرها من الوسائل والآليات، التي تحتاج إلى طاقات بشرية هائلة، وإلى أموال طائلة، وإلى جهود مكثفة لم نقم بواحد في الألف منها! مع أن هذا - كما قلت وأقول دائمًا - هو جهاد العصر.
والإسلام يشدد في استخدام القوة المادية، حتى لا تؤدي محاولة إزالة المنكر إلى منكر أكبر منه، وهو ما سجله التاريخ والواقع.
وفي عصرنا لا يملك الجهاد باليد إلا «القوات المسلحة» وهي في يد الحكومة، لأنها جزء من أجهزتها.
بل إن هذه الجماعات يخالف فقهها فقه الإخوان في قضايا كثيرة في السياسة الشرعية، وفي الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والفكرية والفنية والإعلامية وغيرها.
فهم متشددون في قضايا المرأة، وفي قضايا التعددية السياسية، وفي اقتباس بعض أساليب الديمقراطية، مثل الانتخاب، والتصويت بالأغلبية، وإلزامية الشورى، وتحديد مدة الحاكم... إلخ.
وكذلك في العلاقة بغير المسلمين من المواطنين، وعلاقة الدولة الإسلامية بغيرها: هل أساسه السلم أو الحرب؟ وإلى أي حد تتدخل الدولة في شؤون الاقتصاد؟
فالعجب أن يقال: إن هذه الجماعات خرجت من «معطف» الإخوان، وهي تناقض الإخوان فكرًا وأسلوبًا، وتتهم الإخوان بأنهم فرطوا في الدين وتعتبر اجتهادهم في قضايا العصر: ضربًا من التبعية والخضوع لتيار التغريب والغزو الفكري، أعني أن هذه الجماعات المسلحة تضاد الإخوان وتناقضها في توجهاتها، وهي ليست كذلك في مصر وحدها، بل هي كذلك في الجزائر وغيرها.
بيانات الإخوان المتكررة تدين العنف
في السنين الأخيرة أوضح الإخوان موقفهم من العنف بكل صراحة ووضوح في بيانات رسمية معلنة ومنشورة يدينون فيها العنف ويستنكرونه ويرفضونه بكل أشكاله وصوره، وأيًا كانت مصادره وبواعثه، وذلك على أساس فهمهم لقيم الإسلام ومبادئه وتعاليمه. كما سبق أن أكد الإخوان مرارًا على ضرورة إيقاف أعمال العنف والعنف المضاد، من منطلق وقاية البلاد من نزيف الدم الذي حرمه الله والحفاظ على المجتمع من الانهيار الاجتماعي والخراب الاقتصادي والذي لن يستفيد من ورائه إلا أعداء الإسلام وخصوم المسلمين.
وقد تعددت البيانات الصادرة عن الجماعة والتي تدين العنف، وتعبر فيها عن رأيها في هذا الخصوص. وقد قامت كل الصحف في مصر الحكومية والحزبية بنشرها في حينها إما كاملة أو مقتطفات منها، بحيث لم يعد في مصر أحد يجهل رأي الإخوان في هذه القضية. وكان من أبرز البيانات التي صدرت، ذلك البيان الجامع الصادر في 30 من ذي القعدة 1415هـ الموافق 30 من أبريل 1995م، والذي جاء فيه:
لقد أعلن الإخوان المسلمون عشرات المرات خلال السنوات الماضية أنهم يخوضون الحياة السياسية ملتزمين بالوسائل الشرعية والأساليب السلمية وحدها، مسلحين بالكلمة الحرة الصادقة والبذل السخي في جميع ميادين العمل الاجتماعي.. مؤمنين بأن ضمير الأمة ووعي أبنائها هما في نهاية الأمر الحكم العادل بين التيارات أبنائها الفكرية والسياسية التي تتنافس تنافسًا شريفًا في ظل الدستور والقانون، وهم لذلك يجددون الإعلان عن رفضهم لأساليب العنف والقسر لجميع صور العمل الانقلابي الذي يمزق وحدة الأمة، والذي قد يتيح لأصحابه فرصة القفز على الحقائق السياسية والمجتمعية، ولكنه لا يتيح لهم أبدًا فرصة التوافق مع الإدارة الحرة لجماهير الأمة.. كما أنه يمثل شرخًا هائلًا في جدار الاستقرار السياسي، وانقضاضًا: غير مقبول على الشرعية الحقيقية في المجتمع.
وإذا كان جو الكبت والقلق والاضطراب الذي يسيطر على الأمة قد ورط فريقًا من أبنائها في ممارسة إرهابية روعت الأبرياء وهزت أمن البلاد، وهددت مسيرتها الاقتصادية والسلمية، فإن الإخوان المسلمين يعلنون - في غير تردد ولا مداراة - أنهم برءاء من شتى أشكال ومصادر العنف، مستنكرون لشتى أشكال ومصادر الإرهاب، وأن الذين يسفكون الدم الحرام أو يعينون على سفكه شركاء في الإثم واقعون في المعصية، وأنهم مطالبون في غير حزم وبغير إبطاء أن يفيئوا إلى الحق، فإن المسلم من سلم الناس من لسانه ويده، وليذكروا - وهم في غمرة ما هم فيه -وصية الرسول صلى الله عليه وسلم في حجة وداعه: «أيها الناس إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم إلى يوم القيامة كحرمة يومكم هذا في عامكم هذا في بلدكم هذا»
شهادات المسؤولين للإخوان
ولعله من المناسب هنا أن نورد شهادات للمسؤولين الرسميين في مصر عن موقف جماعة الإخوان المسلمين من هذه القضية، يثبت كذلك كذب كل ما يقال عنهم بعد ذلك:
تصريح الرئيس حسني مبارك: فقد أدلى الرئيس محمد حسني مبارك لجريدة «لوموند» الفرنسية أثناء زيارته لفرنسا سنة 1993م، بتصريح نشرته الصحف المصرية وفي مقدمتها جريدة «الأهرام» بتاريخ 1/11/1993م قال فيه:
«إن هناك حركة إسلامية في مصر تفضل النضال السياسي على العنف، وقد دخلت هذه الحركة بعض المؤسسات الاجتماعية واستطاعوا النجاح في انتخابات النقابات المهنية مثل الأطباء والمهندسين والمحامين».
وزير الداخلية: ولم يكن رئيس الجمهورية هو الوحيد من رجال السلطة الذي أكد انقطاع أي صلة للإخوان بالعنف والإرهاب، بل إن وزير الداخلية آنذاك اللواء حسن الألفي في مؤتمره الصحفي الذي عقده، ونشرت وقائعه بتاريخ 14 من أبريل سنة 1994م سئل عن علاقة الإخوان بتنظيم الجهاد أو الجماعة الإسلامية - وهما المنظمتان اللتان يتهمهما النظام باستخدام العنف - فكان رده: «الإخوان جماعة لا يرتكب أفرادها أعمال عنف بعكس تلك التنظيمات الإرهابية» «جريدة الجمهورية وجريدة الأهرام، عدد 14/4/1994م».
شهادة خبير الأمم المتحدة: كما أكد ذلك الخبراء والمختصون في هذا المجال وعلى رأسهم خبير الإرهاب الدولي المصري بالأمم المتحدة اللواء أحمد جلال عز الدين - والذي قام الرئيس مبارك بتعيينه عضوًا بالبرلمان عام 1995م ضمن العشرة الذين يحق لرئيس الجمهورية تعيينهم- حيث صرح في مقابلة موسعة له عن «الإرهاب والتطرف»، مع «جريدة الأنباء» الكويتية:
«إن الإخوان المسلمين حركة دينية سياسية ليس لها صلة بالإرهاب والتطرف».. و«إن الإخوان في نظر عدد كبير من تنظيمات العنف يعتبرونهم متخاذلين وموالين للسلطة ومتصالحين معها».. «العدد 6560 من جريدة «الأنباء الكويتية» الصادر في 13/8/1994م.
الإخوان والتنظيمات السرية
فليس لدى الإخوان المسلمين أي تنظيمات سرية أو النية لعمل تنظيمات تعمل تحت الأرض بعيدًا عن الأعين، فليس هذا من منهاجهم أو توجههم، فضلًا عن أن العمل السري يضر بالعمل الدعوي.
فأما أن التنظيمات السرية لا تتفق ومنهج الإخوان، فذلك واضح من خلال حركتهم ونشاطاتهم في مجالات كثيرة ومتعددة عبر العقود الأخيرة، كما أن لافتاتهم وملصقاتهم موضوعة في كل مكان من أرض مصر شاهدة على أنهم يعملون في وضح النهار وأنهم موجودون وسط الميدان يعيشون مع الناس ويمتزجون بهم ويشاركونهم أفراحهم وأتراحهم.
ولم يختلف الإخوان المسلمون يومًا ما عن الإدلاء بدلوهم وتبيان آرائهم ومـواقــفـهـم في أي قضية محلية أو إقليمية أو دولية.
فلماذا بعد كل هذا يلجأ الإخوان لعمل تنظيمات سرية؟
وأما أن التنظيمات السرية تضر بالعمل الدعوي فهذا يرجع إلى أن التنظيمات السرية تعمل في الظلام، والظلام بطبيعته يستحيل معه - مهما كانت القيادة نشطة وواعية ومتحركة وجادة - متابعة كل الأفراد «خاصة إذا كان عددهم عظيمًا» من حيث العقيدة والأفكار والسلوك والأخلاق، ومدى مطابقة هذا من عدمه مع العقيدة الصحيحة، والأفكار الأصيلة للدعوة والسلوك والأخلاق الأساسية للإسلام.
المحاكمات العسكرية للإخوان
ويبقى هنا سؤال: إذا كان هذا هو موقف الإخوان بوضوح، فما سر هذه المحاكمات العسكرية، والإجراءات الأمنية، التي تتخذ في حق الإخوان بخصوص تنظیمات سرية تكتشف ما بين
الحين والحين؟
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل