العنوان على صهوة الكلمة- الإرشاد الثقافي والحضاري للإسلاميين
الكاتب د. عبد الله فهد النفيسي
تاريخ النشر الثلاثاء 15-أبريل-1986
مشاهدات 70
نشر في العدد 763
نشر في الصفحة 50
الثلاثاء 15-أبريل-1986
كثرت في السنوات الأخيرة الكتابات التي تتناول ازدهار الحسّية الإسلامية بين جماهير ومثقفي الوطن العربي والإسلامي. ومن يتابع هذه الكتابات لا شك سيجد فيها الغثّ والثمين. فهناك كتابات تؤازر ازدهار الحسّية الإسلامية وتعضدها، لكن لا يمنع أن نقول بأن كثيرًا منها ليست ثمينة ولا متماسكة في منهجيتها التحليلية، على افتراض وجود تلك المنهجية فيها.
من جانب آخر، هناك كتابات تنقد ازدهار الحسّية الإسلامية وتقف ضدها، لكن لا يمنع أن نقول بأن بعضها -من حيث منهجيتها التحليلية- لا يخلو من الوجاهة والتماسك. هذه حقيقة أجد صعوبة كبيرة في توصيلها لبعض الإخوة. والأمر الذي يجب أن نعيه في زمن كهذا، أن الصراع الفكري والتساؤلات الكبيرة المطروحة حول الأديان والمناهج والفلسفات هذه الأيام تتطلب قدرًا كبيرًا من السعة الفكرية والاقتدار على الحوار، لا فقط بين الأفراد والجماعات، بل حتى بين الحضارات، كما يطالب بذلك أخونا في الإسلام، الفذّ الجهبذ رجاء غارودي(1).
والاقتدار على الحوار وبهذا الحجم -أي بين الحضارات- يستلزم أن يسبقه طور من أطوار الإرشاد الثقافي والحضاري لأبناء الدعوة الإسلامية من خلاله يتعرفون على طبيعة الصراع في هذه المرحلة من تطور العالم من كافة الوجوه والزوايا. وهذا الإرشاد الثقافي والحضاري الذي أطالب به لا يجب أن يدخل إليه أبناء الدعوة الإسلامية من باب «اعرف عدوك» أو من باب «ولتستبين سبيل المجرمين»، بل من باب استيعاب المقولات العصرية لهذا العالم المعاصر وتحديد المرفق الموضوعي منها في إطار التصور الإسلامي ومقوماته الثابتة.
أقول هذا بعد أن لاحظت ولاحظ غيري أن عددًا من أبناء الدعوة الإسلامية يعانون مما أسميه بـ «الرهاب الثقافي» الذي يتجسد في الخوف من الجديد في عالم الثقافة والحضارة. هذا الرهاب الثقافي يحول دون عملية الإرشاد المطلوبة والتي أطالب بها منذ سنوات، ويحول دون فهم العصر واستيعابه، ويحول دون الإتقان في التعامل مع مؤسساته الممتدة، ويتحول الإسلام -نتيجة لهذا الرهاب الثقافي- من برنامج ديناميكي إلى برنامج ميكانيكي. ولذا نجد -ونتيجة لهذا الرهاب الثقافي- أن للرغبة النكوصية والانكفائية والارتجاعية قبولاً في بعض الأوساط الإسلامية يزاحم الرغبة الاستشرافية التي تشرئب للمستقبل.
في يقيني أن ازدهار الحسّية الإسلامية دون توظيف ثقافي وحضاري وسياسي لها سوف لن يكون من الأرقام الإيجابية في المعادلة الإسلامية، وفي تصوري أن هذا التوظيف المطلوب للحسّية الإسلامية لن يتأتّى ويتحقق إلا إذا تخلصنا من عقبة الرهاب الثقافي، وهي عقبة لا شك تراكمت عبر مراحل طويلة من التخلف والاضطهاد. وفي رأيي أن في هذا العصر قوة كامنة وعظيمة ينبغي أن نتقن التعامل معها، وكل خوفي أن نتعامل معها كما تعاملت دليلة مع شعر شمشون، واللبيب بالإشارة يفهم.
خلاصة ما أريد أن أذهب إليه هو أن الإشكالية الثقافية في الأوساط الإسلامية تؤثر سلبًا على الأداء الحركي اليومي للإسلاميين، ولذا ينبغي أن يتم حل هذه الإشكالية بما يتناسب وخطورة إسقاطاتها المتشعبة.
(1) رجاء غارودي، «وعود الإسلام» الدار العالمية، بيروت، ١٩٨٤ ص ٢٣.