; الإرهاب الأمريكي واحد وإن تعددت الوسائل | مجلة المجتمع

العنوان الإرهاب الأمريكي واحد وإن تعددت الوسائل

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 29-أبريل-1986

مشاهدات 57

نشر في العدد 765

نشر في الصفحة 20

الثلاثاء 29-أبريل-1986

  •  

    *أمريكا تصم أذنيها عن الاقتراحات الجدية.

    *أمريكا تخلط عمدًا بين المجموعات الإرهابية وحركات التحرر.

    *الأمن والسلم في العرف الأمريكي هو بقاء الوضع لصالحها اقتصاديًّا واستراتيجيًّا.

    *لم تغير أمريكا سياستها، بل هي تراوح بين الوسائل المستعملة حسب ما يتطلبه الموقف.

    صرح السيد عبد السلام التريكي مندوب ليبيا لدى الأمم المتحدة على إثر الغارات العدوانية الأمريكية على طرابلس وبنغازي، بأنه غير صحيح أن ليبيا لا تريد التفاوض، وأنه على استعداد للدخول فورًا في مفاوضات مع الولايات المتحدة الأمريكية حول الخلافات بينهما دون شروط مسبقة يضعها أي جانب.

    وكالعادة أصمت أمريكا أذنيها عن هذا التصريح وتجاهلته لأنها حكمت على ليبيا بأنها دولة إرهابية وقررت معاقبتها والقضاء على حاكمها.

    هكذا بكل بساطة قررت -أمريكا الخصم والحكم- وشرعت في التنفيذ وليس لأحد أن يرفع رأسه للاعتراض عليها أو حتى مناقشتها، وبالطبع لم يكن من المنتظر قط من أمريكا أن تستجيب لدعوة عبد السلام التريكي للتفاوض حول مسألة الإرهاب بالخصوص؛ حتى لا تفتح على نفسها بابًا يدخل منه كل الذين بدأوا ينادون بالتفريق بين ما اصطلح على تسميته «بإرهاب الأفراد» و«إرهاب الدول»، وحتى لا تعطي الفرصة لنقاش نزيه يكشف -لمن ما زال لديه شك- ممارساتها الإرهابية على كافة الأصعدة. ماذا نسمي هذا الأسلوب الإعلامي؟! والمتمثل في تجاهل الاقتراحات الجدية التي تريد إيجاد حلول عادلة لقضايا الشعوب ونسيانها، والتركيز في المقابل على المقولات الأمريكية والطرق عليها بمطرقة وسائل الإعلام حتى تنفذ إلى الأذهان ويقتنع بها الجميع، ومن هذه المقولات على سبيل المثال: أن منظمة التحرير الفلسطينية منظمة إرهابية وأن أعمال العنف والاحتجاج في العالم العربي وحيثما كان هناك اضطهاد، والتي تهدف إلى مقاومة الاحتلال والوقوف في وجه الظلم والطغيان هي أعمال إرهابية.

    أليس هذا هو الإرهاب الإعلامي؟ ها هو ذا مدير مكافحة الإرهاب وتخطيط الطوارئ في الإدارة الأمريكية يهرب من تحديد الإرهاب ويخلط بين حركات التحرر والمجموعات الإرهابية ليبرر الأعمال الإرهابية الأمريكية، حيث يقول: نحن لا نملك مظهرًا ما محددًا للإرهاب، ومن الصعب أن نحدد ما هي المجموعات الإرهابية وما هي «حركات التحرر». ويضيف وهو يخاطب صحافيًّا عربيًّا: «منظمة التحرير الفلسطينية في نظرنا منظمة إرهابية، أما في نظرك أنت فهي حركة تحرر وطني». ولسوء الحظ سهل بعض المتطرفين على أجهزة الإعلام الأمريكية والأوروبية دورها في الإرهاب الإعلامي، بخلطها بين الغث والسمين، فكل من عرف مثلًا أن عجوزًا ينتقل على كرسي بعجلات كان في رحلة سياحية على ظهر الباخرة «أكيل لورو» قد قتل ورمي في البحر لتلتهمه الأسماك، قد استاء أشد الاستياء من هذه الفعلة وإن لم تتأكد. فكيف لا يؤثر خبر مثل هذا على الرأي العام الأوروبي والأمريكي الذي شحن ضد العرب وعبِّئ بخبث ضد قضيتهم.

    إن الرجل العادي في أمريكا وأوروبا لم يقرأ بإسهاب في الصحف والمجلات عن المجازر والجرائم التي ترتكب في جنوب لبنان وفي فلسطين المحتلة، ولم تصور له وسائل الإعلام الأخرى إلا بقدر قليل الأطفال والشيوخ والعجز وقد مزقت أجسادهم القنابل الأمريكية التي ألقتها الطائرات الأمريكية على المدن والقرى اللبنانية وعلى تونس، وأخيًرا لا آخرًا على طرابلس وبنغازي.

    إن الإعلام الأمريكي الذي يغطي العالم بأسره بوكالات أنبائه ومراسليه وشبكات اتصالاته لم يكلف نفسه حتى من قبيل الموضوعية أن يتساءل: لماذا يضحي شباب في عمر الزهور بأرواحهم ويقدمون أجسادهم للرصاص ولشظايا المتفجرات في مطارات العواصم وشوارعها؟ ما الذي يدفعهم إلى ذلك؟ هل هو الجنون؟ إن تصوير هؤلاء بأنهم إرهابيون لا أصل لهم ولا جذور وحشرهم في خانة المجرمين واللصوص والقتلة، من أجل القتل والابتزاز ونسيان الجانب الآخر من القضية. إن العوامل التي أدت إلى طغيان اليأس في نفوسهم ليخرجوا إلى رموز المدنية والتحضر والديمقراطية ينقضون عليها كالوحوش هو لعمري تجاوز الحقائق وقفز عليها، بل هو الإرهاب الإعلامي المسلط على الضعفاء في العالم الذين لم يستطيعوا إيصال كلمتهم وإسماعها إلا من خلال الموت والدم. إن الإعلام الأمريكي ليس إذًا سوى وجه من وجوه الإرهاب الأمريكي وغطاء له.

    الإرهاب العسكري- السياسي

    إن أخطر الممارسات الإرهابية للولايات المتحدة الأمريكية هي تدخلاتها العسكرية المباشرة وغير المباشرة، وسجل أمريكا حافل بهذه التدخلات، فمنذ الحرب العالمية الثانية كشفت أمريكا عن وجهها الإرهابي فقصفت هيروشيما وناكازاكي بالقنابل الذرية، ولم يكن ذلك القصف لغاية عسكرية -لأنها ربحت الحرب من قبل- وإنما كان رسالة إرهابية موجهة للعالم بأسره بوجوب الخوف منها والركوع لها والشعور بالنقص إزاءها.

    وتمادت أمريكا في هذه السياسة حتى صار إرهابها العسكري سمة لنهجها الرسمي وسياستها المرسومة. وليس صحيحًا القول إن أمريكا ريغان عادت لسياسة العصا الغليظة، وكأنها تخلت عن تلك السياسة في وقت من الأوقات. فأمريكا كانت دائمًا تستعمل هذه العصا ولكنها بعد استعمالها لها على أوسع نطاق في فيتنام دون جدوى، حيث لم تفدها مئات الطائرات العملاقة من نوع ب 52 ولم تنفعها بوارجها وحاملات طائراتها، فانكفأت على نفسها فترة قصيرة لتسترجع أنفاسها ثم عادت تلوح بعصاها وتضرب بها لترهب المضروب أولًا والمتفرج ثانيًا. وحتى في فترات الهدوء النسبي كانت أمريكا تنظر لقواتها المقاتلة ومن ضمنها أساطيلها الحربية المتجولة على أنها وسائل التهديد ترسلها حيثما كان هناك توتر، في إشارة واضحة بأن الأحداث يجب أن تأخذ مجرى بما يتلاءم مع مصالحها. وهذا ما دعا هواري بومدين الرئيس الجزائري السابق أن يقول ذات مرة: «إن سفن الأسطول السادس التي توجد قبالة شواطئنا لم تأت لصيد الأسماك».

    وفي السنوات الأخيرة خطت أمريكا خطوة أخرى في مجال الإرهاب العسكري فشكلت ما يسمى بقوات التدخل السريع، مدعية أنها بهذه القوات تريد المحافظة على السلم، والسلم في العرف الأمريكي هو بقاء الوضع لصالحها اقتصاديًّا بالدرجة الأولى واستراتيجيًّا بالدرجة الثانية. ثم خرج ريغان على العالم ببرنامج عسكرة الفضاء والذي يعرف بحرب النجوم، وهذا البرنامج هو تهديد واضح للسلام العالمي لأنه يهدف كما لا يخفى على أحد إلى كسب التفوق العسكري ووضع العالم تحت رحمة الولايات المتحدة، وإرهاب الجميع بما في ذلك شعوب الاتحاد السوفيتي.

    وقبل أن تلجأ الولايات المتحدة الأمريكية إلى آلتها العسكرية للتدخل المباشر تكون قد استنفدت وسائل أخرى للتدخل غير المباشر، ويشرف على تدخلاتها غير المباشرة هذه جهاز مخابراتها المعروف بال «CIA»، فلو بحثنا عمن وراء إشعال الحروب الأهلية وتغذيتها وإشارة النزعات الطائفية وتعميقها لوجدنا المخابرات الأمريكية. إنه أسلوب قديم جديد للسياسة الأمريكية، وآخر مظاهره المشاركة في الحرب الأهلية في السلفادور، وإقامة مراكز تدريب لطائفة السيخ على الأراضي الأمريكية، وتسليح منظمة «يونيتا» الانفصالية في أنغولا، ودعم المناهضين للحكم في نيكاراغوا من أجل قلب ذلك النظام الذي لا يروق لأمريكا. ولا مانع عند أمريكا -هذه القوة العظمى- من إشعال حروب محدودة ما دامت تخدم مصالحها، مثلما هو الحال بالنسبة للحرب الإيرانية العراقية، إضافة إلى أنها تشكل فرصة لرواج سوق سلاحها وسلاح حلفائها في الحلف الأطلسي. لقد حاولت أمریكا إشعال حرب بين مصر وليبيا وبين تونس وليبيا وعندما لم تفلح في ذلك لجأت بنفسها إلى السلاح لتنفيذ ما رسمته من أهداف.

    إن مسلسل الإرهاب الأمريكي طويل.. وطويل جدًّا، فيه الحروب والغزو مثلما حدث الجزيرة غرينادا، وفيه المؤامرات والاغتيالات مثلما حدث لسلفادور أليندي في تشيلي، وفيه الحصار الاقتصادي ومحاولة التجويع مثلما حصل لمصر عبد الناصر، إلخ... إن أمريكا لم تغير في الحقيقة سياستها الرسمية، بل هي تراوح بين الوسائل المستعملة حسبما يتطلبه الموقف، وكل ذلك في سبيل إخضاع الشعوب الصغيرة وإرهابها واستعبادها.

    وقد أدرك أحد القادة الأفارقة السابقين وهو «نكروما» غاية أمريكا، فعبر عنها أحسن تعبير عندما قال: «إن ما تفعله الولايات المتحدة الأمريكية هو محاولة إقناعنا بطرق مختلفة بأننا مجرد قطيع من القرود».

    الحلف الإرهابي بين واشنطن وتل أبيب

    إذا عرفنا أن إسرائيل هي الصديق الحميم والحليف الأساسي والعميل الأول لأمريكا في منطقة الشرق الأوسط، وإذا عرفنا أن إسرائيل إنما قامت منذ البداية على نشاطات العصابات الصهيونية الإرهابية مثل منظمة الهاجانا التي تحولت فيما بعد إلى جيش نظامي، ومثل حركة «كاخ» التي ضمت سفاحين أتوا من أمريكا وشعارهم: «العربي الجيد هو العربي الميت»، تأكدنا من طبيعة الحلف الذي يربط بين واشنطن وتل أبيب، وآخر لبنة أضيفت إلى صرح هذا الحلف الإرهابي ضم أمريكا لحليفتها إسرائيل إلى برنامج «حرب النجوم» السالف الذكر.

    إن التعاون الوثيق بين إسرائيل وأمريكا قديم قدم إسرائيل، وقد عملت أمريكا بأموالها وأسلحتها على تقوية هذا الكيان الغريب ليكون قاعدتها الإرهابية الكبرى في المنطقة، وكلنا يعلم العون الذي قدمه الأسطول السادس لسلاح الجو الإسرائيلي حتى تمكن في 5 صبيحة يونيو 1967 من تحطيم الطائرات المصرية الجاثمة في المطارات، ثم ألم يبرر أنور السادات وقف إطلاق النار في حرب أكتوبر 73 بأنه بعد أن تدخلت الولايات المتحدة الأمريكية مباشرة في القتال، وبعد أن صار جنوده يواجهون الأمريكان لم يعد قادرًا على مواصلة الحرب. وبالأمس القريب قالت مجلة «نيويورك تايمز» الأمريكية إن خرائط مفصلة جدًّا لبيروت ومدن لبنانية أخرى وضعت بواسطة الأقمار الصناعية سلمت لإسرائيل، وأنه كان هناك خبراء من البنتاغون يشرفون على مسارات الغارات التي شنها الطيران الإسرائيلي على بيروت. وفي إيطاليا كشفت صحيفة «ريبوبليكا» أن الطائرات الإسرائيلية التي قصفت حمام الشط في تونس زودت بالوقود في الجو بواسطة طائرات صهريج كي سي 135 الأمريكية التي تم نقلها إلى مطار فيومنشينو بروما خصيصًا لهذا الغرض.

    أخيرًا نقول إن أمريكا كانت ولا تزال زعيمة الإرهاب في العالم، وهي بلجوئها إلى سياسة البوارج وباستعمالها للغة الحديد والنار إنما تعرب عن محدودية النجاح الذي تلاقيه أساليبها الإرهابية الأخرى، نتيجة ازدياد وعي الشعوب بالدور الاستغلالي الأمريكي وقيامها للدفاع عن حقوقها. فهل سينجح ريغان في تخويف الشعوب أم أن السحر سينقلب على الساحر؟

     

     

     

     

     

     

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 6

139

الثلاثاء 21-أبريل-1970

مع القراء - العدد 6

نشر في العدد 14

117

الثلاثاء 16-يونيو-1970

كونوا مسلمين!

نشر في العدد 5

248

الثلاثاء 14-أبريل-1970

لِمن تُدق الأجْراس في تل أبيْب؟!