العنوان الإرهاب المحسوب
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 22-أبريل-1986
مشاهدات 68
نشر في العدد 764
نشر في الصفحة 4
الثلاثاء 22-أبريل-1986
الهجوم الذي شنته الطائرات الأمريكية على المدن الليبية
في الأسبوع الماضي لا يمكن تسميته بغير الإرهاب، الذي ترعاه وتقوده دولة الإرهاب
الولايات المتحدة الأمريكية، فهو- كما يعرف أبسط الناس- عدوان على دولة مستقلة،
وهو أمر لا تقره الأعراف والقوانين الدولية. والعملية في حد ذاتها ليست أول عملية
عدوانية تقوم بها القوات الأمريكية خارج حدودها... فلقد قامت بعمليات مشابهة في
جزيرة غرينادا وصحراء طبس بإيران وكمبوديا والدومينيكان، وما أخبار فيتنام عنا
ببعيدة.
ومع أن التسلط والإرهاب وهضم حقوق الشعوب واستلاب خيراته
هي مضامين السياسة الأمريكية إزاء دول العالم النامي بشكل خاص، إلا أن العدوان
الأخير على ليبيا يستحق وقفة خاصة. فقد حدد واينبيرغر أحد شروط القيام بعمليات
مشابهة للهجوم الأخير على المدن الليبية بأنه «يجب أن تكون هناك أهداف سياسية
وعسكرية محددة وواضحة»، أي أن تكون العملية محسوبة حجمًا وأهدافًا ونتائج بدقة.
فما هي أهداف العملية؟
الغرض الأول هو إسقاط القذافي والتخلص منه كأحد المناوئين
للسياسة الأمريكية فيما يشاع، وهو فرض غير صحيح لأن مثل هذه العملية لا تسقط
نظامًا، بل تعمل- كما قال أحد السياسيين الخليجيين وكما قالت الصحافة الأمريكية-
على رفع مكانته. ويقول التاريخ الحديث بأن أمريكا لم تلجأ لمثل هذا الخيار عندما
أسقطت أنظمة كانت موالية لها، كشاه إيران وماركوس الفلبين. وعندما أبلغت إدارة
ريغان أوروبا بنيتها للقيام بهذه العملية، كان أهم تحفظ قاله الزعماء الأوروبيون
هو الخوف من أن تؤدي العملية لاستعادة القذافي لشعبيته وفك عزلته العربية.
وريغان الذي أمر بالعملية لم يعلن لا هو ولا أي من
مساعديه ذلك، كما أن العملية كما تمت لم تؤدِّ لذلك.
لكن هل هدف هذه العملية كالتحرشات السابقة بين الطرفين؟
الحقيقة أن جميع التحرشات السابقة والتي كان آخرها
المواجهة في خليج سرت كان محركها الأساسي هو القذافي نفسه، وكانت تهدف لإقناع
الشعب الليبي بشكل خاص والشعب العربي بشكل عام أنه معادٍ لأمريكا يستحق التأييد
والمناصرة... فيما كان يعاني من معارضة داخلية عنيفة، وصلت إلى حد اقتحام مقر
إقامته بمعسكر العزيزية، وكان يعاني من عزلة عربية ودولية.
وفي الآونة الأخيرة اشتدت المعارضة الداخلية، وزادت
العزلة العربية بسبب موقفه المؤيد لإيران في حربها مع العراق، والعزلة الدولية
بسبب إعلانه لتبني العمليات الإرهابية ومساعدته لكل الحركات الثورية. فهل جاء
العدوان الأمريكي ليفك للقذافي هذه المغالق؟!
إننا نتساءل، وسيكون انعقاد القمة العربية مؤشرًا في هذا
الاتجاه، لكن العملية الأخيرة كانت من تصميم ريغان وليس من تصميم القذافي، فماذا
يقصد القذافي؟
الهدف الأول كما هو واضح من سيرة ريغان وتوجهات إدارته هو
تسجيل نقطة أمام الشعب الأمريكي ضد ما أسموه بالإرهاب. فالمعروف أن كثرة التصريحات
الأمريكية ضد الإرهاب لم تمنع الإرهاب، لذلك كان لا بد من توجيه ضربة لرجل
كالقذافي يعلن صراحة أنه يؤيد الإرهاب، وهذا ما يفسر تأييد الشعب الأمريكي لريغان
الذي يجسد شخصيته «رامبو» ورجل الكاوبوي الأمريكي المتعجرف المغرور!
والهدف الآخر هو الإرهاب المسبق لكل القوى العربية
والإسلامية، التي تعارض أو تدعم من يعارض المخطط الصهيوني الأمريكي للتسوية في
الشرق الأوسط. وبخاصة أن هذا المخطط أصبح واضحًا أنه يقضي بتهويد الأرض وتهجير
الشعب في فلسطين المحتلة، وما على الدول العربية إلا القبول بذلك، وإلا فإنها تدعم
الإرهاب وتستحق العقاب، هكذا يفكر الكاوبوي الأمريكي بكل عنجهية وغرور!
وربما تكون العملية رسالة لمن يهمه الأمر.. أوروبا
والاتحاد السوفييتي.. فالمعروف أن أوروبا باتت تعترض على بعض السياسات الأمريكية،
كحرب النجوم ونشر الأسلحة والصواريخ النووية، كما اعترض معظمها على مبدأ العملية.
والعملية كما حظر النفط العربي عن أوروبا عام 73 يعني أن
أمريكا هي الزعيمة التي ينبغي ألا يُعترض عليها وأن تفعل ما تشاء.
أما الرسالة الموجهة للسوفييت فهي- مع إعلامهم بالعملية-
تعني أن منطقة المتوسط والشرق الأوسط منطقة نفوذ أمريكية، ولا أحد يعترض على ذلك،
من واقع جولة بوش وميرفي في المنطقة، وجولة مبعوث أمريكي آخر في أوروبا، ومن واقع
ردود الأفعال الخافتة على أية حال. وقد جاء رد الفعل السوفييتي في هذا السياق، حيث
لم يزد عن الشجب بأقسى الألفاظ كما قال مندوب السوفييت في الأمم المتحدة.
والعملية من واقع برنامجها والمعدات والأسلحة التي
استخدمت فيها، تقول بأنها كانت محسوبة بدقة ككل عمليات الإرهاب الأمريكي المحسوب.
الشيء الوحيد الذي يبدو أن أمريكا تتجاهله باستمرار هو رد
فعل الشعوب، وهذا شيء معروف ومتوقع، لأن السياسة الأمريكية تستند إلى مبدأ القوة
والدولة التي لا تقهر، وهذا منتهى الغرور والعجرفة.. وستعلم أمريكا أي منقلب تنقلب
ولو بعد حين، وما ذلك على الله بعزيز.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل