العنوان الإسقاط في الصراع مع يهود
الكاتب راشد السالم
تاريخ النشر الثلاثاء 14-أكتوبر-1980
مشاهدات 68
نشر في العدد 501
نشر في الصفحة 28
الثلاثاء 14-أكتوبر-1980
الجيوش العربية كلها مسؤولة عن الهزيمة عام 1948 وعام 1967.
نظام السادات ليس وحده الذي تسقط عليه كل الخطايا، بل هنالك أكثر من شريك في صنع كامب ديفيد.
إن اضطهاد المسلمين في سوريا هو نوع من إسقاط فشل الحكم عليهم وجعلهم كبش فداء للخيانات المتكررة..
«الإسقاط» في علم النفس مرض يصيب الإنسان يجعله لا يعترف بالفشل أو النقص أو الخطأ، ويسقط السبب في كل حالة أو كل مرة على شخص آخر أو على «الظروف» أو على أي شيء فيجعله «كبش فداء» يتلقى عنه كل لوم أو نقيصة. ونظرًا لترابط العلوم الإنسانية بشكل عام وعلم النفس بالسياسة بشكل خاص، فقد أفاد كبار مخططي السياسة ورجال المخابرات من علم النفس كثيرًا.
وفي قصة الصراع مع يهود منذ اغتصبوا فلسطين بحراب الإنجليز والأمريكان طبقت نظرية
«الإسقاط» بشكل دقيق.
لنعد إلى الوراء قليلًا وبالذات إلى الحرب الأولى عام ١٩٤٨ التي أتم فيها اليهود
بسط نفوذهم على معظم فلسطين بعد قتال مع جيوش الدول العربية. في تلك الأيام كانت مصر أكبر دولة عربية عسكريًا واستراتيجيًا وسكانًا. وكذلك العراق وسوريا كان لهما وزن استراتيجي وعسكري واضح.. ودارت رحى الحرب «المسرحية» لتنتهي بتفوق يهود وقيام «دولة إسرائيل» وتقهقر جيوش الدول العربية.
كبش الفداء الأول
كانت الجيوش العربية بلا استثناء مسؤولة عن الهزيمة ولكن عملية «الإسقاط» ألقت باللوم على دولة وحيدة ضعيفة هي «الأردن» ونشطت وسائل الإعلام في الدول العربية الأخرى ببيان «خيانات» النظام الحاكم آنذاك.. ولسنا هنا بصدد تبرئة أحد ولا تسويغ تقصيره، بل إننا نريد أن نوضح فكرة «الإسقاط» وكيف تم من خلال هذه العملية إبراء ساحة الدول العربية الأخرى «وتركيز» اللوم واقتصاره على دولة واحدة حتى إذا ما فعلت هذه الدولة فعلة «شنيعة» تقدح في «وطنيتها» وإخلاصها لم يستغرب منها ذلك الفعل ولو كان «تسليمًا» ليهود!.
أيلول الأسود
في الحرب الثانية أي عام ١٩٦٧ ظل التركيز على تلك الدولة الصغيرة
الضعيفة، كما جرى التمهيد لنقل «الإسقاط» إلى دولة عربية أخرى ولكن بشرط أن تكون دولة مواجهة وتتمتع بثقل سياسي عربي كبير وتأثير جماهيري بلغ حد السحر.. إلا أن «الإسقاط» أو كبش الفداء.. ظل محصورًا على الأقل جماهيريًا، وهذا هو المطلوب في تلك الدولة الصغيرة الضعيفة بعد أن أدت دورها في الحرب الأولى!.
السادات والإسقاط البخس
تبلور «الإسقاط» على الدولة المذكورة مرة أخرى وبشكل مركز عام ۱۹۷۰
بسبب ما أسماه «الإسقاط»«أيلول الأسود».. والعالمون ببواطن الأمور يدركون أن مركز الجذب القومي العربي والتأثير الجماهيري الفعال المتمثل في أكبر دولة مواجهة آنذاك، بالإضافة إلى من أرسلوا «وسطاء» أو من «ادعوا وصلًا بليلى» في دولة عربية ذات ثقل استراتيجي واقتصادي مهم، كانوا جميعًا قد اشتركوا بصورة مباشرة أو غير مباشرة في صناعة «أيلول الأسود» وإسقاط كل المسؤولية واللوم على المتورطين فيه مباشرة.
في عام ١٩٧٣ كانت هذه الدولة قد ضعفت وهزلت سياسيًا في أعقاب «أيلول الأسود» وفي رأي بعض المراقبين كانت «قد استنفدت أغراضها» فكان لا بد أن يتحول «الإسقاط» إلى دولة أخرى ذات أهمية سياسية كبيرة. وبعد أن حقق نظام السادات «رصيدًا» في حرب أكتوبر ۱۹۷۳ أخذ يمضي في طريق التفريط بحقوق المسلمين في مصر وفلسطين إلى أن وقع اتفاقيات كامب ديفيد. وكانت فرصة مناسبة «للإسقاط» الذي أخذ يصور للجماهير أن كامب ديفيد المشؤوم هو سبب كل بلاء ومصيبة.
وإذا ما تخلص العرب من كامب ديفيد فسيعود الفلسطينيون إلى أرضهم ويمارسون حقهم المشروع في إقامة دولتهم المستقلة!
وفي الوقت الذي يشدد «الإسقاط» من هجومه على نظام السادات، تمضي أنظمة أخرى في التهيؤ لحضور حفل دولي تزف فيه فلسطين إلى بني يهود، ولكن من غير اسم كامب ديفيد.
ومرة أخرى نلفت الانتباه -ولو أن ذلك لا يخفى على القارئ العزيز- إلى أننا بحديثنا هذا لا نبرئ متهمًا ولا نسوغ لمقصر. بل نطمح إلى أن تدرك الجماهير المسلمة أن الأنظمة السياسية الحاكمة، والدوائر العالمية الطامعة في خيراتها لن تعدم الوسيلة في تضليلها وإلهائها عن واجبها الأول ومهمتها الأولى وهي إقامة حكم الله في الأرض، ولو باستخدام «الإسقاط» في علم النفس وربما أيضًا في علم الهندسة!
الضحية القادمة
ترى إذا استنفد «الإسقاط» غرضه في مصر السادات فهل يتجه إلى سوریا حافظ أسد!؟
يبدو أن ذلك وارد جدًا في ظل الظروف السياسية العربية الراهنة.
ولكن «الإسقاط» هذه المرة سيواجه سؤالًا محرجًا للغاية:
سوف تجد الأرض أمامك خصبة جدًا ولكن إذا كنت أيها «الإسقاط» صادقًا ومخلصًا هل مرسلوك إلى هنا على استعداد لإثبات حسن نيتهم وإخلاصهم فيمدون يد العون دون قيد أو شرط ودون استحياء للشعب السوري المسلم المغلوب على أمره؟ وإذا كان النظام السوري مؤهلًا «للإسقاط» وهو كذلك فهل مددتم يد العون إلى المجاهدين في سوريا؟ أم أنكم تريدون نظامًا «معتدلًا» قد يجد له فرصة أخرى، ذلكم ما ستكشفه الأيام القادمات ولكن الجماهير فيما يبدو لم تعد تنطلي عليها الألاعيب و «الإسقاط» و ﴿ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ فهل يعقلون أو يتوبون!؟