; الإسلاميون والانتفاضة | مجلة المجتمع

العنوان الإسلاميون والانتفاضة

الكاتب ياسر الإبراهيم

تاريخ النشر الثلاثاء 09-فبراير-1988

مشاهدات 58

نشر في العدد 855

نشر في الصفحة 22

الثلاثاء 09-فبراير-1988

• إلى هذا الحد بلغت عنجهية العدو الصهيوني؟!

في الوقت الذي ما زالت فيه فلسطين المسلمة تقدم من فلذات أكبادها كل يوم مجموعات من الشهداء والجرحى والمعتقلين، ومع استمرار الانتفاضة المباركة لهذا الشعب المسلم الذي بارك الله في أرضه للعالمين، يتسابق أدعياء النضال وأبطال الفنادق على إعطاء التصريحات.

وليت هذه التصريحات كانت من النوع الذي يزيد من ثورة الشعب وثقته بمستقبله، إذا لشكرناهم، ولكنها من النوع المثبط -للأسف-. فهذا أحدهم يقول في تصريح له: "إننا نريد أي قطعة من الأرض نقيم عليها دولتنا"، وهذا آخر يشرق ويغرب في إحدى تصريحاته، حتى يظهر للسامع أن مطلب الانتفاضة الوحيد هو عقد المؤتمر الدولي.

ويريد هؤلاء وهؤلاء أن يؤكدوا لجماهير الأمة أنهم هم الذين كانوا وما زالوا وراء الانتفاضة، مع أن بعض المراقبين اعتبروها ضربة لكل المشاريع السلمية الرامية إلى تصفية قضية الشعب الفلسطيني، فيما يحاول أصحاب هذه المشاريع إثبات عكس ذلك.

لقد بات واضحًا لكل ذي بصيرة أن البعد الإسلامي لهذه الانتفاضة هو الذي ميزها، لأن الإسلام هو وحده القادر على تفجير طاقات الشعب الكامنة، وبث روح الاستشهاد فيه. ذلك أن روح الاستشهاد إذا سرت في جسد الأمة وأصبحت الشهادة هي أسمى أمانيها، عندها لن تستطيع كل أساليب العدو وأجهزته القمعية أن تقف في وجه مارد الإسلام المتفجر من صدور المؤمنين.

لقد فهم العدو هذه المعادلة جيدًا، فها هو "شامير" شخصيًا يعلن -وحسب ما ذكرت إذاعة العدو- أن المتشددين المسلمين هم وراء الانتفاضة، ولن يستطيع منصف أن يتنكر لهذه الحقيقة.

لقد باتت المساجد في الضفة الغربية وقطاع غزة نقاط الانطلاق لهذه الانتفاضة، وساحات مواجهة مع جنود الاحتلال كما تذكر الصحف في افتتاحياتها وتحقيقاتها، خاصة الأجنبية منها.

فقد كتبت مجلة "الإيكونوميست" اللندنية مقالًا في هذا الشأن نشر مترجمًا في صحيفة القبس الكويتية يوم 1/11 بعنوان "الغضب الفلسطيني يكتسب لونًا إسلاميًا متشددًا".

كما نشرت "الفايننشال تايمز" تقرير لاندر وغوورفر وتوني ووكر، نشرته القبس أيضًا يوم 1/12 بعنوان: "الانتفاضة نقطة تحول في الكفاح الوطني الفلسطيني". ومما جاء في التقرير قولهم: "وما هو مقلق أكثر بالنسبة للحكومة الإسرائيلية، حقيقة أن بعض الاضطرابات الأكثر في غزة نسقت بشكل جزئي من قبل محرضين إسلاميين مدفوعين من قبل زعماء دينيين يطالبون بالجهاد ضد المحتلين".

ومما يؤكد ذلك أيضًا أن أربعة من المبعدين التسعة هم من ذوي الاتجاه الإسلامي. وقد وصفت مجلة "التايم" في تقرير لها نشر مترجمًا في صحيفة "الرأي" الأردنية أحد المبعدين واسمه خليل القوقا قائلة: "وهو معلم، ورئيس مجموعة ذات علاقة بالإخوان المسلمين، وهو إمام لمسجد الشط في غزة ويوصف بأنه ذو طبيعة راديكالية، يدعو المسلمين إلى محاربة اليهود بكل طريقة، حتى وإن أدى ذلك إلى موت الكثيرين".

ومما زاد في قلق السلطة المحتلة وركزت عليه وسائل الإعلام وصول الانتفاضة المباركة إلى من يسميهم الإعلام العربي "عرب 48"، حيث ظنت السلطة أن هؤلاء قد دُجِّنوا وانخرطوا في المجتمع الإسرائيلي، ولكن خاب ظنهم فهذه المناطق تشهد مدًا إسلاميًا قويًا بفضل الله.

إن أكثر ما يقلق اليهود فعلًا هو أن يتحول الكفاح ضدهم إلى قضية عقدية، نابعة من صميم الدين الإسلامي. إنهم لا يخشون الأفكار المستوردة لأنهم هم صناعها. ومما يحسن ذكره في هذا المجال ما قاله "فيدل كاسترو" للسفير الإسرائيلي الجديد في "كوبا" كما ورد في جريدة "جراما" ومجلة "كوبا سوشياليستا" الكوبيتين بعد اجتماع دام 4 ساعات، ونقلت مجلة "يديعوت أحرونوت" الإسرائيلية ذلك في نهاية عام 1968 حيث قال: "إن حركات الفداء الفلسطيني ستفشل لأنها ضعيفة عقائديًا...". ونصح الدكتور كاسترو السفير الإسرائيلي بأن تحول إسرائيل بكل قوتها دون اتخاذ حركات الفداء طابعًا إسلاميًا دينيًا، لأن ذلك يجعلها شعلة تستقطب حماس ملايين المسلمين، ويجذب إلى المعركة جماعات ودولًا إسلامية تجعل من المستحيل الإبقاء على الكيان الإسرائيلي. وأنه يحسن "بإسرائيل" أن تسعى في نهاية المطاف لتقوم حولها أنظمة اشتراكية ثورية، تلهي حركات التحرر الشعبية عن اللعب بنار العقائد الدينية، وتنشغل هذه الحركات بمهام التحرر الاشتراكي، وبذا يتم التعايش السلمي بين الاشتراكية العربية والاشتراكية الإسرائيلية.

أخيرًا... إن هذا الشعب الأبي الذي فجر هذه الانتفاضة المباركة بدماء شهدائه لم يعد ينخدع بالنضال الزائف، ولن يسمح للأدعياء بأن يلتفوا حول ثورته لتحقيق مآربهم في الارتماء في أحضان أمريكا لتعطف عليهم فتوافق على عقد المؤتمر الدولي.

إن فلسطين هي أرض الله المباركة، وليس لأي شخص أيًا كان أن يساوم على ذرة من ترابها، وأي إنسان سيفعل ذلك ستفضحه الجماهير. هذه الجماهير التي استطاعت أن تكشف عجز الأنظمة التي طالما هولت من قوة "إسرائيل" ضاربة على أوتار التوازن الاستراتيجي والتعامل مع الواقع. لقد أثبتت هذه الجماهير بثورتها قدرة الكف على ملاطمة المخرز إذا توفرت العقيدة الصادقة والعزيمة المؤمنة.

﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (سورة الحج:40) صدق الله العظيم.

 

الرابط المختصر :