العنوان الإسلاميون.. وتحديات الحكم
الكاتب محمد الحمداوي
تاريخ النشر السبت 22-ديسمبر-2012
مشاهدات 63
نشر في العدد 2032
نشر في الصفحة 66
السبت 22-ديسمبر-2012
بعد الحراك العربي وجد الإسلاميون أنفسهم أمام تحديات الحكم في ظرف دقيق يتطلب معالجة مخلفات مراحل الاستبداد والتحكم، وجبر الأضرار المتراكمة بما فيها ضحايا الثورات ثم تلبية مطالبات الناس، وترجمة آمالهم في التغيير الذي من أجله هبوا وخرجوا.
غير أن وصول هؤلاء الإسلاميين جاء في مرحلة غاية في الصعوبة، إذ فضلا عن نسب العجز الاقتصادي ومستوى النهب والهدر والفساد الذي تعرضت لها مقدرات بلادهم وثرواتهم، هنالك أزمة اقتصادية عاصفة بالدول في محيطهم، وخاصة بالنسبة إلى الدول شديدة الارتباط بالاقتصاد العالمي، ومن جهة أخرى يتعين عليهم إعادة بناء الدولة، وإعادة هيكلة السلطة فيها بما يرسي منهجًا قائمًا على الشراكة السياسية، ويسد المنافذ على الاستبداد والإقصاء والتفرد بالسلطة.
إن ما يزيد من صعوبة هذه المهام كونها تأتي في ظل أوضاع مازالت فيها القوى المضادة تبحث عن سبل استعادة زمام المبادرة وتنشط فيها جيوب المقاومة لتغذية مناخ اللاثقة بين الشركاء فضلًا عن تحريض الخصوم، وزرع الألغام في الطريق، والاستدراج إلى معارك وقضايا سجالية.
فهل سيعتبرون ذلك من مستلزمات طريق الإصلاح، ويصبرون على الأذى اتباعًا للحديث النبوي الشريف «المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم»، ويقرون بأن المدافعة بين الصلاح والفساد سنة مستدامة لا تنتهي بانتخابات أو بأغلبية أو بمعارضة أو بالحكومة أو بالدولة، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْض لَفَسَدَتِ الأَرْضُ ﴾ (البقرة: ٢٥١)، أم أنهم سيركزون على خطاب المظلومية؟
وهل سيستندون - في تعاملهم مع مطالب الشارع - إلى الشرعية الثورية، أم يبددون مخاوف خصومهم في الداخل والخارج حيال الديمقراطية والاعتراف بالآخر ويؤسسون لشراكة سياسية تؤسس للكتلة التاريخية بين الأطراف الأساسية في الأمة.
هل ينهجون مسلك الإصلاح المتدرج التراكمي المنتج الذي نظروا له والذي يبني على الموجود، أم ينساقون مع اللحظة الثورية ويسلكون المنهج الثوري؟ كيف يوازنون بين ضغط الجماهير الثائرة المستعجلة لتحقيق أهداف الثورة والمتطلعة إلى تقاسم ثمارها، وبين توازنات المعادلات الدولية وألغام السياسة الدولية؟
كيف يوازنون بين أشواق الناس في الحرية وتطلعاتهم إلى التصالح مع مرجعياتهم وإعادة الاعتبار إلى هوياتهم، وبين مستلزمات المسؤولية وإكراهات التدبير والإنجاز للارتقاء بالمعيشة اليومية للناس؟
كيف يوازنون بين محاربة الفساد واستعادة الثروات المنهوبة وفي الوقت نفسه تأمين الناس على مصالحهم وعدم زرع «الفوبيا» والخوف المؤشر على عدم الاستقرار والطارد للاستثمار والمضر بالسياحة؟
كيف ينصفون ضحايا المراحل المظلمة ولا يزرعون الضغائن والأحقاد والانتقام؟ وهل من سبيل إلى عدالة انتقالية بديلة عن العدالة الانتقامية؟ كيف يتعاملون مع القطاعات الحساسة كالفن والسينما والإعلام بمنطق يضع هذه القطاعات في قلب الإصلاح، وفي الوقت نفسه يحافظون على مكتسبات الحرية والإبداع؟
والخلاصة هي أن وصول الإسلاميين إلى الحكم وانخراطهم في مؤسسات الدولة يحتاج إلى مصاحبة معرفية وفكرية تجديدية لطرح الأسئلة الحقيقية الراهنة، وتوفير الفضاءات المتنوعة والمتعددة للاجتهاد وإبداع خيارات وبدائل تمثل سندًا لهذه التجربة.
إن الاشتغال بقضايا الدولة وإشكالات السلطة يعتبر مدخلًا مهما في تنزيل المشروع الإسلامي، غير أنها ليست المدخل الوحيد والأوحد، وليست حتى المدخل الأهم، وسيكون من الخطأ التفريط في المداخل الأخرى كالعمل التربوي والدعوي والثقافي؛ أي مدخل تكوين وتخريج الإنسان الصالح المصلح، وسيكون بمثابة ما حصل في غزوة «أحد» حين غادر الرماة الجبل والتحقوا بالصفوف التي حققت النصر في بداية الغزوة، فانشغلوا جميعًا باستحقاقات النصر والنجاح، وضيعوا مهمة الإسناد الحقيقي المتمثل في الحماية والمدافعة.
وإن الخشية ونحن نستحضر هذا الحدث من سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم ومسيرة الرسالة، وما نستقي منها من عبر ودروس تبقى قائمة من أن يخلي الجميع مواقع الرمي ووظيفة الرماة، وهي محاضن التربية ومنابر الدعوة وفضاءات الفكر والثقافة من دعوتهم، ويهرعون جميعا إلى العمل المباشر الذي انبسطت فرصه.
(*) رئيس حركة التوحيد والإصلاح بالمغرب
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل