; الإسلاميون وقضية فلسطين | مجلة المجتمع

العنوان الإسلاميون وقضية فلسطين

الكاتب أبو خالد

تاريخ النشر الثلاثاء 31-أغسطس-1982

مشاهدات 68

نشر في العدد 585

نشر في الصفحة 21

الثلاثاء 31-أغسطس-1982

منذ أن بدأ الفلسطينيون يتململون لإزاحة الكابوس الاستعماري الإنجليزي والتصدي للغزو الصهيوني لبلادهم والإسلاميون من داخل فلسطين وخارجها يشاركونهم بل يقودونهم أحيانًا من أجل التخلص من الإنجليز واليهود معًا.

فمنذ أن بدأت الانتفاضات في فلسطين أخذ الإسلاميون في سوريا ومصر يمدونهم بالمال والسلاح ويقومون بتدريبهم بل انخرط كثير من الشباب الإسلامي في صفوف المجاهدين منذ البداية وخاصة في مناطق الشمال ولا يزال أهل فلسطين يحمدون للداعية الإسلامي سعيد رمضان مواقفه الكريمة وأثره البالغ في توجيه شباب فلسطين وجهة صالحة وينكرون بالفخار والإكبار جهود الأساتذة «عبد الرحمن الساعاتي» و «عبد المعز عبد الستار» و «وعبد العزيز أحمد». 

وما من شك أن أول ثورة فلسطينية منظمة قامت على أساس العقيدة قادها الشهيد المجاهد الشيخ «عز الدين القسام» وهو سوري وكان يساعده أخ من مصر وآخر من تركيا يدرب رجاله جمعتهم جميعًا عقيدة الإسلام التي ألفت بين قلوبهم رغم اختلاف ألسنتهم وألوانهم فجعلتهم بنعمة الله إخوانًا.

وحين تحولت الفرق الكشفية الفلسطينية إلى «ميلشيات» عسكرية وبدأت تمارس نشاطها الثوري ضد المستعمرين الإنجليز والغزاة اليهود استطاع المكر اليهودي والحقد الصليبي أن ينشب الخلاف بينهم أو بالأحرى بين قادتهم وهنا فطن الإسلاميون للخطر الكبير الذي ينطوي عليه هذا الخلاف فقاموا بمحاولات كثيرة للتوفيق بين وجهات النظر المتعارضة انتهت باختيار المجاهد الكبير «الصاغ محمود لبيب» وكيل الإخوان المسلمين حينئذ للشؤون العسكرية منظمًا لهذه «الميليشيات» فتوجه من مصر إلى فلسطين وأخذ يباشر تنفيذ برنامجه الحافل الذي أعده لتدريبها وتنظيمها ولكن لم تمض إلا فترة حتى فطنت حكومة الانتداب البريطاني إلى هذه المحاولة وفهمت أن الحركة الإسلامية في سبيلها إلى قيادة الثورة فقاموا بمطاردة دعاة الإخوان وشبابهم وأمر «الصاغ محمود لبيب» بمغادرة البلاد.

ومن المعروف أن «الحاج أمين الحسيني» مفتي فلسطين هو الذي قاد ثورات فلسطين بعد «الشيخ عزالدين القسام» وكان تعاونه مع الإخوان المسلمين في مصر واضحًا فقد أرسلت «الهيئة العربية العليا» بفلسطين التي كان يرأسها الحاج أمين عشرة آلاف نسخة من كتيب «النار والدمار في فلسطين» وهذا الكتيب المزود بالأسماء والصور فضح أساليب الإنجليز الهمجية والبربرية في التنكيل بمجاهدي شعب فلسطين وقد قام الشباب الإسلامي بتوزيع هذه الكتيبات في أرجاء مصر واعتقل على إثرها مرشد «جماعة الإخوان المسلمين» في مصر الشهيد «حسن البنا» ولكن السلطات المصرية- وقد كانت تأتمر بأمر الإنجليز- سرعان ما أفرجت عنه لما قد يتمخض عنه اعتقاله من نتائج عكسية فيما لو حوكم وجعل من منبر المحكمة وسيلة لطرح أفكاره التي سرعان ما كانت الصحف تتلقفها بمندوبيها المرابطين في المحاكم لمثل هذه المحاكمات السياسية.

ويكفي الإسلاميين في مصر شرفًا أنهم استطاعوا أن يعيدوا لمصر وجهها العربي الإسلامي بعد أن كاد يختفي بفعل الإنجليز وأعوانهم الصليبيين والمأجورين الذين استطاعوا أن يجعلوا المصري المثقف حين تطلب منه مساعدة لمجاهدي فلسطين يتساءل: وأين تقع فلسطين هذه أهي في أوروبا؟ كما استطاعوا أن يجعلوا رئيس وزراء مصر حين يسأله أحد الصحفيين: ماذا أعددتم لقضية فلسطين؟ فيجيب أنا رئيس وزراء مصر ولست رئيس وزراء فلسطين.. ومعنى هذا أن مصر حكومة وشعبًا صاروا معزولين عزلة تامة عن الأمة العربية والإسلامية وأخطر ما في هذه العزلة أنهم عزلوا قلبًا وشعورًا وعاطفة.

ولكن الإخوان المسلمين في مصر وبجهود مضنية متواصلة مكثفة استمرت أكثر من خمس سنوات متوالية استطاعوا أن يفسدوا على الإنجليز خطتهم وأن ينسفوا الجدار الشاهق السميك الذي شيده الإنجليز لفصل مصر عن بقية الأمة العربية والإسلامية وحققوا في النهاية المعجزة حين وصلوا قلوب شعب مصر بقلوب إخوان لهم عرب ومسلمين في فلسطين حتى غدت قضية فلسطين قضية عامة في مصر يتألم قلب المصري لها ويكره الإنجليز من أجلها.

وبعد أن استطاع الإخوان المسلمون تأمين «الوضع الداخلي» لصالح القضية الفلسطينية دعوا إلى أول مؤتمر عربي من أجل فلسطين حيث انعقد في دار المركز العام للإخوان المسلمين في العتبة بالقاهرة وحضره عدد من رجالات العرب وكان منهم فارس الخوري المناضل العربي المعروف الذي لم تسلخه ديانته النصرانية من أمته العربية ذات التراث الإسلامي العريق.

ثم دعا الإسلاميون في مصر إلى أول مؤتمر عالمي من أجل فلسطين عقد بسراي آل لطف الله بالقاهرة. 

ولم يقتصر عمل الإسلاميين في مصر على النشاط السياسي والإعلامي من أجل القضية الفلسطينية بل إن تراب فلسطين الذي تروى بدمائهم التي امتزجت بدماء شعب فلسطين يشهد لهم ببطولاتهم الخارقة التي أرهبت الصهاينة وشلت حركتهم فبعد أن أنشأوا معسكر «الهاكستيب» في مصر لتدريب شبابهم انطلق هذا الشباب المؤمن إلى فلسطين بقيادة القائم مقام أركان حرب أحمد عبد العزيز الذي امتاز بجرأة خارقة لا يحصل عليها إلا من ثبت الله قلبه بالإيمان فكان يقاتل الصهاينة واقفًا ويقول: ﴿قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ (سورة التوبة: 51)، لقد أذاق المستعمرات اليهودية في «النقب» بفلسطين الموت والدمار ثم انطلق بقواته التي انضم إليها عدد كبير من مجاهدي شعب فلسطين حتى وصل إلى بئر السبع ثم الخليل وبيت لحم جنوب القدس وظل محافظا عليهما حتى استلمها الجيش الأردني منه.

ويعرف المثقفون من أبناء قطاع غزة وخاصة المخضرمين منهم أن «حركة المقاومة الشعبية» التي نشأت في القطاع بعد العدوان الثلاثي عام 1956م كانت بقيادة الإسلاميين من أبناء القطاع كما أنه أصبح من نافلة القول أن نؤكد أن قيادة «حركة التحرير الوطني الفلسطيني- فتح» خرجت في مجملها من جلباب الإخوان المسلمين ولسنا هنا في مجال تعداد الظروف والعوامل التي جعلت هذه الحركة تبتعد جزئيًا وربما مؤقتًا عن الخط الإسلامي الواضح. 

إن المحاولات المستميتة لإبعاد الإسلاميين عن قضية فلسطين هي جزء لا يتجزأ من محاولات إبعاد المسلمين عامة عن قضيتهم في فلسطين بل من محاولات إفراغ الإسلام من مضمونه الثوري الجهادي الذي أمر به رب العالمين، وإذا كانت هذه المحاولات قد نجحت كليًا أو جزئيًا فلا يعني أن هذا النجاح سرمدي إلى يوم القيامة ونحن إذا كنا نستعرض جزءًا من تاريخنا المعاصر فحتى نأخذ العبر ونتزود بالمعرفة في صراعنا المرير ضد الباطل وما أشبه الليلة بالبارحة وما أكثر أحداث التاريخ المتشابه.. ضرب الملك فاروق الإسلاميين في مصر عام 1948م فضاعت فلسطين وبقي منها قطاع غزة والضفة الغربية وضرب عبد الناصر الإسلاميين في مصر قبل العدوان الثلاثي 1956م فضاع قطاع غزة وسيناء ثم عادا إلى حين ثم ضرب عبد الناصر الإسلاميين في مصر عام 1965م فضاعت سيناء والضفة والقطاع والجولان بعد عامين واليوم وبعد ضرب الإسلاميون في سوريا ضاعت لبنان وشتتت المقاومة الفلسطينية في شرق الوطن العربي وغربه فهل يعي العرب والمسلمون هذه الحقائق؟ وهل يدركها أولًا وقبل كل شيء الفلسطينيون؟ وهل استطاع السادات أن يعقد صلحًا مع اليهود إلا بعد أن ضرب الإسلاميون في مصر؟ ثم من هو الشهيد خالد الإسلامبولي ورفاقه الذين نفذوا حكم الله في السادات، أليسوا من الإسلاميين؟ وآخر مظاهرة خرجت من مصر انتصارًا للفلسطينيين واللبنانيين ألم تخرج من الجامع الأزهر؟ وفي الكويت.. أليس الإسلاميون هم الذين أقاموا أول مهرجان لنصرة شعب فلسطين ولبنان المسلم ماديًا ومعنويًا وشاركوا بكثافة في أكبر مسيرة عرفتها الكويت من أجل فلسطين ولبنان؟ مجرد تساؤلات لها مدلولات ويبقى السؤال الكبير متى يقود الإسلاميون حركة تحرير فلسطين؟

الرابط المختصر :