العنوان الإسلاميون ومراكز البحث الأمريكية
الكاتب د. محمود المنير
تاريخ النشر السبت 01-أبريل-2017
مشاهدات 74
نشر في العدد 2106
نشر في الصفحة 68
السبت 01-أبريل-2017
دراسة في أزمة النموذج المعرفي
حالة معهد واشنطن ومعهد كارينجي
مراكز الأبحاث الأمريكية تؤدي دوراً مهماً في تقديم مادة موجهة لصنَّاع القرار السياسي
معهد واشنطن
- حرص على خلق تيارات رأي مضادة للإسلاميين عبر آليات التسويق الإعلامي الذكي
- لا يرى حرجاً في استمرار دعم الأنظمة الاستبدادية بالعالم العربي من أجل حماية المصالح الأمريكية
مركز كارينجي
- يرى ضرورة تعزيز الأحزاب العلمانية من أجل تحقيق التحول الديمقراطي في العالم العربي
- بعد أحداث 3 يوليو 2013م بمصر جمَّد مواكبته البحثية لقضايا الإسلاميين وتوجه إلى سورية
عرض: محمود المنير
بيانات الكتاب: اسم الكتاب: الإسلاميون ومراكز البحث الأمريكية (دراسة في أزمة النموذج المعرفي) حالة معهد واشنطن ومعهد كارينجي.
المؤلف: بلال التليدي.
الناشر: مركز نماء للبحوث والدراسات.
الطبعة: الأولى، بيروت، 2014م.
عدد صفحات الكتاب: 378 من القطع
تمارس مراكز الأبحاث في الغرب دوراً مهماً؛ حيث تقوم العديد منها بمهمة الرصد والتحليل والاستشراف للظاهرة الحركية الإسلامية، وتنتج عدداً كبيراً من الدراسات والأبحاث والأوراق المتخصصة، وغالباً تكون مخرجاتها مادة موجهة لصناع القرار السياسي، وترسم أشكال التعاطي مع تيارات الحركة الإسلامية في سياقاتها المختلفة، وتقدر المواقف المختلفة بحسب السيناريوهات المتوقعة.
ولا تكتفي هذه المراكز بنسج علاقات عضوية مع صناع القرار السياسي الدولي، بل تتعدى ذلك إلى توجيه الرأي العام المحلي والدولي، وخلق تيارات الرأي عبر آليات التسويق الإعلامي الذكي لمخرجاتها البحثية، بحيث يصير ضغطها الإعلامي في كثير من الأحيان، أو على الأقل التسويق الإعلامي لمخرجاتها، حائلاً دون وضع المتن التحليلي والاستشرافي لهذه المراكز في مشرحة النقد العلمي.
لماذا هذا الكتاب؟
لأن تغطية الظاهرة الإسلامية أصبحت في السنوات الأخيرة في القلب من اشتغال مراكز البحث ومخازن الأفكار في العالم، ولأن مراكز الأبحاث تقوم اليوم بصناعة رؤية خاصة حول الإسلاميين وتسويقها في الرأي العام العالمي وعند صنّاع القرار، ولأن مراكز البحث الأمريكية في رصدها ودراستها للإسلاميين هي الجهة الأكثر قرباً لصانع القرار الفاعل ومن وسائل الإعلام المؤثرة على مستوى العالم.
في هذا الكتاب، يقدم المؤلف بلال التليدي، الكاتب والباحث المغربي المتخصص في شؤون الحركات الإسلامية، أطروحة متميزة، يرصد فيها تغطيات مراكز البحث الأمريكية للإسلاميين وقضاياهم، ويذكر حججها التي تدعم هذه المقولات، ثم يبني نموذجاً معرفياً يمكن استخلاصه من ممارسة وتناول هذه المراكز البحثية، ومن خلال فهم هذا النموذج يمكننا أن نفهم على وجه الدقة كيف تنظر هذه المراكز للحركات الإسلامية؟ ولماذا تفكر فيها؟ وهل ثمة فروقات جوهرية بين هذه المراكز في طبيعة النموذج المعرفي الذي تقدمه من خلال رصدها للإسلاميين؟
ويقدّم هذا الكتاب للقارئ مادة وصفية كثيفة من أدبيات مراكز الأبحاث الأمريكية، يستطيع من خلالها أن يكوّن رؤية متكاملة عن أطروحات هذه المراكز ومقولاتها وحججها، وأن يتتبع مساراتها وتحولاتها بتناسب مع المتغيرات الإقليمية الضخمة التي رافقت ربيع الشعوب العربية وخريفها، وذلك حتى تستبين العلاقة بين حصول هذه المغيرات الإقليمية والتحولات التي طرأت على عناوين واهتمامات هذه المراكز البحثية في تعاطيها مع قضية الإسلاميين.
ويمد هذا الكتاب الباحثين المشتغلين في مقاربة الظاهرة الحركية ببعض الأسباب التي تعينهم على التعامل النقدي مع مراكز الأبحاث الأمريكية، وعدم الاستغناء بها عن بذل الجهد الذاتي في الفهم المستقل للظاهرة الحركية في جميع مساراتها وتحولاتها، كما تساعد على التمييز في تعاطيهم مع مخرجات هذه المراكز البحثية بين الجانب المنهجي الإجرائي الذي يتطلب الأمر الاستفادة منه مع استحضار خلفياته المعرفية والأيديولوجية، وبين الجانب المعلوماتي والتحليلي الذي يفترض أن يكون الباحث العربي أولى به من غيره، بسبب المؤهلات اللغوية والمعرفية التي لا يقاسمه الباحث الغربي جزءاً كبيراً منها، لا سيما ما يتعلق بدراسة الحركات الإسلامية في العالم العربي.
محتويات الكتاب:
قسّم المؤلف الكتاب إلى ثلاثة فصول أساسية، يختص الفصل الأول بالإطار الوصفي الذي يعرض بشكل مفصل أدبيات معهد واشنطن، ومعهد كارينجي، وكيف شكّل تعاطيهما مع الإسلاميين في المراحل الزمنية الثلاث، ويتناول الفصل الثاني توجهات هذين المركزين ومقولاتهما وحججهما والمسارات التي عرفها شكل تعاطيهما مع الإسلاميين، قبل «الربيع العربي» وأثناءه، وبعد خريف الديمقراطية، فيما يخصص المؤلف الفصل الثالث لمحاولة الاجتهاد في الوصول إلى المحددات التي تفسر هذه التحولات، وممارسة النقد على الخلفية المعرفية والنظرية والمنهجية التي حكمت تعاطي هذه المراكز مع قضايا الإسلاميين، وذلك بالتوقف عند أزمة النموذج المعرفي.
نماذج من توجهات معهد واشنطن:
في الفصل الثاني من الكتاب تعامل المؤلف مع الحصيلة الوصفية التي سجلها في الفصل الأول بطريقتين؛ تهتم الأولى برصد التوجهات والمقولات، بينما تهتم الثانية بدراسة المسار والتحولات، وفي هذا المبحث ركز على التوجه الإستراتيجي الناظم لرؤية معهد واشنطن للتعاطي مع الإسلاميين، وأهم المقولات التي يعتمدها، والحجج التي يتم الاستناد إليها في التأسيس لهذه المقولات.
ويؤكد المؤلف أن أول ما يلفت النظر في رؤية معهد واشنطن في التعاطي مع الإسلاميين أنها تضع في قلب العملية البحثية مصالح الولايات المتحدة الأمريكية في الاعتبار الأول؛ بحيث يأتي تناول الإسلاميين كفرع عن العنوان الكبير، مثله في ذلك مثل قضية الديمقراطية في العالم العربي التي واكبها معهد واشنطن بالتنظير منذ إطلاق إدارة «بوش» مبادرة دعم الديمقراطية بالعالم العربي عام 2003م.
وهكذا تنطلق رؤية معهد واشنطن من تصور خاص للمصلحة الأمريكية في المنطقة العربية، لا يرى حرجاً في انتقاد السياسات الأمريكية التقليدية التي كانت تراهن على أولوية الاستقرار على ما سواها من الأولويات حتى لو اقتضى الأمر الاستمرار في دعم الأنظمة الاستبدادية في العالم العربي، ويطرح المعهد عنواناً بارزاً لما يمكن أن نسميه ديمقراطية الاستثناء أو ديمقراطية التمييز، التي تعني عند معهد واشنطن المضي في مسارين متوازيين؛ الديمقراطية، ومحاربة الإسلاميين.
وهو مفهوم يتأسس لدى المعهد على فكرة جوهرية هي أن الإسلاميين يمثلون خطراً على الديمقراطية، ويشكلون أكبر تحدّ يواجه الولايات المتحدة الأمريكية، وأن فكرة التمييز بين المعتدلين والراديكاليين مجرد خرافة، وأن فتح المجال لمعتدلين للاندماج في العملية السياسية بحجة إمكان ممارسة دور في اعتدال الراديكاليين هي فكرة لا يدعمها أي دليل، وأن مسألة مراجعات الإسلاميين ونبذهم للعنف ليست تعبيراً عن قناعات مبدئية، وإنما هي مجرد تكتيكات. (يراجع مقالة «سياسة الولايات المتحدة تجاه الإسلاميين: الاحتواء مقابل الإقصاء»، ومقالة «معضلة الديمقراطية في الشرق الأوسط: هل الإسلاميون هم الحل؟»).
ويقول المؤلف: إنه على مدار أكثر من عقد من الزمن، يستمر معهد واشنطن في تبني نفس المقولات التي تخص الطعن في صدق التوجه الديمقراطي لدى الإسلاميين، وفي موقفهم من العنف، مع تأكيد خطورة وصول الإسلاميين على القيم الديمقراطية.
ويرصد التليدي ثماني عشرة مقولة مسنودة بأدلتها وحججها من وجهة نظر معهد واشنطن ضد الإسلاميين، أبرزها:
- الإسلاميون يمثلون أكبر تحدّ يواجه الولايات المتحدة الأمريكية.
- الإسلاميون ضد الديمقراطية وهم خطر عليها.
- عدم القدرة على هزم زحف الإسلاميين لا يوفر أي فرصة لتعزيز الديمقراطية.
- فكرة مشاركة الإسلاميين في العملية السياسية تدفعهم إلى الاعتدال، لا حجة عليها.
- معايير القبول بالمشاركة السياسية ينبغي ألا تقتصر فقط على نبذ العنف.
- رفض العنف والدخول في العملية السياسية ليس مؤشراً على قبول الإسلاميين للديمقراطية.
- لا منظمة إسلامية يمكن أن تكون حارسة البوابة للبيت الأبيض أو الخارجية الأمريكية.
- المصالح الأمريكية أولاً حين تكون نتائج الديمقراطية غير مأمونة.
- السكوت عن إجهاض العملية الديمقراطية، وعدم فعل أي شيء للديمقراطية يكون أفضل إذا كان الثمن هو إسقاط الإسلاميين وحفظ المصالح الأمريكية.
نماذج من توجهات معهد كارينجي:
يرى التليدي أنه من الواضح أن هناك خلافاً جوهرياً بين معهد واشنطن، ومعهد كارينجي في التعاطي مع الإسلامين، يظهر في التوجهات، ويبرز بشكل أكبر في المقولات المتناقضة، وفي الحجج التي تستعمل لدعم كل مقولة على حدة، لكن مع تسجيل درجة كبيرة من الحدة في الاختلاف بين الأطروحتين، فإن المنطلقات التي ترتكز عليها كل أطروحة لا تبتعد كثيراً عن أختها، إذاً المشكلة في جوهرها ليست في تأكيد اعتدال الإسلاميين، أو ميلهم إلى تبني العنف، ولا في التزامهم بالديمقراطية، أو في استغلالهم للفرص التي تتيحها للهيمنة على الدولة أو أسلمة الدولة، ولا حتى في تعليل خطورتهم على المسار الديمقراطي، أو تأكيد مساهمتهم في تقوية العملية الديمقراطية وتوسيع دائرة الاعتدال، وإنما المشكلة في جوهرها في تقدير المصلحة القومية الأمريكية في مبادرة الديمقراطية، وأفضل المعادلات لتأمينها، وهل يتأتى ذلك عبر مدخل الاستقرار والاستمرار في دعم الأنظمة، أو عبر مدخل الديمقراطية من غير تخوف من أخطارها، أو عبر نوع من الديمقراطية لا تتسع لمشاركة الإسلاميين.
في أطروحة كارينجي هناك محاولة لخطّ طريق آخر، غير الخط الذي اختاره معهد واشنطن، خط يعتمد بالأساس مواكبة مبادرة الولايات المتحدة لدعم الديمقراطية في العالم العربي منذ 11 سبتمبر 2001م، ومحاولة تقييمها وترشيدها - وفقاً للتليدي - والـتأسيس لتصور مكتمل لفكرة التغيير السياسي الذي من شأنه أن يضمن بشكل أفضل تأمين المصالح الأمريكية في المنطقة؛ أي أن معهد كارينجي مثله في ذلك مثل معهد واشنطن، لا يتناول قضية الديمقراطية في العالم العربي كمسار منفصل عن المصالح الأمريكية في المنطقة، وإنما ينشغل بقضايا الديمقراطية من زاوية إستراتيجية، تتربع على رأسها الرؤية الأمريكية.
ووفقاً للتليدي، فإن الاختلاف بين مركز كارينجي، ومعهد واشنطن يكمن في أن المواكبة البحثية لمعهد كارينجي انفتحت على أكثر من أسلوب في التعامل مع المسألة الإسلامية، بما في ذلك اللقاء المباشر مع قيادات الحركات الإسلامية المعتدلة، وأحياناً التحول لممارسة دور الوسيط بين الغرب والإسلاميين، في حين بقيت المواكبة البحثية لمعهد واشنطن منحصرة في نظرات باحثيها، وأحياناً تخميناتهم ورؤاهم الجاهزة عن الإسلاميين.
واستعرض التليدي من خلال الرصد والتتبع الوصفي لإنتاج مركز كارينجي البحثي أبرز المقولات والحجج التي أسس عليها رؤيته للتعامل مع الإسلاميين، وهي كالاتي:
- لا تناقض بين الإسلام والديمقراطية، وهما من حيث المبدأ متناغمان.
- ضرورة التمييز بين الحركات الإسلامية المعتدلة، والحركات الإسلامية الراديكالية.
- الإسلاميون ليسوا كياناً واحداً، بل إنهم متعددون، وتعددهم مفيد لاقترابهم من الديمقراطية.
- الإسلاميون المعتدلون مفتاح التحول الديمقراطي في العالم العربي.
- تعزيز الأحزاب العلمانية ضروري من أجل تحقيق التحول الديمقراطي.
- مشاركة الإسلاميين في العملية السياسية تدفعهم إلى الاعتدال وإحداث تحولات نوعية تقربهم من الديمقراطية.
وفي المبحث الثالث من الفصل الثاني تحدث المؤلف عن المراكز البحثية الأمريكية: المسارات والتحولات، وحدد ثلاث مراحل أساسية أطّرت اهتمام كل من معهد واشنطن، ومركز كارينجي في تعاطيهما مع الإسلاميين، وهي:
1- الجدل النظري حول الإسلاميين ومواقفهم من الديمقراطية.
2- مرحلة التتبع الرصدي لسلوك الإسلاميين لإسناد الأطروحة.
3- تخفيف المواكبة البحثية والانعطاف إلى اهتمامات أخرى.
وفي هذه المرحلة الأخيرة التي تزامنت مع مرحلة الانقلاب على الشرعية في مصر، وعزل الرئيس المنتَخب محمد مرسي، اختار معهد واشنطن في هذه المرحلة أن يوصي الإدارة الأمريكية بعدم فعل أي شيء، والاكتفاء بتقديم إعلان المبادئ الذي يركز على ضرورة الحفاظ على المصالح الأمريكية في المنطقة، ويربط المساعدات الأمريكية إلى مصر بتحقيق هذا الهدف، إذ سجل معهد واشنطن ارتياحه من الغمة التي انتهت بسقوط الإسلاميين من تجربة الحكم وبداية أفول نجمهم فيما يعرف بخريف الإسلاميين.
أما معهد كارينجي، فقد جمّد مواكبته البحثية، وتوجهت بوصلته إلى سورية، فيما استأثر اهتمامه في هذه المرحلة بقضايا أخرى بعيداً عن متابعة سلوك الإسلاميين، وعن الاستمرار في الانخراط في مسار التأصيل لفكرة دور الإسلاميين في ترقية الديمقراطية في العالم العربي.
فيما توجهت الرهانات البحثية الأخرى إلى الدور الروسي والملف النووي الإيراني، وغيرها من الاهتمامات التي كانت ضامرة في السابق.>لكبير.