; الإسلام اليوم بين الأخذ والرد | مجلة المجتمع

العنوان الإسلام اليوم بين الأخذ والرد

الكاتب محمد عبد الله السمان

تاريخ النشر الثلاثاء 29-نوفمبر-1983

مشاهدات 53

نشر في العدد 647

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 29-نوفمبر-1983

 

الإسلام يعاني من بعض المحسوبين عليه أكثر مما يعانيه من خصومه.

للأنظمة الجاهلية مصلحة في ألا تقوم للإسلام قائمة لأنه يخفيها من الوجود.

بعض الجمعيات وبعض علماء الدين عوامل معوقة لمسيرة الإسلام.

عندما يقدر لنا أن نكون صرحاء مع أنفسنا أولًا، وصرحاء في مواجهة غيرنا ثانيًا، نكون قد وضعنا أقدامنا على بداية الطريق المستقيم الذي لا عوج فيه ولا أمتًا. ومتى وضعنا أقدامنا على أول هذا الطريق المستقيم، سهل علينا أن نفكر في روية متجردين من هوى النفس، غير هيابين ضغوط غيرنا، لأننا عندئذ نكون قد أسلمنا وجوهنا إلى الله، وأحسنَّا المسار إلى هذا الطريق، صراط الله العزيز الحميد: ﴿وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ ۗ وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ (لقمان: 22).

ولكن لماذا نواجه أنفسنا؟

والكلام هنا بادئ ذي بدء ليس موجهًا إلى عامة المسلمين، لأن عامة المسلمين اليوم وفي سائر ديار المسلمين، يعيشون -مع كثير من التواضع في هذا التعبير- على هامش الإسلام، مع أننا لو تحرينا الدقة والحقيقة معًا، لقلنا إن هؤلاء العامة يعيشون اليوم في معزل مادي أو معنوي عن الإسلام. وأعني بالانعزالية المادية انصراف الكثرة من هؤلاء العامة عن الإسلام عن عمد أو لا مبالاة، لا هم يحسون به ولا هو يحس بهم. والذين يتعمدون إعطاء الإسلام ظهورهم هم الذين تضيق صدورهم بالإسلام -بالرغم من أنهم محسوبون على الإسلام في التعداد العام أو الخاص- لأن الإسلام الحق، الذي رضيه الله لعباده دينًا، يشكل خطورة على جاههم وشهواتهم. والذين لا يبالون الإسلام، رضوا لأنفسهم أن يكونوا والسوائم سواء، لا همَّ لها إلا أن تأكل وتتمتع. وأعني بالانعزالية المعنوية انصراف البقية الباقية من العامة عن الإسلام، الإسلام الحق الذي رضيه الله لعباده دينًا، لا عن عمد أو مكابرة، بل عن سلبية وجهالة، لأنهم يعيشون الإسلام «الشكل» لا الإسلام «الجوهر»، توهموا أن الإسلام مجرد طقوس وعبادات، وتجاهلوا أن العبادات في الإسلام لا تقف عند حدود أداء الصلاة والزكاة والصوم، ثم الحج لمن استطاع إليه سبيلًا، بل إن لها مفهومًا أوسع، بحيث تستوعب كيان المسلم لبنة في بناء المجتمع المسلم، وتستوعب كيان الإسلام بأسرِه كدين له رسالة كبرى في هذه الحياة.

إن هذه العبادات في الإسلام هي بمثابة مرحلة تأهيلية للمسلم، تؤهله إلى الإيمان الذي هو القاعدة الأساسية للانطلاق نحو حياة صحيحة، لذلك نرى القرآن الكريم يوجه الدعوة إلى المؤمنين -لا إلى المسلمين- لتحقيق هذه الحياة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ۖ﴾ (الأنفال: 24).

إذًا فنحن لا نقصد بهذا الكلام هؤلاء العامة الذين يشكلون الغالبية العظمي والكثرة الساحقة من تعداد الأمة الإسلامية، وهذه حالهم كما ذكرنا، وإنما نقصد الخاصة الذين يحسون بالإسلام إحساسًا خالصًا صادقًا، بل إن الإسلام يمتزج بكل أحاسيسهم ومشاعرهم، فالإسلام همهم وشاغلهم ومركز الثقل في تفكيرهم، إنهم يحسون بالإسلام، وهو يعاني الأمرين من أتباعه أكثر مما يعاني من أعدائه، ومن المثرثرين به أشد من المتطاولين عليه، وهم يحسون بالإسلام دينًا معطلًا عن أداء رسالته، لأن شعوبه فقدت القدرة على مناصرته والقوة على الدفاع عنه، ولأن بعض الأنظمة هي التي كبلت الإسلام بالأغلال وسدت في وجهه كل السبل، وهي التي كانت -ولا تزال- أداة القوى المعادية للإسلام في التصدي لكل حركة إسلامية تحاول أن يسترد الإسلام اعتباره، وتحول الحياة الجاهلية إلى حياة إسلامية مثلى، وهؤلاء الخاصة الذين نقصدهم يحسون بالشعوب المسلمة الضائعة في متاهات تلك الأنظمة العميلة، وبقضاياها المزمنة التي استوت على سوق المهانة والتهاون واللامبالاة والإهمال، قضاتها هم الجناة أنفسهم، وممثلو الاتهام وممثلو الدفاع سواء، أما المجني عليهم وهم الشعوب المسلمة، فإنهم خارج الدائرة، وليسوا حتى على هامش الموضوع!

ولنعد من حيث بدأنا: قلت إن المقصود بالكلام الخاصة من المسلمين الذين لا يقفون عند حدود الإحساس بقضايا الإسلام وشعوبه، بل يعملون بإخلاص وتفانٍ لتنمية هذا الإحساس، الإيمان عندهم ليس بالتمني، ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل، وهؤلاء الخاصة تمثلهم اليوم الحركات الإسلامية الجادة، ورواد هذه الحركات الإسلامية في كل مكان هم الشباب المسلم الجاد الذي وهب للإسلام وقضاياه كل وجوده، ولجديته وإصراره على أن يهب نفسه وما يملك للإسلام، يحارب في كل مكان أيضًا، تحاربه بعض الأنظمة وهي أنظمة عميلة لحساب ذواتها ولحساب سادتها معًا، لا بمجرد توجيهات من السادة إلى العبيد، بل بأوامر لا تقبل المناقشة، إذ ليس من حق العبيد أن يناقشوا سادتهم، إن عليهم السمع والطاعة بلا أدنى تفكير، أضف إلى ذلك أن للأنظمة الجاهلية مصلحة في ألا تقوم للإسلام قائمة؛ لأنه متى قامت له قائمة اختفت هي من الوجود بطبيعتها. ليس معنى هذا أن الإسلام ضد أنظمة الحكم، ولا يمكن كذلك لأن ذلك ضد طبائع الأمور المنظمة لحياة الناس، وإلا كان الإسلام دعوة إلى الفوضى.

ولعله مما يعيه كل مسلم، أنه قبل أن واري التراب رسول الله صلوات الله وسلامه عليه كان المسلمون مشغولين بترتيب نظام الحكم، لم تثر في عهده -عليه السلام- هذه المسألة، مسألة الحكومة التي تحكم لأن وجوده كان يغني عنها، و كان عهده بداية التأسيس للدولة الإسلامية، وعلى صلة دائمة بوحي السماء، ومهمة الحكومة الأساسية تدبير الأمور، ومتى انقطع وحي السماء أصبح وجود حكومة تنظم أمور المسلمين ضرورة الضروريات لقيام دولة توافر لها سائر أركانها: العقيدة، والأرض، والشعب، والنظام... ولكن الإسلام ضد أنظمة الجاهلية التي لا تدين بأي ولاء للإسلام لأن ولاءها كله للجاهلية، فالإسلام والجاهلية محال أن يلتقيا إلا في صراع ونزال.

ومن خلال هذا العرض الموجز، يتأكد لدينا أن وضع الإسلام الراهن نظامًا وعقيدة وشعوبًا يفرض على هؤلاء الخاصة من المسلمين الذين تعنيهم بهذا الكلام، أن يتحولوا إلى حركات إسلامية جادة بناءة ذات خطة ومنهاج، وعلى دراية كاملة وعلم تام بما يُدبَّر للإسلام في الظلام، وما يخطط له في وضح النهار. بل يفرض على هؤلاء الخاصة أن يكونوا صرحاء مع أنفسهم أولًا، فيدركون هذه الحقائق المريرة كل الإدراك ويعونها كل الوعي، ثم صرحاء في مواجهة الغير، سواء أكان هذا الغير ممثلًا للقوى المعادية للإسلام في الداخل والخارج، أم ممثلًا للقوى المعوقة لمسار الحركات الإسلامية الجادة بسلبياتها أو إيجابياتها متى كانت لحساب المخططات المعادية، بقصد أو بغير قصد.

ويجب أن يكون واضحًا جليًّا أن القوى المعوقة ممثلة في دائرتين:

الدائرة الأولى: تستوعب مئات الجمعيات والهيئات في أرجاء العالم الإسلامي، والتي تنتسب إلى الإسلام بحكم اللافتات والشعارات التي ترفعها ولا أكثر من ذلك، وهذه الجمعيات أو الهيئات تنقسم -دون تخطيط أو حرص منها- إلى نوعيتين: النوعية الأولى: تعمل مبتدئة من فراغ، ودائرة في فراغ، ومنتهية إلى فراغ، حسبها أن تكون شيئًا، ولا يهمها قيمة هذا الشيء ما دامت تملك حيزًا من الفراغ، وما دامت تستوعب أعدادًا من المسلمين تحس بنفس الفراغ في حياتها، ونحن نسقط -مضطرين- من الحساب. تلك الطرق الصوفية التي تستوعب الملايين من البشر المحسوبة على الإسلام بحكم شهادات الميلاد، صحيح أن بعض هذه الطرق الصوفية تمثل أخطر مراكز التعويق، وهي أدوات في أيدي الأنظمة الجاهلية تؤدي لها أجل الخدمات في تخدير السذج من المسلمين، وصرفهم عن مهام الإسلام، وفي مقدمتها: التصدي لحكم الجاهلية، ولكن هذه الطرق الصوفية منظور إليها نظرة مِلؤها الاستخفاف واللامبالاة. أما النوعية الثانية من الجمعيات والهيئات، فهي التي تدور في فلك الأنظمة قد تبدو بعيدًا عن مواقعها أنها مستقلة تصدر عن عقيدة وإيمان برسالتها، بينما هي في الواقع جزء لا يتجزأ من الأنظمة. ولا يؤسفنا أن نقرر -ما دام هذا هو الحق- أن تلك النوعيتين لا هم لهما إلا أن تعيشا، ولا يهمها ماذا تعملان، ثم ما قيمة هذا العمل. وأخطر ما في الهيئات الكبرى منها، أنها اليوم تستوعب عددًا لا بأس به من أتباع الماسونية ومشتقاتها، وعملاء المخابرات المركزية الأمريكية، والشيء من معدنه لا يستغرب ما دامت الأنظمة الممولة لها لم تبرأ من هذا الداء أو ذاك.

والدائرة الثانية: دائرة علماء الدين -أو بمعنى أدق- الغالبية من علماء الدين. هذه الغالبية اليوم تتمثل كذلك في نوعيتين: الأولى، سلبية تدع ما لقيصر لقيصر، وما لله لله. والأخرى إيجابية، ولكنها ليست إلى جانب الإسلام، وإنما إلى جانب السلطة، فالذين يعارضون أساليب الجاهلية التي تمارسها السلطات باسم الإسلام متطرفون في نظر هؤلاء العلماء والإسلام يبرأ منهم، وما دام القرآن حمال أوجه -كما يقول الإمام علي رضي الله عنه- فإن لهم متسعًا في أن يحولوا الحق الصراح إلى باطل، والباطل الصراح إلى حق. 

وبعد.. فهذه مجرد معالم على طريق البحث، وللبحث صلة إن شاء الله تعالى.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 719

66

الثلاثاء 28-مايو-1985

رمضان منهج في التغيير