; رمضان منهج في التغيير | مجلة المجتمع

العنوان رمضان منهج في التغيير

الكاتب د. جاسم المهلهل آل ياسين

تاريخ النشر الثلاثاء 28-مايو-1985

مشاهدات 66

نشر في العدد 719

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 28-مايو-1985

إن العبادات في الإسلام مدارس للدعاة في حياتهم وتعاملهم وحركتهم، فالدعوة إلى الله ربانية في غاياتها وأهدافها ووسائلها ومناهجها، فالدعوة من الله والمنهج من الله.. وعلى ذلك كان على الدعاة أن يكثروا من النظر والتأمل في كتاب الله وسنة رسوله- صلى الله تعالى عليه وسلم- لتتفتح لهم أبواب الفهم والفقه في دين الله تعالى فيسيرون على نور وبصيرة من أمرهم، فيقيهم الله شر السقوط في أوحال الانحراف العقائدي والسلوكي ويوفقهم للأخذ بطريق الله القويم ﴿وَأَنَّ هَٰذَا صِرَٰطِي مُسۡتَقِيمٗا فَٱتَّبِعُوهُۖ وَلَا تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمۡ عَن سَبِيلِهِۦۚ ذَٰلِكُمۡ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ﴾ (الأنعام:١٥3)

وبمناسبة عيشنا في شهر رمضان الكريم فسيكون حديثنا عن منهج الدعوة من خلال هذه العبادة العظيمة، فشهر الصوم يمثل مدرسة حقيقية لمن أراد أن يتعلم ويستفيد ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكۡرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُۥ قَلۡبٌ أَوۡ أَلۡقَى ٱلسَّمۡعَ وَهُوَ شَهِيدٞ﴾ (سورة ق:٣7).

مدرسة التغيير لا الترقيع

لقد واجه الرسول القدوة- صلى الله عليه وسلم- الخط الفاصل في مسيرة الدعوة من أول يوم بدأ فيه بالجهر والصدع في دين الله.. فطواغيت البشر أرادوا له الترقيع ومنهج الله يأبى إلا التغيير، فطلبوا منه أن يعلنها عربية فيجتمع له العرب ضد العجم، أو أن يعلنها اجتماعية فيلتف حوله المصلحون الاجتماعيون، أو أن يعلنها ثورية فيتهافت إليه العبيد والمستضعفون، ولكنه- صلى الله عليه وسلم- أبي إلا أن يعلنها نقية طاهرة لا لبس فيها ولا تدليس، بيضاء تسر الناظرين ربانية خالصة «ولا إله إلا الله محمد رسول الله» ثم بعد ذلك ﴿ فَمَن شَآءَ فَلۡيُؤۡمِن وَمَن شَآءَ فَلۡيَكۡفُرۡۚ﴾ (الكهف:29).

ومع أنه- صلى الله عليه وسلم- يعرف أن هذا الطريق سيجمع عليه طحالب وبراغيث البشر من عرب وعجم، ولكن هذا هو الطريق فهو طويل وشاق بعيد الثمار قليل الراحة كثير التكلفة، ولكن هذا هو الطريق، ولكونه هذا هو الطريق فسيكون حديثنا في مدرسة رمضان عن جانب التغيير فيها.

أ‌- التغيير في منهج البشر :

كانت البشرية قبل بعثة محمد- صلى الله عليه وسلم- تقع في ظلمات طغيان الكهنة والسدنة في الجزيرة العربية، والقساوسة والرهبان الذين يأكلون أموال الناس بالباطل في الدولة الرومانية، والتسلط البشري في المملكة الساسانية، فهي بالجملة تقع تحت توجيه البشر بشهواتهم وأهوائهم، حتى كان ذلك الشهر شهر رمضان حيث خروج محمد- صلى الله عليه وسلم- إلى غار حراء الذي كان فيه اللقاء العظيم الذي أكرم الله تعالى البشرية برسالته فكانت هذه الرسالة التي غيرت البشر من عبادة الناس إلى عبادة رب الناس، وفي المسند عن واثلة بن الأسقع عن النبي- صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «نزلت صحف إبراهيم في أول ليلة من شهر رمضان، وأنزلت التوراة لست مضين من رمضان وأنزل الإنجيل لثلاث عشرة من رمضان وأنزل القرآن لأربع وعشرين خلت من رمضان».

ب- التغيير في الطبيعة البشرية:

بات من المقرر أن طبائع البشر لا يمكن تغييرها إلا من خلال المنهج الديني الذي يتعامل مع الروح والنفس من الداخل، وشهر رمضان منهج في تغيير طبيعة النفس من جوانب عدة منها حب المال «لو كان لابن آدم واديان من ذهب لتمنى ثالثًا ولا يملأ جوفه إلا التراب».

كلا بل ﴿وَتُحِبُّونَ ٱلۡمَالَ حُبّٗا جَمّٗا﴾ (سورة الفجر:20) فأتى شهر رمضان بمدرسة جوده ليغير هذه الطبيعة من خلال توجيهات القدوة- صلى الله عليه وسلم وأعماله، ففي الصحيحين عن ابن عباس- رضي الله عنهما- قال «كان النبي- صلى الله عليه وسلم- أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان..» الحديث، وفي صحيح مسلم عن أنس- رضي الله عنه- قال: «ما سئل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- على الإسلام شيئًا إلا أعطاه فجاء رجل فأعطاه غنمًا بين جبلين، فرجع إلى قومه فقال: يا قوم أسلموا، فإن محمدًا يعطي عطاء من لا يخشى الفاقة. 

وأخرج البخاري- رحمه الله- عن حديث سهل بن سعد أن شملة أهديت للنبي- صلى الله عليه وسلم- فلبسها وهو محتاج إليها، فسأله إياها رجل فأعطاه إياها، فلامه الناس، وقالوا: كان محتاجًا إليها، وقد علمت أنه لا يرد سائلًا فقال: إنما سألتها لتكون كفني» فكانت كفنه.

جـ- التغيير في حركة المسلم اليومية:

ما من إنسان إلا وله برنامج يومي يعيشه في حياته وهو يقترب أو يبتعد من الخير بقدر أخذه من دين الله، وشهر رمضان فرصة للمسلم، أن يغير من طبعه وبرنامج حياته إلى الأفضل، فالصوم مفتاح للخير ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة- رضي الله عنه- عن النبي- صلى الله عليه وسلم- أنه قال «من أصبح منكم اليوم صائمًا؟ فقال أبو بكر: أنا، فقال: من تبع منكم اليوم جنازة؟ قال أبو بكر أنا، قال: من تصدق بصدقة؟ قال أبو بكر: أنا، قال: فمن عاد منكم مريضًا؟ قال أبو بكر: أنا، قال ما اجتمعن في امرئ إلا دخل الجنة».

فالصيام جنة من النار إذا ما أحسن الإنسان الاستفادة منه واستغلال أوقاته، فمن الغبن أن يتغير الإنسان في شهر رمضان من حيث النوم والطعام ويبقى كل أمره على ما هو عليه فهذا لم يأخذ من صيامه إلا الجوع والعطش.

د- التغيير في ميزان النصر:

الناس قبل الإسلام تحتكم في ميزان النصر والهزيمة إلى كثرة العدد والعتاد، فأتت غزوة بدر في رمضان حيث انتصرت فيها فئة قليلة على فئة كثيرة، ﴿فِئَةٞ تُقَٰتِلُ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَأُخۡرَىٰ كَافِرَةٞ﴾ (آل عمران:13) انتصرت الفئة القليلة لأنها قائمة بدين الله تقاتل لإعلاء كلمته والدفاع عن دينه فنصرها الله- عز وجل.

هـ- التغيير في القيم والموازين الاجتماعية:

كانت البشرية تعيش في جاهلية التمايز الجنسي والعرقي بجميع أنتانه فأتى الإسلام ليعيد ترتيب القيم والموازين التي يوضع فيها البشر فقرر- صلى الله عليه وسلم- في شهر رمضان في غزوة الفتح وهو واقف على باب الكعبة وقريش من حوله ينتظرون فقال: يا معشر قريش إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظمها بالآباء، الناس من آدم وآدم من تراب ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقۡنَٰكُم مِّن ذَكَرٖ وَأُنثَىٰ وَجَعَلۡنَٰكُمۡ شُعُوبٗا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوٓاْۚ إِنَّ أَكۡرَمَكُمۡ عِندَ ٱللَّهِ أَتۡقَىٰكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٞ﴾ (الحجرات:13).

و- تغيير وجه الأرض :

إن ميزان النصر والهزيمة في المعارك الحربية يعتبر بالقدر الذي غيرته هذه الحرب في واقع البشر.. ونحن نلاحظ في استعراضنا للغزوات التي حدثت في شهر رمضان فنرى أنها تمثل الانكسار الحاد في مسيرة البشر، فغزوة بدر التي كانت على المشهور في اليوم السابع عشر من شهر رمضان سميت بالفرقان حيث التقى الجمعان ففرق الله بين الحق والباطل، وأظهر الحق وأهله على الباطل وحزبه، وفي غزوة الفتح التي كانت في شهر رمضان تغير النداء الذي يخرج من الكعبة من نداء الشرك إلى نداء التوحيد الذي عم العالم أجمع، وصدع ممالك الروم والفرس، ولله الفضل والمنة.

وإننا اليوم ونحن في شهر رمضان ما يسعنا إلا أن ندعو الجميع للتمسك بدين الله القويم والعمل على نصرته بالكثير والقليل لعل الله- عز وجل- يكرمنا بقيادة ربانية تأخذ بنا إلى منهج التغيير بعيدًا عن منهج الترقيع، وهو سبحانه ولي ذلك.

وفي الختام نقول ما قاله ابن رجب- رحمه الله.. يا شهر رمضان ترفق، دموع المحبين تدفق قلوبهم من ألم الفراق تشقق، عسى ساعة توبة وإقلاع ترقع من الصيام ما تخرق، عسى منقطع عن ركب المقبولين يلحق، عسى أسير الأوزار يطلق عسى من استوجب النار يعتق.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 647

52

الثلاثاء 29-نوفمبر-1983

الإسلام اليوم بين الأخذ والرد