; الإسلام دين العقل والفكر | مجلة المجتمع

العنوان الإسلام دين العقل والفكر

الكاتب أنيس الأبيض

تاريخ النشر الثلاثاء 02-فبراير-1988

مشاهدات 76

نشر في العدد 854

نشر في الصفحة 40

الثلاثاء 02-فبراير-1988

الإسلام دين

العقل والفكر

للتدليل على أن الإسلام هو دين العقل والفكر، يجب العودة إلى مجمل الآيات والسور التي وردت في القرآن الكريم، وفيها يخاطب رب العالمين العقل والفكر بأسمائهما وأفعالهما، وكذلك في أسماء التفكر والتدبر والنظر في العالم التي هي أعظم وظائف العقل.

 

أما ذكر العقل باسمه وأفعاله في القرآن الكريم فيبلغ زهاء خمسين مرة، وأما ذكر أولي الألباب أي العقول، ففي بضع عشرة مرة، وأما كلمة أولي النهى، فقد جاءت مرة واحدة في آخر سورة طه.

 

إن أكثر ما ذُكر فعل العقل في القرآن الكريم قد جاء في الكلام على آيات الله، وكون المخاطبين بها والذين يفهمونها ويهتدون بها هم العقلاء.

 

ويُراد بهذه الآيات في الغالب آيات الكون الدالة على علم الله ومشيئته وحكمته ورحمته، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (البقرة:164).

 

ويلي ذلك في الكثرة آيات كتابه التشريعية ووصاياه كقوله تبارك وتعالى في تفصيل الوصايا الجامعة من أواخر سورة الأنعام: ﴿ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (الأنعام:151). وكرر قوله «أفلا تعقلون»؟ أكثر من عشر مرات، كأمره لرسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يحاج على قومه بكون القرآن من عند الله لا من عنده بقوله: ﴿فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِّن قَبْلِهِ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ (يونس:16). وجعل احتمال استعمال العقل سبب عذاب الآخرة بقوله تعالى في أهل النار من سورة الملك: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ (الملك:10). وما في معناه قوله تعالى من سورة الأعراف: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ ۖ لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَا ۚ أُولَٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ (الأعراف:179) وقوله تعالى في سورة الحج: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ (الحج:46). كذلك آيات النظر الفعلي والتفكر كثيرة في الكتاب العزيز، فمن تأملها علم أن أهل هذا الدين هم أهل النظر والتفكر والعقل والتدبر، وأن الغافلين عن الدين يعيشون كالأنعام، لا حظ لهم منه إلا الظواهر التقليدية التي لا تزكي الأنفس ولا تثقف العقول ولا تصعد بها في معارج الكمال بعرفان ذي الجلال والجمال، ومنها قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ ۖ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾ (سبأ:46)، وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِم ۗ مَّا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ (الروم:8)، وقوله - جل وعلا - في صفات العقلاء أولي الألباب: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (آل عمران:191)، وقوله بعد نفي علم الغيب والتصرف في خزائن الأرض عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - وحصر وظيفته في اتباع الوحي: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَىٰ وَالْبَصِيرُ ۚ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ﴾ (الأنعام:50). وليس من شك في أن التفكير هو مبدأ ارتقاء البشر، وبقدر جودته يكون تفاضلهم فيه.

 

كانت التقاليد الدينية قد حجرت حرية الفكر واستقلال العقل عن البشر حتى جاء الإسلام فأبطل في كتابه العزيز هذا الحجر، وأعتقهم من هذا الرق. وقد تعلم هذه الحرية أهمُّ الغرب من المسلمين ثم نكص هؤلاء المسلمون على رؤوسهم على أنفسهم فصاغوا وأدخلوا المجتمع الإسلامي في ضلالات الشرق والغرب.

 

الإسلام دين العلم والحكمة والفقه

ذكر اسم العلم معرفة ونكرة في عشرات من آيات القرآن الحكيم تناهز المئة، وذُكرت مشتقاته أضعاف ذلك، وهو يطلق على علوم الدين والدنيا بأنواعها، فمن العلم المطلق قوله تعالى في وصايا سورة الإسراء: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ (الإسراء:36). ومنه قوله تعالى في العلم المأثور في التاريخ: ﴿ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِّن قَبْلِ هَٰذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ (الأحقاف:4)، ومنه قوله تعالى في علوم البشر المادية: ﴿وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ * يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (الروم:6-7). وقوله في العلم الروحي: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ۖ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (الإسراء:85). وقوله تعالى في العلم العقلي: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ﴾ (الحج:8).

 

والظاهر أن المراد بالعلم فيه، العلم النظري بدليل مقابلته بالهدى والكتاب المنير، وهو حد الدين والوحي كما أفاد بذلك الإمام رشيد رضا. وقوله في العلم الطبيعي: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ﴾ (الروم:22)، ومثل قوله بعد ذكر إخراج الثمرات المختلف ألوانها من ماء المطر واختلاف ألوان الطرائق في الجبال وألوان الناس والدواب: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (فاطر:28). وقد فسر الإمام رضا ذلك بقوله: بأن المراد هنا الذين يعلمون أسرار الكون وأطواره وأسباب اختلاف أجناسه وأنواعه وألوانها وآيات الله وحِكَمه فيها، وهو يشمل أكثر العلوم والفنون أو جميعها.

 

لقد عظم القرآن شأن العلم تعظيمًا لا تعلوه عظمة أخرى بقوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ (آل عمران:18). فبدأ - عز وجل - بنفسه وثَنَّى بملائكته، وجعل أولي العلم في المرتبة الثالثة، ويدخل فيها الأنبياء والحكماء ومن دونهم من أهل الدرجات في قوله: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ (المجادلة:11). وأمر أكرم رسله وأعلمهم بأن يدعوه بقوله: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ (طه:114). ويؤيد الآيات المنزلة في مدح العلم والحث عليه ما ورد في ذم اتباع الظن كقوله تعالى: ﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا ۚ إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ (يونس:36). ومثله: ﴿وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ ۖ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ ۖ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ (النجم:28). وقوله تعالى في قول النصارى بصلب المسيح: ﴿مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾ (النساء:156). وبلغ من تعظيمه لشأن العلم البرهاني أن قيد به الحكم بمنع الشرك بالله تعالى والنهي عنه، وهو أكبر الكبائر وأقصى الكفر، فقال: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (الأعراف:33). وقال في بر الوالدين الكافرين: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا ۖ وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا﴾ (العنكبوت:8). ومعلوم من الدين بالضرورة أن الشرك بالله لا يكون بعلم ولا ببرهان لأنه ضروري البطلان.

 

الحكمة والفقه:

وأما الحكمة فقد قال تعالى في تعظيم شأنها المطلق: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (البقرة:269). وقال تعالى في بيان مراده من بعثة محمد - صلى الله عليه وسلم - خاتم النبيين: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ (الجمعة:2). وفي معناها آيتان في سورتي البقرة وآل عمران. وقال لرسوله ممتنًا عليه: ﴿وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ ۚ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ (النساء:113)، وقال له: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ﴾ (النحل:125). وقال له في خاتمة الوصايا بأمهات الفضائل والنهي عن كبار الرذائل مع بيان عللها وما لها من العواقب: ﴿ذَٰلِكَ مِمَّا أَوْحَىٰ إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ﴾ (الإسراء:39). وقال لنسائه رضي الله عنهن: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَىٰ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ ۚ﴾ (الأحزاب:34). وقد آتى الله جميع أنبيائه ورسله الحكمة ولكن أضاعها أقوامهم من بعدهم بالتقاليد والرئاسة الدينية ونسخها بولس من النصرانية بنص صريح. قال الله تعالى في اليهود: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَىٰ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ۖ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا﴾ (النساء:53). فالكتاب الكريم أعلن ما يؤتيه تعالى لعباده من نعمه، ويليه الحكمة ويليها الملك. وقال في نبيه داود عليه السلام: ﴿وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ﴾ (البقرة:251). وقال لنبيه عيسى عليه السلام: ﴿وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ ۖ﴾ (المائدة:110). وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾ (لقمان:12). وذكر من حكمته وصاياه لابنه بالفضائل ومنافعها ونهيه عن الرذائل فعللها بمضارها. فالحكمة أخص من العلم بالشيء على حقيقته، وبما فيه من الفائدة والمنفعة الباعثة على العمل، فهي بمعنى الفلسفة العملية كعلم النفس والأخلاق وأسرار الخلق وسنن الاجتماع، ويدل عليه قوله تعالى بعد وصايا سورة الإسراء: ﴿ذَٰلِكَ مِمَّا أَوْحَىٰ إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ﴾ (الإسراء:39). ويكثر في القرآن ذكر الفقه، وهو الفهم الدقيق للحقائق الذي يكون به العالم حكيمًا، عليمًا، عاملًا مثقفًا، فراجع منها في سورة (الأنعام:25 و35 و98)، وفي سورة (الأعراف:178) وفي سورة (الأنفال:65) وفي سورة (التوبة:82 و88 و123). وحسبنا ما في هذه السور الأربع تعريفًا بالفقه، وأنه هو الحكمة لا علم ظواهر الأحكام من الطهارة والبيع والإجارة، فإن تسمية هذا بالفقه اصطلاحية لا قرآنية.

 

وتسوقنا الآيات القرآنية للتأكيد على أن الإسلام هو دين الحجة والبرهان قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا﴾ (النساء:174). وقال: ﴿وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ ۚ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ (المؤمنون:117). فلقد قيد الوعيد على الشرك بكونه لا برهان لصاحبه يحتج به، مع العلم بأنه لا يكون إلا كذلك، تعظيمًا لشأن البرهان، وذلك أنه تعالى يبعث الأمم مع رسلهم وورثتهم الذين يشهدون عليهم ويطالبهم بحضرتهم بالبرهان على ما خالفوهم فيه، كما قال تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ (القصص:75).

 

وأقام البرهان العقلي على بطلان الشرك بقوله بعد ذكر السماوات والأرض في سورة الأنبياء: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ (الأنبياء:22). ثم قضى عليه بمطالبة المشركين بالبرهان على ما اتخذوه من الآلهة من دون مطالبة تعجيز فقال: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً ۖ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ (الأنبياء:24). ومثله في سورة النمل: ﴿أَمَّن يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ۗ أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ ۚ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ (النمل:64). وقال تعالى في سياق محاجة إبراهيم لقومه وإقامة البراهين العلمية لهم على بطلان شركهم: ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا ۚ فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (الأنعام:81). ثم قال في آخرها: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِ ۚ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ ۗ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ (الأنعام:83). فالدرجات هنا درجات الحجة والبرهان الفعلي في العلم، ولذلك قدم فيه ذكر الحكمة على العلم.

 

فمن خلال ما استعرضناه من الآيات القرآنية، يظهر لنا أن الإسلام هو دين العقل والحجة والبرهان والفكر وحرية الضمير والوجدان، فقد أبطل ما كان عليه النصارى وغيرهم من الإكراه في الدين والإجبار عليه والفتنة والاضطهاد لمخالفيهم فيه.

 

مراجع القرآن:

القرآن الكريم.

رشيد رضا: كتاب الوحي المحمدي.

رشيد رضا: تفسير المنار ج 8 - 9.

الرابط المختصر :