العنوان معالم على الطريق.. الإسلام.. لماذا؟
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر السبت 05-فبراير-2005
مشاهدات 71
نشر في العدد 1637
نشر في الصفحة 43
السبت 05-فبراير-2005
سؤال واستفهام يدور حوله الكثيرون ممن لا يعرفون شيئًا عن رسالة الإسلام وعن دعوته, وخاصة هؤلاء المتعالمين والمتحاملين الذين يصفون الإسلام بالتعصب والجمود، ولا يرون في المسلمين إلا شعوبًا مستضعفة للتسخير والاستغلال والامتهان, وأوطانًا خصبة للاستعمار ونهب الثروات, وسوقًا محجوزة لتصريف المنتجات وبيع الأقوات، ولهذا فهم -لهذا الفهم الخاطئ والفكر السقيم- يذهبون في تفسير الحركات الإسلامية عمومًا ومن دون تمييز إلى مذاهب شتى، فمن قائل: إنها نتيجة لقيام هيئات متطرفة وجماعات متعصبة، ومن قائل: إنها ردود فعل للضغط السياسي والاقتصادي الذي تشعر به هذه الأمة أو ذاك في هذه الأيام، ومن قائل: إنها وسيلة تستغل معاناة الجماهير ليتوصل بها بعض طلاب الحكم والجاه إلى الظهور واقتناص المناصب، ومن قائل: إنها الأيدي الأجنبية التي لا تريد الاستقرار للشعب، ومن قائل: نتيجة الكبت أو الجهل، أو الحرمان من الحريات... إلخ، وكل هذا فيما نعتقد لم يصب كبد الحقيقة، أو يوافق شيئًا من الصواب، والحقيقة أن أصحاب هذه الأقوال، والراجمين بالغيب للإسلام يجب أن يفهموا ويعوا أمورًا عدة, منها:
أن الإسلام لا يؤاخذ بالجهل والجهلاء, بجهل الذين لم يقرؤوا ولا بجهل الذين لم يفهموا، أما الذين لم يقرؤوا فهم يرجمون بالغيب ويهاجمون بالكذب والإفك، وأما الذين لم يفهموا وعميت بصائرهم، وضل سعيهم وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا، فهم خارجون عن حقيقة الإسلام وعن تراثه وهديه الذي استنارت به الدنيا وكان رحمة الله للعالمين.
وهدي الإسلام وسمو تعاليمه وإبهار رسالته موجود في تضاعيف أصوله ومصادره وفي استنباطات علمائه ورواده وتراثه، وعباقرة دعاته الذين شهد لهم العالم، وأجمع المخلصون على فضلهم.
مقارنة الإسلام وعطاءاته، بإفلاس غيره من المذاهب والأفكار المنهارة سواء في الغرب أو الشرق، حيث أفلس الغرب في أصوله الاجتماعية التي قامت عليها حضارة الأمم الغربية المادية التي لم تستطع أن تقدم للنفس الإنسانية خيطًا من النور أو بصيصًا من الأمل أو شعاعًا من الإيمان، ولم ترسم للأرواح القلقة أي سبيل للراحة والاطمئنان، وإنما تلمظت تلمظ الأفاعي إلى ما في أيدي الأمم من مقدرات لتنهبها، وتتنادى نداء الذئاب إلى احتلال الشعوب لتفترسها، وقد قدمت الكثير الكثير من الآثام والشهوات والخمور والنساء والأطفال الصاخبة وعبادة الشياطين والمظاهر الخداعة المغرية، فازدادت البشرية جوعًا على جوع وتوحشًا على توحش.
وسقطت الأقنعة عن المذاهب والأفكار الخداعة كالسراب الذي إذا جاءته العطشى لم تجده شيئًا، وجاءت أنظمة بعد أن تعبت الإنسانية وشقيت وكان أولها النظام الديمقراطي وانطلقت الحناجر تسبح به وتقدس من حرية للأفراد والشعوب، ولكنه لم تواكبه ضمائر حية أو عقائد دافعة حافظة، فأسلمته الأيام إلى فوضى فجاءت بعده النازية والفاشية في ألمانيا وإيطاليا، وسرعان ما ازدهرتا في إحياء الهمم والعزائم الراكدة وجمعتا قوى المختلفين والمتنافرين وانتصرتا بذلك وعزتا، ثم سرعان ما وقعنا في أخطاء مميتة وهي جمع إرادة الأفراد في إرادة الزعماء فطغتا بطغيانهم وانحرفتا بانحرافهم، ثم جاءت الشيوعية بعد ذلك، وكانت القوة الثانية في العالم، ثم انهارت وتلك عقبى الفساد.
هذا التطور الاجتماعي وهذا الصراع العنيف القوى أيقظ همم المفكرين من المسلمين وغيرهم من المخلصين اليوم فأخذوا يوازنون ويقارنون وانتهوا بعد ذلك إلى نتيجة صحيحة سليمة وهي أنه لا بديل عن تعاليم الإسلام لكل أمة تريد أن تنهض وترتقي روحيًّا ونفسيًّا وحضاريًّا، وأن ثبات وسمو أصول النظام الاجتماعي الإسلامي وفضله على كل ما عرف الناس من أصول ممثلًا في بنوده وخطواته العظيمة وهي المنقذ اليوم.
وسنعرض لشيء منها فيما يلي:
الإخاء الإنساني: والقضاء على روح الكراهية والحقد والتعصب.
السلام العادل: وخطأ الذين يعمون عن فهم حقيقة الجهاد وحكمة مشروعيته.
الحرية: وخطأ الذين يتهمون الإسلام بإباحة الرق ومصادرة الحريات الخاصة.
العدل الاجتماعي: وفيه بيان رأي الإسلام في نظام الحكم والطبقات العمالية.
الحياة الطيبة: وبيان الخطأ في فهم حقيقة الزهد وعدم تحريم الإسلام للطيبات.
الأسرة السعيدة: التي تحدد الحدود والواجبات والحقوق والتعدد، والطلاق وغيره.
العمل والكسب: وفيه الكلام عن أنواع الكسب ووجوب السعي، والخطأ في فهم التوكل.
العلم: وجعله فريضة، والحث عليه وجعله مقياسًا للرفعة وجلبًا للثواب.
النظام: وتقدير الواجب والمحافظة على الأوقات، ولوم من لا يقدرون ذلك.
التدين: واحترام الأديان وعدم إجبار أحد على تبديل دينه واحترام كل للآخر.
تقرير وحدة الجنس والنسب: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ، واحِدَةٍ، وخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا ونِسَاءً﴾ (النساء:1) ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى﴾ (الحجرات:13) فلا تعصب للون أو جنس.
تقرير وحدة الدين: ﴿قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَالنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ (البقرة:36)
وحدة الرسالة: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ (سبأ:28)
وحدة الشعائر: فالكعبة التي يستقبلها المسلمون من بناء إبراهيم أبي الأنبياء ﴿جَعَلَ ٱللَّهُ ٱلۡكَعۡبَةَ ٱلۡبَيۡتَ ٱلۡحَرَامَ قِيَٰمٗا لِّلنَّاسِ﴾ (المائدة:97)
تكريم الإنسانية جمعاء: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ (الإسراء:70)
وبعد: هذا هو الإسلام الذي ندين به ونعمل له وندعو إلى رسالته لتنعم البشرية، فهل فهمت يا عزيزي لماذا الإسلام؟ أو الإسلام لماذا؟