العنوان الإسلام ليس يتيماً وإنما يمسَح دموع اليتامى
الكاتب یونس حمدان مطر
تاريخ النشر الثلاثاء 11-أكتوبر-1977
مشاهدات 66
نشر في العدد 370
نشر في الصفحة 39
الثلاثاء 11-أكتوبر-1977
هذا الإسلام ليس يتيمًا، وإنما يمسح دموع اليتامى، إن دين الإسلام الذي اختاره الله تعالى للبشرية كافة، وختم به الرسالات، وبعث به محمدًا -صلى الله عليه وسلم- للناس بشيرًا أو نذيرًا، هذا الإسلام الذي تنطوي نظمه وتشريعاته على إصلاح الفرد والمجتمع، والذي تتضمن تعاليمه السعادة للناس في الدنيا والآخرة، والذي تتكفل أوامره ونواهيه بالعزة والغلبة لمن اتبعها وعمل بها، هذا الإسلام لا يمكن أن يكون يتيما، ولا يعقل أن يكون مضيعًا، كيف وقد تعهد الله بحفظه فقال تعالى: ﴿إِنَّا نَحۡنُ نَزَّلۡنَا ٱلذِّكۡرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ﴾ (الحجر: 9) نقول هذا تعقيبًا على ما نشرته مجلة المجتمع في عددها ٣٦٨ السنة الثامنة، تحت عنوان: هذا اليتيم من يمسح دموعه؟ ونحن لا نوافق أخانا الكاتب على كثير من العبارات والنعوت التي نعت بها الإسلام، وسنورد بعض العبارات التي ساقها الكاتب في مقالاته، منها قوله على لسان الإسلام- وأما أنا فالحائط الواطئ يركبني من شاء- ثم يقول وفي هزيمته أمام طلابه هزيمة لي أي الإسلام- ثم يقول في موضع آخر يا أبناء اليتيم، وأهله ويعني هنا باليتيم أي الإسلام إلى غير ذلك من الأوصاف والنعوت المبثوثة في تضاعيف المقال.
ونسأل هل يجوز شرعًا، وهل يصح عقلا أن نصف الإسلام باليتم والضياع، نحن نرى أن ذلك لا يجوز، وسوف نورد الأدلة من الكتاب والسنة على عدم جواز ذلك: قال الله تعالى﴿ مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلۡعِزَّةَ فَلِلَّهِ ٱلۡعِزَّةُ جَمِيعًاۚ﴾ (فاطر: 10) وقال تعالى: ﴿ وَإِنَّهُۥ لَذِكۡرٞ لَّكَ وَلِقَوۡمِكَۖ وَسَوۡفَ تُسۡـَٔلُونَ﴾ (الزخرف: 44) ويرى كثير من المفسرين أن المراد بالذكر هنا الرفعة والشرف، فإن العرب لم يعرفوا ولم يذكروا ولم تقدر لهم مكانة بين الناس إلا بعد أن أنار الله بلادهم بالإسلام وقال تعالى: ﴿وَمَن يُسۡلِمۡ وَجۡهَهُۥٓ إِلَى ٱللَّهِ وَهُوَ مُحۡسِنٞ فَقَدِ ٱسۡتَمۡسَكَ بِٱلۡعُرۡوَةِ ٱلۡوُثۡقَىٰۗ﴾(لقمان : 22) ، وقال تعالى- ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (المنافقون: 8) ، فالمؤمنون أعزة بعزة الإسلام يستمدون قوتهم من قوته، ويستلهمون شرفهم من شرفه ورفضه، إلى غير ذلك من النصوص الصريحة، فإن هذا الإسلام هو مصدر العزة وباعث القوة وملهم العظمة، ولقد ربى أتباعه على الرجولة والقوة والعزة، أما الأدلة من السنة فهي كثيرة نقتبس منها ما يأذن به المقام، من ذلك أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لما عرض الإسلام على سادات قريش وأعيانهم، قال لهم صلوات الله وسلامه عليه:« إنما جئتكم من الله تعالى بما بعثني به، وقد بلغتكم ما أرسلت به إليكم، فإن تقبلوه فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردوه علي أصبر لأمر الله، حتى يحكم الله بيني وبينكم» فالإسلام إذًا هو حظ من يقبلونه في الدنيا والآخرة، هو سعادتهم، يأخذ بأيديهم إلى الحياة النظيفة، ويقودهم إلى أسمى الأهداف، ومنها قوله -صلى الله عليه وسلم-: «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير» وإنما يكون المؤمن قويا بما يستمده من هذا الدين القوى.
ولما سئل المفسر الكبير عكرمة عن حديث- اللهم أعز الإسلام بأحب الرجلين إليك أبي جهل عمرو بن هشام أو عمر بن الخطاب- طعن في صحة الحديث، وقال دين الله أعز من ذلك، فأنت ترى كيف كان السلف يفهمون هذا الدين، فالإسلام لا يكتسب العزة من الرجال، مهما عظم شأنهم، وإنما الرجال هم الذين يكتسبون العزة والرفعة إذا هم تمسكوا بهذا الدين، وارتضوه منهجًا لحياتهم، ودستورًا يتحاكمون إليه، فإن هم فرطوا فيه، ونكلوا عن الالتزام به، ورفضوا التحاكم إليه، عندئذ يحكمون بالذلة على أنفسهم، ويقضون بالصغار والهوان على مجتمعاتهم وأوطانهم، ولعلك تلمس ذلك فيما وقع للأمة منذ سقطت الخلافة الإسلامية، فأنت ترى كيف استبيحت أوطانهم، وانتهكت مقدساتهم، ونكست أعلامهم، وما ذلك إلا لأنهم نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم، كأنهم لا يعلمون، ونحن مع الكاتب الكريم في أن هناك تقصيرًا مقصودًا في التعليم الديني، ونحن نعلم علما يقينًا أن أعداء الإسلام في الداخل والخارج يخططون لإبعاد الإسلام من حياة المسلمين، ولكن ذلك لا يحملنا أبدًا على القول إن الإسلام يتيم، إن اليتيم حقا هو الذي يرفض تعاليم هذا الدين، ويتولى عن هداية الله، ويتبنى أنظمة وقوانين لم يشرعها الله تعالى، هذا هو الشقي الذي حكم على نفسه وأمته بالشقاء والضنك، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾ (طه: 124) - والضنك الذي يعاني منه الناس اليوم ليس في حاجة إلى إيضاح أو بيان، أما الإسلام فإنه عزيز كريم، تتغير قلوب الرجال كالمعدن الذي يقبل التحلل، أما الدين فلا يتغير أبدًا؛ لأنه تنزيل من لدن حكيم خبير حكيم في تشريعه، خبير بنفوس من شرع لهم الإسلام، إذن هو الهدى، وغيره ضلال، والإسلام هو الحق، وغيره باطل وماذا بعد الحق إلا الضلال، ويقول صلى الله عليه وسلم:« تركت فيكم ما إن تمسكتم به لا تضلوا بعدي أبدا كتاب الله وسنتي» فأنت ترى أن الضلال والهوان إنما يأتي من عدم التمسك بهذا الكتاب الكريم، وبهذه السنة المطهرة التي ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك .
والإسلام ما هو الإسلام؟ الإسلام هو الكتاب والسنة هذان هما مصدر الإسلام، فهل يصح في العقل أن نطلق لفظ اليتم والضياع على هذا الإسلام وهذه مصادره؟ نحن نعلم حرص الكاتب، وإخلاصه، وصدق عاطفته، ونعرف له ذلك، ولكننا لا نرضى أبدا أن يقول أحد: إن الإسلام يتيم أو ضعيف أو غير ذلك من الألفاظ المشعرة بالهوان والصغار، إن الحماسة الزائدة عند بعض العاملين للإسلام تنسيهم كثيرًا من الحقائق الأساسية التي يؤدى نسيانها للوقوع في تناقضات وملابسات، تضر العمل للإسلام من حيث يريدون نفعه، إن الحماسة وحدها لا تكفي، ولكن لا بد من العلم الصحيح، حتى يمكن لدعاة الإسلام أن يأخذوا بأيدي أمتهم إلى مراقي الكمال ومعارج العزة والسعادة، إن العلم الصحيح هو الذي يحكم رأى صاحبه، ويوجهه الوجهة السليمة، ولذلك قال -صلى الله عليه وسلم-: « من يرد الله به خيرا يفقهه بالدين».