; الإسلام هو الحل أم شارون هو الحل؟ | مجلة المجتمع

العنوان الإسلام هو الحل أم شارون هو الحل؟

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر السبت 28-يوليو-2001

مشاهدات 60

نشر في العدد 1461

نشر في الصفحة 47

السبت 28-يوليو-2001

لا شك أن مشكلة فلسطين سببت صداعًا قويًّا للعرب الذين أُخذوا على غرة، واستطاع المستعمر خداعهم بسهولة ويسر، حتى دمر الخلافة، وقطع أوصالها وفرق بين أقطارها، وبذر بينهم العداوات والنزاعات والعنصريات، فاحتل ما احتل وباع ما باع، وفعل بالأمة اللاهية الذاهلة الأفاعيل، وجلب لها الدواهي والكوارث والنكبات، وهي كثيرة متعددة ومتنوعة وما زالت، وقمة هذه الكوارث والدواهي هي تمكين اليهود من فلسطين وتوطينهم في ربوعها وتسليحهم لاغتصابها وذبح أهلها وطردهم وتشريدهم وما كان هذا أمرًا عفويًّا من بريطانيا وأشياعها، ولكنه كان لسياسة مرسومة وإستراتيجية معلومة ومبيتة يقصد بها ضرب الأمة حتى لا تنهض وقتلها حتى لا تتحرك، وزرع أخبث عنصر بشري على وجه الأرض في تربتها ليمتص دماءها ويتغذى على أشلائها حتى لا يبقى لها عزم أو يظهر لها وعي، كل هذا يا عزيزي كان وما زال والحال هو الحال ما زلنا أسرى عند غيرنا في سياستنا، وعبيدًا عند سادتنا في تفكيرنا وتصرفاتنا.

ما زال الكثير من العرب لا يريد أن يستقل لا في ثقافته، ولا في سيادته وسياسته، وما زالت العرب رغم كثرتها ورصيدها الضخم في العالم الإسلامي لا تستطيع أن تستثمر طاقاتها المنخورة ورصيدها المتاح، هذا فضلًا عن أعظم قوة تملكتها، وأكبر محرك تستحوذ عليه، وهو الإسلام، إكسير الحياة، ووقود العزائم وصواعق الباطل، ومفتاح النصر المبين، ولأمر ما يعرف القاصي والداني أن الإسلام كان الصامد الأول في وجه الأعداء، والغازي الأول في ساحة الوغى والنزال والبطل العملاق الذي لا يشق له غبار في كل ملمة تستعر، وكل ضائقة أحكمت حلقاتها، فكان الإسلام حماية لبيضة المسلمين ضمانًا للسلم وأداء للرسالة الكبرى التي حمل عبئها المسلمون رسالة الهداية للناس إلى الحق والعدل.

الإسلام هو الذي علم الأمة كيف تعيش كريمة عزيزة، وتموت عظيمة شهيدة، والأمة التي تحسن صناعة الموت، وتعرف كيف تموت الموتة الشريفة، يهب الله لها الحياة العزيزة في الدنيا، والنعيم الخالد في الآخرة، وما الوهن الذي أذلنا إلا حب الدنيا وكراهية الموت.

وإنك إذا قرأت ما جاء به الإسلام في إعداد العدة، واستكمال القوة وتعليم الوحي، ورباط الخيل، وفضل الشهادة وأجر الجهاد وثواب النفقة فيه، ورعاية أهله، واستيعاب صنوفه لرأيت من ذلك ما لا يحصيه العد، أو يحيط به الحصر، سواء في الآيات الكريمة أو الأحاديث الشريفة المطهرة أو الفقه الحنيف، ولكنه ومما يجب الالتفات إليه والتنبيه عليه أن سنن الله سبحانه في نصر المسلمين ترتبط ارتباطًا لا ينفصم بمدى التزامهم بأحكام دينهم وشريعة ربهم، وصدق الله: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ (الصافات: 171-172)، وعوامل النصل الحقيقية تتمثل في الثبات عند لقاء العدو، والاتصال بالله والذكر، وتجنب النزاع والشقاق، والصبر على تكاليف المعركة، وذلك ما أشار إليه قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (الأنفال: 45-46).

أما إذا تخلى المسلم عن منهج الله سبحانه فإنه يعني بالنسبة للمسلمين الضعف والذلة والهزيمة والضياع، قال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (النور: 63)، وفي الأثر: «ما ترك قوم الجهاد إلا ذلوا».

وترك المسلمون منهجهم ودار الزمان دورته وخلف من بعد الرجال خلف أضاعوا وضيعوا، فتنكرت لهم الأيام.. وولى عنهم الزمان

وما فتئ الزمان يدور حتى

                 مضى بالركب قوم آخرونا

وآلمني وآلم كل حي

            سؤال الدهر أين المسلمونا

وبعد.. فما هو البديل بعد الإسلام، وما الحل بعد تنكب طريق الرجال الصادقين المجاهدين، كأن البديل هم الطامعون في ديارنا والمحتلون لأرضنا السافكون لدمائنا، المشردون لأهلنا ونسائنا، وأبنائنا، الذين لا يرعون في أحد إلًّا ولا ذمة، كان البديل حفنة من العصابات وشذاذ الآفاق بدأها «بن جوريون» وعزرا وایزمن، وجاء على إثرهم إسحاق شامير ونتانياهو وباراك وشارون، وهلم جراء ذرية بعضها من بعض، وسلسلة تسحب الناس إلى الكوارث وتذيقهم العذاب والدمار، ولا يعلم إلا الله ما يأتي به القدر وتنفرج عنه الليالي، غير أن سياسة الكيان الصهيوني وطبيعة الصهاينة معروفة في التاريخ ومذكورة في القرآن الكريم وما سياسة شارون اليوم إلا تعبير حقيقي عن كوامن الصهاينة، ومظهر من مظاهر الانحراف الطبيعي الذي درج عليه اليهود.

وشارون لن يعطي إلا القتل، وقد مارس كل أنواع الإبادة الواردة في جميع المواثيق الدولية على مسمع من الدنيا وبصرها، ومع هذا يصعب تجريمها مهما تجاوزت قواعد القانون الدولي وأعمال الكيان الصهيوني ليست ردًّا على استفزاز أو خيانة، وإنما هي أعمال مدبرة ضد المسلمين لإبادتهم، وتفريغ أرضهم للصهاينة، ولم يخف اليهود مطامعهم أو توجهاتهم في ذلك وكان يجب على الحكومات العربية والإسلامية أن يطالبوا المجتمع الدولي بإحالة زعماء هذه العصابات الدولية في جرائم الإبادة الجماعية وجرائم الإبادة في الحرب وجرائم قتل الآمنين العزل وقتل الأطفال، وهدم البيوت على سكانها، وهلم جرا، ولكن للأسف لم يستطع المسلمون أن يطالبوا بذلك، ووقفت السلطة حاجزًا دون اليهود حتى لا يصيبهم أحد بأذى، وضاعف شارون من تهديداته لازدياد سخونة الانتفاضة المسلمة فهدد بالحرب الشاملة، وهدد بالإغارة على مصر، وهدد بضرب السد العالي، وهدد بضرب سورية، وبإبادة الشعب الفلسطيني، وقد يكون ذلك، ولا يستبعد من رجل مثل شارون، فهل سيظل جهادنا السكوت وخطتنا العويل ورهاننا على عطف هذا أو ذاك، وهل سيظل عطف شارون وأمثاله وجلوسه على طاولة المفاوضات ليعطي الفتات ويأخذ الفطائر والوجبات الدسام هو الحل، أم نرجع إلى تعاليمنا ورسالتنا وهويتنا وعزائمنا ويكون ذلك هو الحل: ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ (ق: 37).

الرابط المختصر :