العنوان الإسلام وأوروبا: تعايش أم مجابهة؟
الكاتب د. عصام العريان
تاريخ النشر السبت 01-مارس-2003
مشاهدات 61
نشر في العدد 1540
نشر في الصفحة 40
السبت 01-مارس-2003
د. عصام العريان
كتب انجمار كارلسون الكاتب والمحلل السياسي والسفير السويدي السابق كتابه «الإسلام وأوروبا» تعايش أم مجابهة Islam och Europa Salmevnad eller Konfrontation عام ١٩٩٤م، وترجمة سمير بوتاني، وفريق عمل من السويدية إلى العربية، وكان للكتاب صدى في بلده الأصلي السويد، حيث تبنت وزارة الخارجية مبادرة «الإسلام في أوروبا»، وكلف الكاتب نفسه بالإعداد لها وعقدت بناءً عليها عدة مؤتمرات للحوار، طغى عليها الجانب الرسمي، وأنشأ المعهد السويدي بالإسكندرية أوائل عام 1999م، كما سبق معهدًا للأبحاث مماثلًا في إسطنبول بتركيا.
ومنذ نشر الكتاب لأول مرة جرت تحت الجسور مياه كثيرة، سواء على المستوى الثنائي السويدي - الإسلامي، أو على المستوى القاري أوروبي - إسلامي، وكانت المحاور الأساسية تتمثل في:
1 - هموم أوروبية صرفة لمواجهة الموجات المتتالية من الهجرة الإسلامية الجنوبية.
2- هموم أوروبية إسلامية تتعلق بالجاليات المسلمة التي تعيش في الغرب.
٣- هموم أوروبية بشأن القضايا الإسلامية الكبرى وتتعلق بالسياسة الخارجية الأوروبية تجاه قضايا مثل فلسطين والموقف من الكيان الصهيوني وسياسته الدموية.
- الشيشان والموقف من روسيا.
- إيران وكيفية التعامل معها.
- تركيا ومسألة انضمامها إلى النادي الأوروبي.
٤- العلاقات مع الدول الإسلامية: سواء تلك التي تتم في إطار أوروبي موحد، كاتفاقيات الشراكة الاقتصادية وما يستتبعها من ضغوط للإصلاح السياسي، أو تلك التي تتعلق بعلاقات ثنائية بين كل دولة أوروبية وغيرها من الدول الإسلامية.
ثم جاءت داهية 11 سبتمبر ۲۰۰۱م، وأضافت إلى الهموم السابقة همًا أو همومًا جديدة أخطرها على الإطلاق:
١- التفرد الأمريكي بقيادة العالم والرغبة الأمريكية الجارفة في تهميش دور بقية الأطراف.
وهنا يتعلق الأمر بقضيتين أوربيتين: الاتحاد الأوروبي، ودوره العالمي وقدرته على منافسة أمريكا اقتصاديًا.
والقضية الأخرى هي حلف الأطلنطي والدور العسكري لأوروبا الموحدة في إطار الحلف الذي تقوده أمريكا.
٢ - الإسلاموفوبيا التي روجتها الدعاية الأمريكية والإعلام المضلل في الساحة العالمية والأمريكية، وتأثير ذلك على أوروبا التي تعيش فيها جالية إسلامية تقدر بـ ٢٠ مليون شخص وبها دول ذات أغلبية مسلمة مثل ألبانيا والبوسنة والهرسك وأمامها ملف كبير هو انضمام تركيا المسلمة 99% مسلمون إلى الاتحاد بثقلها السكاني الضخم ٧٠ مليونًا وتأثيرها السياسي والثقافي المحتمل وإرثهاالحضاري الصدامي مع أوروبا طوال قرنين من الزمان.
3- النفط، خاصة نفط الشرق الأوسط والتخطيط الأمريكي للسيطرة على كل المخزون النفطي العالمي في العراق وأسيا الوسطى، بل يتعدى إلى إفريقيا بمواردها التي لم تستغل بشكل کامل بعد والتمدد الأمريكي فيها على حساب الوجود الفرنسي والأوروبي.
ويتفرع عن تلك القضايا كثير من الملفات التي تزاحمت وأصبحت جميعها مطروحة في وقت واحد وتحتاج إلى حسم سريع لأن طبيعة الثقافة الأمريكية، أنها سريعة وحاسمة وهي درست كثيرًا من هذه الملفات وانتهت إلى خيارات محددة وأصبح لها استراتيجية واضحة، بينما أوروبا ما زالت تتخبط وفي حيرة من أمرها، ومن جانب آخر فإن العالم الإسلامي بمكوناته كلها: الحكومات والنخب السياسية والفكرية والأحزاب والقوى السياسية وكذلك الحركات الإسلامية والقوى الشعبية تقع بين أقطاب متنافرة.
فهي من جانب تريد أن تتعامل مع الطرف الأقوى الذي بيده زمام الأمور - أي الولايات المتحدة- وفي الوقت نفسه لا تستطيع أن تغفل الدور الأوروبي صاحب التاريخ الطويل في التعامل مع المنطقة الإسلامية والعربية والذي ترك الإرث الاستعماري لأمريكا.
وهي من جانب آخر تريد أن تبني قوتها الذاتية وتعيد بناء نهضتها الحقيقية بالاعتماد على قدراتها وإمكاناتها ولا تستطيع - في الوقت نفسه - أن تمتنع أو تبتعد عن الماكينة العالمية التي تقودها أمريكا في الاقتصاد والعلوم والتكنولوجيا، وبالتالي ترسم وهي السياسة العامة للعالم كله.
أيضًا ترى خطر الذوبان وضياع الهوية الحضارية إذا قبلت المشروع الغربي كما هو. وحتى لو قبلت به النخب المتغربة فإن الشعوب ستبقى حارسة لقيمها الحضارية محافظة على هويتها الذاتية، وفي الوقت نفسه، فإنها ترى نفسها في حاجة إلى الاستفادة من كل معطيات الحضارة الحديثة التي أسهمت الأمة الإسلامية طوال تاريخها العريق في إرساء الدعائم التي قامت عليها تلك الحضارة ولا تريد أن تستدرج إلى فخ صدامالحضارات، حيث ستكون الغلبة - في إطار المعطيات الحالية والواقعية - للحضارة الأقوى ذات الأنياب والمخالب التي تتذرع بالسلاح النووي وأسلحة الدمار الشامل.
وهكذا وفي ظل هذه الحيرة تتصاعد الأحداث وتتوالى بعيدًا عن التفكير الهادئ وتصبح الاستراتيجيات عبارة عن مجرد ردود أفعال، وهنا يأتي دور مثل هذا الكتاب الذي لم يحظ في العالم العربي ولا بين الحركات الإسلامية بدراسة وافية فيما أعلم، وبينما تبنت الحكومة السويدية - التي كان المؤلف «كارلسون»، يعمل في دولابها الدبلوماسي - كثيرًا من أفكاره وبدأت برنامجًا للعمل مع الحكومات العربية فإن الحركة الإسلامية والشعوب العربية لم تبدأ برنامجها للتعاطي مع أوروبا بعد!!
نبوءة تحققت وأخرى يمكن أن تقع
يحفل كتاب «كارلسون» بالعديد من التوقعات كما يحمل أحكامًا قاسية ضد الحركات والمجتمعات الإسلامية إلا أن ذلك كله لا يقلل من القدر الكبير من الإنصاف الذي يتسم به الكتاب.
ومن توقعاته التي تحققت قوله في فصل عن « الإسلام والديمقراطية هل هما مفهومان متناقضان»؟!
« وإذا ما استمر الغرب في دعم الحكومات المتربعة الآن على السلطة، والتي تقاوم جميع الميول الأصولية على أرضية أن هذه الميول تهدد المصالح الغربية تحت كل الظروف، فإن العالم الغربي في الواقع يجازف بفقدان حاشيته وقدرته على إدراك النزعات والاتجاهات الديمقراطية الصادقة، فضلًا عن الاتهام بممارسة النفاق والازدواجية».
ويقدم المبررات التي تقولها الأنظمة المستبدة أحد أبرز الذرائع التي تستعمل لتبرير عدم السماح بالتحول إلى ديمقراطية حقيقية ذات نطاقواسع يشمل كل القوى السياسية أنها ستستغل من طرف الأصولية لاختطاف الديمقراطية تحت شعار صوت واحد لشخص واحد مرة واحدة وللأبد»!
... ويرد على هذه الذريعة بقوله:
« لكن الحقيقة أن الأصولية الإسلامية والأصوليين لم يشكلوا خطرًا حقيقيًا على الديمقراطيات الليبرالية وإنما فقط على أنظمة الواحد».
ويقرر بوضوح: «إن الزمن وحده هو الذي سيبرهن على مصداقية الحركات الإسلامية في إقرارها بالديمقراطية»، في الوقت المناسب.
ويقدم النصيحة التي لم يسمعها الغرب أو تعامى عنها أو درسها وقرر عدم الأخذ بها بقوله: «على الغرب تشجيع الأنظمة في العالم الإسلامي على ربط الحركات الدينية المعتدلة بحكوماتها بنفس الأسلوب الذي اختاره الأردن».
ملحوظة: «الأردن يسمح للحركة الإسلامية المعتدلة كالإخوان بالعمل في صورة قانونية ولم يتعرض طوال تاريخه لأي محاولات استئصالية وإن تعرض للضغوط كما أن الأردن يسمح بتعددية سياسية وديمقراطية لها سقف محدد وانتخابات لا
يتم تزويرها وإن كانت تتم وفق قوانين جائرة».
وها نحن الآن نشهد تحولات -قد تكون جدية - لإرساء معالم الديمقراطية في العالم العربي، وهي محل شكوك كثيرة من كافة المهتمين بالعالم العربي. وها هي أمريكا تعلن أنها ستتبنى سياسات أو وسائل متعددة لإرساء الديمقراطية في الدول العربية أبرزها ثلاث وسائل.
الأولى: الضغوط الهائلة على بعض الأنظمة المتحالفة مع أمريكا وذلك في اتجاهات مترابطة :
1-إحداث تغيير ثقافي ينال من بنية الثقافة العربية الإسلامية مثل تغيير مناهج التعليم خاصة الإسلامي في المعاهد الشرعية والجامعاتالإسلامية، وتبني خطاب ديني جديد تحت شعارات التسامح والقبول بالآخر لنزع المناعة الذاتية ضد الوجود العسكري الأمريكي والقبول بالاحتلال ومنع التحريض على المقاومة التي مصدرها الرئيس هو الدين والعقيدة التي تحض على الجهاد وتتبنى الاستشهاد وتشجع على التضحية وتحرص على التوازن بين الحياة الدنيا والآخرة مما يقف ضد ثقافة الاستهلاك والإشباع الجنسي والإباحية والتحلل التي تظهر في صورة قيم أمريكية يراد نشرها في العالم.
٢ - إصلاح إداري وسياسي في صورة ديمقراطية تلبي المصالح الأمريكية والغربية، ولنا في الضغوط التي تمارسها أمريكا على السلطة الوطنية الفلسطينية الآن، خير مثال، حيث تتبنى أمريكا إصلاحات تهدف في النهاية إلى منع المقاومة الفلسطينية ضد الاحتلال الصهيوني.
٣. تبني سياسات اقتصادية مفتوحة في إطار اقتصاد السوق، مما يسمح في النهاية لمجموعة محدودة من رجال الأعمال - الذين ترتبط مصالحهم بالمصالح الأمريكية والغربية وتحتكر الثروة وقد تسيطر أيضًا على السلطة - وهذا كله يعني في النهاية ربط البلاد كلها بعجلة السياسة والاقتصاد الأمريكي بشكل كامل وهنا يأتي دور النموذج التركي الذي نعود إليه لاحقًا.
الثانية: الحرب العسكرية المعلنة التي بدأت بأفغانستان، وتتجه نحو العراق وتستهدف بقية الدول المآرقة عن السياسة الأمريكية، مثل إيران ثم يأتي دور سورية، وهذه الحرب شعارها ، « الحملة الدولية على الإرهاب» وتقوم أمريكا فيها بإعطاء أدوار لكل العالم في إطار استراتيجية تهدف إلى إحكام السيطرة الأمريكية على العالم والانفراد بإدارته كامبراطورية أمر واقع بحيث تقوم هي بتوزيع الثروات الطبيعية وتحديد الأدوار السياسية و هنا تاتي اهمية كتاب « كارلسون» لتحديد الدور الأوربي وهل يقبل الانخراط في هذه السياسة الدولية الأمريكية أم يسعى لدور جديد يقوم على أساس الخبرة التاريخية والحكمة الأوروبية في إطار التسامح والقبول بالإسلام كما هو، والسعي لإدماج الجاليات الإسلامية في المجتمع الأوروبي وكذلك إدماج الدول الإسلامية في المجتمع الدولي.
ولا ننسى هنا تصريحات «رامسفيلد» وزیر الدفاع الأمريكي الذي يقرر أن الحرب على العراق هدفها تغيير النظام وإرساء نظام ديمقراطي في العراق، وأيضًا تصريحات «كونداليزا رايس» مستشارة الأمن القومي للرئيس بوش التي توضح بجلاء أن الهدف ليس مجرد العراق وإنما هو تقديم نموذج لكل المنطقة العربية، وبالتالي على الدول الأخرى أن تقرر إما التغيير الديمقراطي بيدها أو عبر الوسائل الأخرى.
الثالثة: مبادرة السيد «كولن باول» وزیر الخارجية الأمريكي تحت عنوان « الشراكة من أجل الديمقراطية»، أو « الشراكة الأمريكية في المنطقة العربية».
وأهم بنودها كما شكلها خطاب مدير تخطيط السياسات بوزارة الخارجية «هاس»: ۱ - ستسعى واشنطن لوضع «برنامج سري»لتشجيع الديمقراطية في العالم الإسلامي.
٢ - فرض الديمقراطية لن يكون بشكل «ثوري» ولكن بالتدريج وحسب ما يناسب كل بلد.
٣ - تشجيع الديمقراطية سيكون بالدعم المالي الذي ستقدمه واشنطن للحكومات بهدف توسيع دائرة النمو الاقتصادي من خلال انفتاح المجتمعات وإنشاء البنية التحتية للديمقراطية، «وفق ما جاء في استراتيجية الأمن القومي للولايات المتحدة». «نص التقرير الذي وجهه الرئيس بوش إلى الكونجرس في ۲۰ سبتمبر ۲۰۰۲».
٤- إن واشنطن مستعدة للقبول بمعضلة الديمقراطية المتمثلة في وصول حزب إسلامي للحكم عبر انتخابات حرة رغم المخاوف من أن يضر هذا بمصالحها.
5 - أن الهدف الأمريكي من تعزيز الديمقراطية في العالم العربي والإسلامي هو الحفاظ على مصالح أمريكا في هذه البلدان خشية وقوع انفجار متوقع في هذه البلدان التي لأمريكا فيها مصالح حيوية كما حدث في إيران الشاه وغيرها». «محمد جمال عرفة - إسلام أون لاين 12\12\2002»
هذه هي المدارس الثلاث للولايات المتحدة الأمريكية لإرساء معالم تجربة ديمقراطية جديدة في العالم العربي والإسلامي، قد تبدو متنافرة أو متباينة ولكنها عند التأمل الهادئ تظهر متقاطعة ومتكاملة، فمن لا ينفع معه أحد الأساليب أو الوسائل يمكن الضغط عليه عبر وسائل أخرى أو كما يقول الشاعر مع اختلاف المدلول:
من لم يمت بالسيف مات بغيره
تعددت الأسباب والموت واحد
اما النبوءة التي لم تتحقق ولكنها باتت محل خوف وتثير الرعب بعد أحداث سبتمبر المأساوية وأعادها إلى الأذهان حالة الذعر التي أصابت ألمانيا من تحليق مراهق محب بطائرة شراعية يوم الاثنين 6\1\2003م ليجذب انتباه محبوبته في فرانکفورت
يقول إنجمار كارلسون في فصل «إسلام اوروبي أم إسلام العزلة»: «إن احتمال اندلاع «حرب جهادية مقدسة» علي أرض أوروبا الغرب يمكن أن يصبح أمرًا محتملًا بأسرع مما نتصور ولكنها لن تكون حربًا نظامية تحكمها موازين القوى العسكرية بين الغرب وبين العالم الإسلامي وإنما ستكون حرب عصابات تدور رحاها على محيط المدن الكبرى في تلك الضواحي التي تطورت تدريجيًا واصبحت «غيتوات».
صحيح أن كارلسون يقصد تدهور أحوال الجاليات الإسلامية وتهميشها وعدم تنمية مناطقها ورعاية مواهب أبنائها، ولم يكن يقصد الحرب المعلنة الآن على الإرهاب ومحاولات تنظيم القاعدة وخلاياه النائمة التي تستيقظ كل حين، في حرب أصبحت تحقق جزءًا من نبوءة كارلسون «الحرب غير المتوازية» حرب غير تقليدية بالفعل أحدًا أطرافها شبح غير معروف المعالم.
وهذا كله يحض كل الأطراف، وبالذات الطرف الإسلامي، والآخر الأوروبي، على البحث الجدي حول مخرج يجنب الجميع أهوالها.