; الإسلام والآخر في عالم متغير | مجلة المجتمع

العنوان الإسلام والآخر في عالم متغير

الكاتب محمد شاويش

تاريخ النشر السبت 26-أبريل-2003

مشاهدات 67

نشر في العدد 1548

نشر في الصفحة 44

السبت 26-أبريل-2003

لماذا لا يلتقي الإسلاميون مع غيرهم على الثوابت المشتركة؟

ولماذا لا يساند المسلمون القضايا العالمية التي تهمهم؟

بعد المظاهرات المليونية التي عارضت الحرب، هل يمكن أن نضع الغربيين جميعا في سلة واحدة؟.
- لماذا يتوقف المسلمون عن محاولة فهم العالم، وكيف تثمر الدعوة في أقوام لا نعيرهم أدنى اهتمام؟
في وضعنا الراهن ينبغي أن نعيد صياغة علاقة المسلمين بإسلامهم أولًا، ثم علاقتهم بغير المسلمين ثانيًا، ولعل ما يثير هذا الموضوع في هذا الوقت تحديدًا، حالة سوء الفهم المتبادلة بين المسلمين وغيرهم ممن يدعون أن الإسلام عدو للحضارة الغربية بشكل مطلق بناء على استنتاجات وقراءات خاطئة لممارسات بعض الاتجاهات الإسلامية، واستجابة أيضًا لميراث تاريخي أيديولوجي محمل بحقد غريب على الإسلام، وتوجس منه لا تسانده أي مبررات موضوعية.
من المهم أولًا في هذا السياق أن تركز على أن الفهم الصائب للإسلام، فكرًا وسلوكًا، سيصحح تلقائيًّا مجموعة من أوجه الخلل والقصور داخل المجتمعات الإسلامية ذاتها، ثم في فهم الآخر (غير المسلم) للإسلام، فمن واقع مشاهداتي اليومية استطعت أن أرصد ذلك التباين بين ما يتبناه بعض القوى السياسية والفكرية الإسلامية، وبين صحيح الإسلام دينًا وعقيدة ومنهج حياة، فبعضهم يرى أن العلاقة مع «الآخر»، هي حصرًا علاقة عداء وكراهية، وأن كل «الآخر» كتلة واحدة لا تتميز عن بعضها، وأن «الكفر ملة واحدة»، لا في الحساب الأخروي فحسب - وهذا هو الصحيح – بل في الدنيا أيضًا، وهذا يعني - من وجهة نظرهم - أن نتعامل مع كل من هو غير مسلم بالعداء نفسه، ولا نقبل منه حسنة ولا نميز أحدًا عن أحد ما لم يقر بالشهادتين ويؤد الشعائر بدقة تامة. في المقابل هناك أصوات غربية (أمريكية خصوصًا) تدعي أن الإسلام عدو للحضارة الغربية، وهذه سمته الأولى والأخيرة، بحيث لا يمكن الحوار معه، وليس من إمكانية لإيجاد نقاط التقاء معه (فكأنها مقلوب لنظرة بعض المسلمين التي ذكرتها). 
من منظور آخر نجد أن المظاهرات المليونية التي اجتاحت شوارع العالم مطالبة بإيقاف الحرب على العراق وشاجبه دعاتها، كانت حركة عالمية هائلة لم يسبق لها مثيل، ترافقت معها حركة متطوعين من بلاد الغرب لدعم الانتفاضة الفلسطينية، بل ذهبت واحدة منهم مؤخرًا هي الأمريكية «راشيل كوري» ضحية لموقفها الإنساني النبيل حين اجتاحها  البلدوزر الصهيوني، الذي كانت تحاول منعه من هدم بيت فلسطيني، كل هذه الفاعليات تثير في الذهن سؤالًا مهمًّا: هل هذه الملايين حقًّا عدوة يجب أن نكرهها وفق التأويل الشائع العقيدة «الولاء والبراء»، ولا تقبل منها إلا ما كان صادرًا عن الجزء المسلم في هذه الملايين؟.
هنا يشعر المرء بوضوح أن علينا إعادة صياغة بعض المفاهيم مثل صيغة «المفاصلة»، وصيغة «الكفر ملة واحدة» إلى آخره.
بهذا المفهوم كيف نضع في« سلة واحدة»، كلا من راشيل كوري وجورج بوش؟
الإسلام والقابلية للإسلام
لكي نعالج هذه القضية من جذورها علينا أن نعي أولا أن الإسلام حين يجيء إلى الفرد لا يأتيه من الخارج فقط، بل لأن الفرد - أي فرد – عنده «قابلية للإسلام»، فكأن عنده «إسلامًا كامنًا»، في حالة جنينية تنتظر أن تتفتح بكامل أبعادها عند قبول الرسالة النبوية.
يأتي الإسلام فيتجاوب مع هذه الحالة الكامنة وتتجاوب معه، وكلما كان المرء أقل تشوهًا في فطرته كانت قابليته للإسلام أقوى فاعلية (الناس معادن خيارهم في الجاهلية خيارهم  في الإسلام إذا فقهوا)، وإذا كان الإسلام «كامنًا» بهذا المعنى عند غير المسلمين، فإنني أجد من الحماقة الاعتقاد السائد عند بعض التيارات في بعض البلاد بأن المسلم يجب أن يكره كل من يخالفه في العقيدة، فإن كنت تكرهه فكيف ستدعوه  إلى الإسلام؟.
وهذا «الإسلام الكامن» له مرتكزات أساسية هي: 
١-الفطرة: إذ إنه عز وجل يخبرنا أنه أخذ العهد على الناس قبل خلقهم  ﴿وَإِذۡ أَخَذَ رَبُّكَ مِنۢ بَنِيٓ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمۡ ذُرِّيَّتَهُمۡ وَأَشۡهَدَهُمۡ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ أَلَسۡتُ بِرَبِّكُمۡۖ قَالُواْ بَلَىٰ شَهِدۡنَآۚ أَن تَقُولُواْ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ إِنَّا كُنَّا عَنۡ هَٰذَا غَٰفِلِينَ  أَوۡ تَقُولُوٓاْ إِنَّمَآ أَشۡرَكَ ءَابَآؤُنَا مِن قَبۡلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةٗ مِّنۢ بَعۡدِهِمۡۖ أَفَتُهۡلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلۡمُبۡطِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٣- 172].
والتجربة تشهد أن النزعة إلى التدين موجودة عند البشر جميعًا على اختلاف ثقافاتهم وظروفهم ولغاتهم، وهذا المشترك في الإنسان يجب أن نتذكره دومًا حين لا يرى بعضنا من طريقة لإقناع غيرالمسلمين بالإسلام إلا العنف.
إن الإسلام ليس شيئًا غريبًا على الناس؛ لنفرضه عليهم بالقوة، بل هو شيء موجود كامن في داخلهم بمكوناته الكبرى!.
2- العقل: وهو مشترك في البشرية أيضًا، فالله - عز وجل - يطلب من البشر الاستناد إليه إن لم يكفهم هذا المرشد الفطري الداخلي لأمر من الأمور، والدعوة إلى التفكر والاستنتاج في القرآن الكريم أمر معروف لا نحتاج إلى ذكر الشواهد عليه، فهي أوضح من أن تخفى على أحد.
3- الأخلاق الفطرية: على كثرة النظريات المتعلقة بأصل الأخلاق تظل الحقيقة أن الأخلاق لا يمكن تفسيرها تفسيرًا خارجيًّا (على طريقة المذهب النفعي والمذهب المادي التاريخي إلى آخره)، والنصوص القرآنية توحي – في اعتقادي – بهذا الأصل الفطري للأخلاق، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿يَأۡمُرُهُم بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَىٰهُمۡ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيۡهِمُ ٱلۡخَبَٰٓئِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، فالله - تعالى - سمى قواعده التي قررها على البشر للسلوك القويم «معروفًا»، وسمى ما نهى عنه «منكرًا»، ومن التنطع القول: إن المعروف (كاسم مفعول اشتق من فعل مبني للمجهول) فاعله الله - عز وجل، بل المعروف هو ما عرفه الإنسان بفطرته السوية التي وضعها الله فيه، وكذلك المنكر هو ما تنكره الفطرة السوية، بل الأصل العام في الشريعة أنها جاءت لجلب المصالح ودرء المفاسد (۱). 
ومن هنا كان المشركون العقلاء يقرون فورًا للإسلام بأنه ما دعا إلا إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال.
روی ابن ماجه عن علي - رضي الله عنه - قال: «أمر الله نبيه أن يعرض نفسه على قبائل العرب فخرج، فوقف على مجلس قوم من شيبان بن ثعلبة في الموسم، فدعاهم إلى الإسلام، وأن ينصروه، فقال مفروق بن عمرو: إلام تدعونا أخا قريش؟ فتلا عليهم النبي – صلى الله عليه وسلم -: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُ بِٱلۡعَدۡلِ وَٱلۡإِحۡسَٰنِ﴾ [النحل: ۹۰]، فقال: دعوت والله إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال، ولقد أفك قوم كذبوك وظاهروا عليك» (2).
 مَن مِن البشر ذوي الفطرة السليمة لا يرى أن العدل والإحسان وإيتاء ذي القربى أخلاق محمودة، وأن عكسها: الظلم والإساءة ومنع ذوي القربى أخلاق ذميمة؟.
الإسلام ليس قطيعة مع العالم: من أسوأ ما دخل على الفكر الإسلامي في العصر الحديث فكرة أن الإسلام يشكل قطيعة كاملة مع المجتمع غير المسلم، بل طلب بعض الكتاب من المسلمين فصل أنفسهم كليًّا عن هذا المجتمع، ووضع حاجز لا يخترق بينهم وبينه، وهذا التفكير خطأ مبدئيًّا وضار عمليًّا، فالإسلام ليس قطيعة مع العالم، بمعنى أنه مختلف كليًّا عنه وأنه ليس هناك أي نقاط مشتركة بين التعاليم الإسلامية وواقع الناس غير المسلمين، بل هو تواصل مع هذا العالم وتجاوب مع طبيعة عميقة كامنة فيه، والدعوة الإسلامية من هنا لا تأتي للمدعوين بشيء غريب كل الغربة عنهم، والتعليم القرآني عن كيفية الدعوة يدل على هذا المفهوم ﴿ٱدۡعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلۡحِكۡمَةِ وَٱلۡمَوۡعِظَةِ ٱلۡحَسَنَةِۖ وَجَٰدِلۡهُم بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُۚ﴾ [النحل: ١٢٥].
هذا الجدال الذي تدل عليه الآية الكريمة يُبنى حتما على مفاهيم مشتركة متفق عليها، فلكي يفهم بعضنا بعضًا كبشر لا بد أن تكون بيننا نقاط مشتركة يمكن العودة إليها، ومعايير مشتركة موضوعية تخص التجربة الواقعية في العالم، ومن هنا نقول: إن الإسلام تواصل مع العالم وليس قطيعة كلية معه، بل نزيد على ذلك، إنه تواصل مع ما هو جوهري في العالم، وقطيعة مع ما هو عرضي؛ إذ إن الأصل الفطري في الإنسان إسلامي، فالمولود يولد على الفطرة، ثم يتولى الأبوان والمجتمع تعديل هذه الفطرة بدرجات مختلفة، كما نص على ذلك الحديث. 
وإن المرء ليعجب من قوم يسمون أنفسهم دعاة للإسلام يتعاملون مع الناس بكل فظاظة وشراسة، بل تحس أنهم يكرهون الناس، وهؤلاء الناس هم مجتمع الدعوة وحقلها، بل ويبحثون لهم عن زلات ويجتهدون في إثبات أنهم غير مسلمين إن كانوا مسلمين، فكأن شغلهم الشاغل تقليل عدد المسلمين وتكثير عدد الكفار، فلا تجد عندهم إلا الغرام المريض بالتكفير، فلم يكد يسلم منهم عالم، ناهيك بالعوام والفرق الإسلامية، ومن العجب حقًّا أن نقلد خطاب تلك الدوائر العدوانية الاستعمارية التي جلب تريد محاربة كل من يخالفها ويقف في وجهها (قد نفهم الظروف التي ينشأ فيها فكر الغلاة هذا، ولكن علينا ألا نبرر هذا الفكر، وإن تفهمنا أنه كثيرًا ما يكون رد فعل مرضيًا على العدوان الخارجي، فكأنه رد خاطئ على خطيئة الآخرين).
إن الداعية للناس كالطبيب، والطبيب يجب أن ينطلق من خلفية نفسية هي محبة المريض وليس كراهيته وتمني موته، ولعل القصة المروية عن المسيح - عليه السلام - توضح هذه الحقيقة، فقد رووا أن أعداء المسيح أخذوا عليه كثرة تردده على المخطئين، وأصحاب المعاصي، فقال لهم: هل يزور الطبيب إلا المرضى؟، وقد حصر الله - عز وجل - وظيفة نبي الإسلام بل وظيفة الإسلام ذاته بأنها رحمة للعالمين، فقال: ﴿وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا رَحۡمَةٗ لِّلۡعَٰلَمِينَ﴾ [الأنبياء:107]، ولأن الإسلام ليس قطيعة مع العالم، فهو لم يرفض كل ما ينتجه المجتمع غير المسلم من أخلاق.
روى الحميدي عن سفيان عن عبد الله عن محمد وعبد الرحمن ابني أبي بكر قالا: قال رسول الل – صلى الله  عليه وسلم -: «لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفا لو دعيت به في الإسلام لأجبت، تحالفوا أن ترد الفضول على أهلها، وألا يعز ظالم مظلومًا» (سيرة ابن هشام).
فالنبي – صلى الله عليه وسلم - أقر هذا الحلف؛ لأن قاعدته الأخلاقية تتطابق كل التطابق مع تلك الأخلاق الفطرية، التي هي جوهر الأخلاق الإسلامية، ولا أعتقد (وهذه مسألة مهمة جدًّا) أن الحكم سيختلف لو تعلق الأمر بأي اتفاقية أخرى تنشئها الدول، وفيها نصرة للمظلوم ورد للظالمين، فالدول الإسلامية يجب أن توقع على كل اتفاقية تصون كرامة البشر، وتمنع استباحة حقوقهم المادية والمعنوية، ومن أغرب الأمور أنني لم أر من يسمون في بلادنا بالإسلاميين قد علقوا بخير أو شر على هذه الحركة العالمية الموجودة الآن؛ لمناهضة العولمة المتوحشة والداعية إلى علاقات عادلة بين الدول الغنية والدول الفقيرة، مع أنني أحسب أن حركة هؤلاء تماثل حركة القوم الذين عقدوا حلف الفضول في دار عبد الله بن جدعان، فما بال المسلمين يدعون إلى هذا الحلف فلا يجيبون؟ ولعمري لو دعي إلى مثله النبي - صلى الله عليه وسلم - لأجاب كما أخبرنا بنفسه.
نظرة منصفة للآخرين
لا أعلم من أين جلب هذا التيار الذي ذكرته آنفًا الفكرة القائلة: إن كل غير المسلمين سواء، لا فرق بينهم، مع أن كل نصوص الإسلام وممارسات المسلمين الأوائل تناقض هذا الفهم، فالقرآن الكريم لم يقسم العالم إلى لونين: أبيض وأسود، فقد فرق القرآن بين مشركين معاهدين وغير معاهدين، وبين مسيحيين ويهود وصابئة ومجوس، ولكل منهم حكم مختلف، بل أخبرنا أنه لا ينهانا عمن لم يقاتلنا في الدين، ولم يخرجنا من ديارنا أن نبره!، وعمى الألوان هذا يقود إلى نتيجتين كل منهما أسوأ من الأخرى كما يقال:
- الأولى أن المسلمين يتوقفون عن محاولة فهم العالم ومعرفته، فكيف يثمر جهد أي داعية لا يريد أن يعرف خصوصيات من يدعوهم وأفكارهم وظروفهم وتاريخهم؛ إذ يستوي عنده إن كان المدعو هنديًّا أو صينيًّا أو روسيًّا أو برازيليًّا، بدعوى أن الكفر ملة واحدة!، ولعلنا نرى هنا التخلف المريع للمسلمين قياسًا لغير المسلمين؛ إذ لدى الآخرين معاهد تقوم بالبحث الدقيق في المجتمعات الأخرى وتفاصيل بناها الفكرية والاجتماعية وتاريخها إلى آخره.
ولو كان القرآن يريد أن يعلم المسلمين عدم التمييز لما علق في بداية الدعوة على حرب الروم والفرس، بل عد نصر الروم الذي سيحصل بعد سنين نصرًا يفرح به المؤمنون!.
ولو كان العالم كله مثل بعضه لما اختار المسلمون الحبشة للهجرة، ولقالوا كما يقول هؤلاء الشرسون في عصرنا: الكفر ملة واحدة، فلا فرق بين النجاشي وأبي جهل، على حين أن النبي – صلى الله عليه وسلم – میزه، فقال: «إن الناس لا يظلمون عنده» بخلاف مشركي مكة.
- والنتيجة الثانية أن المسلمين بعمى الألوان هذا يرتكبون الظلم الذي نهى الله عنه، فهل يستوي من يناضل في سبيل العدالة ومن يبذل كل جهده لظلم شعوب بأكملها، وهذا ما نراه بالفعل حين يدعو غير المتبصرين دعوة عامة على النصارى، فيضعون علامة مساواة بين إدارة بوش المتطرفة وملايين الناس في البلاد المسيحية، الذين وقفوا ضدها وأدانوا عدوانيتها وسعيها الدؤوب إلى شن الحروب على المستضعفين من شعوب الأرض.

ولعلي هنا أشير مجرد إشارة إلى نتيجة ثالثة لهذه الطريقة العمياء في النظر إلى العالم، وهي عزل المسلمين وتسهيل مساعي الدوائر العدوانية والصهيونية التي تحرض على حرب حضارية تشن على العالم الإسلامي بمجموعه.

المسلمون معنيون بمصير العالم

المسلمون بطبيعة الحال جزء لا يتجزأ من العالم، ويسري عليهم ما يسري على العالم من قوانين موضوعية، وهم بالضرورة معنيون بمصير العالم أكثر من غيرهم، فرسالة الإسلام هي الرسالة الخاتمة، وكل المسلمين مكلفون بالدعوة إلى إسلامهم، وإشاعة روح المودة والتسامح بين بني البشر، ومن هنا علينا أن نركز على ثلاثة أمور مهمة إن أردنا لهذه الروح الإصلاحية أن تسود وتؤتي أكلها:

 1- المجتمع الإسلامي تسري عليه القوانين الموضوعية: فهو مثل أي مجتمع بشري مضطر؛ لأن يبني بنية اقتصادية، ويقوم بمبادلات اقتصادية مع المجتمعات الأخرى، وتكون له سياسة نقدية تتأثر حكمًا بأوضاع النقد العالمي، والدول الإسلامية مضطرة طبعًا إلى الدخول في اتفاقيات تتعلق بكل هذه الجوانب مع دول العالم، وهي مأمورة بالنص الشرعي بالوفاء بالعهود، ولكن لا بد من الإشارة هنا إلى أن السياسة الخارجية للدول الإسلامية يجب أن تبنى على القاعدة الأخلاقية الإسلامية وليس على مجرد النزعة المصلحية المكيافيلية المألوفة في السياسة الحديثة.

2- المجتمع الإسلامي معني بالمصلحة العامة للبشرية: فالمسلمون مثل غيرهم معنيون مثلاً بوقف تلوث البيئة، ومن هنا ووفق قاعدة «لا ضرر ولا ضرار»، وتقديم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة، فهم يقفون بالضرورة مع تلك القوى العالمية التي تريد التوقف عن تلويث البيئة، وضد تلك القوى التي لا تمانع في تسميم بيئة العالم إن توافق هذا مع مصالحها الأنانية كما في موقف الإدارة الأمريكية من اتفاقية كيوتو.

 3- البحث عن نقاط الالتقاء: ففي كل ما نقرؤه من أحداث السيرة النبوية، نجد أن المسلمين تحت قيادة النبي – صلى الله عليه وسلم - ما كانوا يترددون في عقد التحالفات مع غير المسلمين إن كانت هناك نقاط مشتركة أو مصالح متبادلة توجب التحالف.

 ومن العجيب حقًّا أن نرى بعض التيارات الإسلامية يعيب على الفلسطينيين أن يقيموا جبهة واحدة مع مواطنيهم المسيحيين في الدفاع عن الأرض ضد الاحتلال.

 وحديث الدفاع عن الأرض حديث ذو شجون، فكثير من الإسلاميين يعيبون على الفلسطينيين حديثهم عن الدفاع عن الوطن، مع أن النبي – صلى الله عليه وسلم - أخبرنا أنه «من قتل دون ماله فهو شهيد»، هذا من قتل دون ماله الخاص، فكيف لو قتل دفاعًا عن وطن يخصه مع غيره من الناس؟.

 إذا كنت أدعو المسلمين إلى المشاركة بفاعلية في التحالف مع تلك القوى العالمية التي تناهض الحرب والعدوان، وتدعو إلى إزالة العلاقات الظالمة بين الدول الكبرى والدول الصغرى، فإنني من باب أولى أدعو المسلمين في بلادنا إلى تأييد التحالف مع تلك القوى التي تناضل ضد الصهيونية في سبيل الاستقلال، وإنهاء التبعية على شرط ألا تكون هذه القوى معادية للإسلام أو تتخذ من الإسلام عدوها الأول، وفي هذا السبيل لا بد من ذكر التعاون الذي جرى في السنين الأخيرة بين القوميين والإسلاميين في مسائل منها مناهضة التطبيع مع الصهيونية والدعوة إلى احترام الديمقراطية وحقوق الإنسان في البلاد العربية بل التجربة تثبت أن التعاون والحوار بالحكمة والموعظة الحسنة جعل عددًا من العلمانيين النزيهين ينتقلون إلى صف الدين (من أمثال عادل حسين - يرحمه الله -، ومنير شفيق وغيرهما).

 ثمة واقع جديد يتطلب نظرة جديدة تنقي الثوابت الإسلامية من الشوائب المسبقة التي سادت في الفترة الماضية، وتحولت إلى مسلمات (بعض هذه الأفكار يفسر وجودها طبيعة العلاقات السياسية داخل البنى العربية، وبعضها الآخر تم زرعه بكل خبث من قبل القوى الخارجية بالتواطؤ الذي أقدمت عليه أنواع من السلطة)، ومن هنا وجدنا في الحرب العراقية الأمريكية وبصورة غريبة تأثير هذه الأفكار؛ حيث لا يرى بعض المتدينين في البلاد العربية خطورة الدور الأمريكي بدعوى أنه كان يواجه حكومة كافرة، والحقيقة أن مواجهة هذه الأفكار مهمة قد لا تقل صعوبة عن مواجهة الغزو الإمبريالي الأمريكي.

 وباختصار مجمل نقول: خلافًا لهذه الأفكار المسبقة، ليس الإسلام خصمًا لا للديمقراطية ولا لفكرة الدفاع عن الوطن ولا لحق المرأة في تبوؤ المناصب الرسمية والتشريعية، وأعجبني في هذا السياق رد حزب التجديد والعدالة المغربي لمن طالبه من بعض الأقطار العربية الأشياء بإبراز دليل تحليل مشاركة المرأة في هذه المجالس، فطالبهم هو بإظهار دليل التحريم؛ لأن الأصل في الأشياء الحل!

الهوامش:

1- حقيقة أن الشريعة جاءت لجلب المصالح ودرء المفاسد، قررها عدد كبير من فطاحل علماء الأصول، وانظر من العلماء المحدثين مثلا:

محمد الطاهر بن عاشور: "مقاصد الشريعة الإسلامية"، الشركة التونسية للتوزيع، 1978، ص: 63 وما بعدها.

وانظر أيضا:

أحمد الريسوني: "نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي"، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، الطبعة الرابعة، هيرندن (الولايات المتحدة)، وهو في هذا الكتاب ينافح مرارا عن رأيه في أن "مقاصد الشريعة تلخص وتجمع في جلب المصالح ودرء المفاسد"، ص: 255 وما بعدها.

2- أحمد الريسوني، الكتاب السابق (ص: 263 – 293).

الرابط المختصر :