العنوان الإسلام والتصوير «4»
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 27-مايو-1980
مشاهدات 96
نشر في العدد 482
نشر في الصفحة 42
الثلاثاء 27-مايو-1980
- أكثر الفقهاء على إباحة الصور التي لا ظل لها بشرط عدم التعليق والتعظيم.
- التصوير الفوتوغرافي تسجيل للمشاهد، وليس خلقًا لها، وليس فيه مضاهاة.
- لعب الأطفال وما لا يشبه الحيوان وما قصد به التعليم جائز.
- من يصور ما يُعبد من دون الله -تعالى- فهو كافر، وهو من أشد الناس عذابًا.
الحكم والعلة:
مما تقدم عرضه من الأحاديث الشريفة وفهم الفقهاء نجد الأحكام التالية:
أولًا- الإجماع على تحريم الصور المجسدة لذي الروح مما يشبه إنسانًا أو حيوانًا (وهي التي عبر عنها الفقهاء بما له ظل، أو جرم، وشخص وهي التي يطلق عليها في عصرنا الحاضر: (التماثيل).
-ولو كانت غير كاملة، ومهما كانت المادة التي تعمل منها، ومهما كان القصد من عملها؛ أي سواء كانت للزخرفة، أو الزينة، أو التعظيم، وأقبحها ما كان للعبادة، فلا شك في كفر صانعها لذلك، وهذا هو ما فهمه الفقهاء من الأحاديث المكفرة للمصورين:
فقد جاء في (عمدة القاري في شرح البخاري) للعيني، في شرح قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (أشد الناس عذابًا يوم القيامة المصورون)، ومقارنة بقوله -تعالى: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ (غافر: 46).
قوله: «أجاب الطبري: بأن المراد هنا من يصور ما يعبد من دون الله تعالى، وهو عارف بذلك قاصد له، فإنه يكفر بذلك، فلا يبعد أن يدخل مدخل آل فرعون، وأما من لا يقصد ذلك فإنه يكون عاصيًا فقط، وقال القرطبي: إن الناس الذين أضيف إليهم (أشد) لا يراد بهم كل الناس، بل بعضهم، وهم الذين شاركوا في المعنى المتوعد عليه بالعذاب؛ ففرعون أشد الناس الذين ادعوا الإلهية عذابًا، ومن يقتدي به في ضلالة كفره أشد عذابًا ممن يقتدي به في ضلالة فسقه، ومن صور صورة ذات روح للعبادة أشد عذابًا ممن يصورها لا للعبادة».
ويقول العيني في شرح :(ومن أظلم ممن ذهب يخلق): أي ولا أحد أظلم ممن قصد حال كونه يخلق -أي يصنع ويقدر كخلقي، فإن قلت كيف التشبيه في قوله: (كخلقي)، قلت: التشبيه لا عموم له: يعني كخلقي في فعل الصورة، لا من كل الوجوه، وإن قيل: الكافر أظلم منه، أجيب بأن الذي يصور الصنم للعبادة هو كافر، فهو هو أو يزيد.
وقال في قوله :(وليس بنافخ) أي لا يقدر على النفخ، فيعذب بتكليف ما لا يطاق، وقال شيخنا زين الدين -رحمه الله-: فيه دلالة على أن المصور لا ينقطع تعذيبه؛ لأنه ينفخ في تلك الصورة الروح، وجعل غاية عذابه إلى أن ينفخ في تلك الصورة الروح، وأخبر أنه ليس بنافخ فيها، وهذا يقتضي تخليده في النار -كقول المعتزلة- ثم أجاب بأن هذا محمول على من يكفر بالتصوير، كالذي يصور الأصنام لتعبد من دون الله، فإنه كفر.
-ويستثني من تحريم الصور المجسدة أو ما له ظل عدة أشياء:
1- لعب البنات الصغار:
لما روينا، ويقاس عليها لعب الأطفال عامة، وما يستخدم لتعليم الصغار، ولعبهم على أن لا يكون فيها محرم كصور الأصنام، وما كان أو لا زال يعبد كتماثيل بوذا، أو المسيح، أو الصليب، أو كتماثيل الملائكة، وصورهم، أو صور الأنبياء، فكل ذلك غير جائز، ولا يدخل في (لعب الأطفال) المسموح بها، ولقد قاس بعض الفقهاء حديثًا، مسرح الظل والعرائس على لعب البنات، لا سيما أن تلك التماثيل مخرقة غير كاملة، ولا تقوم بها حياة.
2-ما لا يشبه الحيوان:
فإن نقشه، أو حفره، أو نحته جائز إجماعاً.
3- المجسمات المعمولة لقصد التعليم:
كما في الهياكل العظمية للإنسان، والحيوان، وتماثيل الأعضاء، والحيوانات المصبرة، على أن يقتصر ذلك على مجالات العلم وأماكنه، وبمقدار الحاجة الداعية لها.
ولا بد لنا هنا من الإشارة إلى أمرين هامين: أولهما هو أن النصب -وهي حجارة تنصب وتعبد من دون الله، ولا يشترط بالضرورة أن تكون على هيئة ذي روح، وقد تكون منحوتة أو لا- هذه النصب أو الأنصاب لها حكم الأصنام والتماثيل المحرمة، ويلحق بها كل رمز أو شكل يوضع للعبادة، أو التعظيم، أو يرمز لديانة وثنية، كالصليب، وحدوة الفرس، وبعض التمائم والأنصاب التي تمتلئ بها الساحات العامة في بعض المناطق.
والثاني: أنه كما يحرم صنع التماثيل والأصنام يحرم اتخاذها حتى ولو للزينة أو الديكور، كما يحرم اقتناؤها، وإنه لمن البدع الخبيثة ما تمتلئ به المتاحف في وقتنا الحاضر من تماثيل وأوثان تحفظ وتصان، وتنفق الأموال الطائلة في نقلها وحراستها وحفظها بحجة أنها من الآثار، والواقع أن هذه الآثار الكفرية يجب أن تحطم وتزال، ولا يجوز الإبقاء عليها؛ لأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- حطم الأوثان، وطهر الكعبة منها، ولم يحتفظ بشيء منها على سبيل التذكار أو الاعتبار أو للتاريخ، وقد روى مسلم، وأبو داوود، والترمذي، وأحمد قول على -رضي الله عنه- لأبي الهياج الأسدي : (ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: أن لا تدع تمثالًا إلا طمسته، ولا قبرًا مشرفًا إلا سويته، وفي رواية : ولا صورة إلا طمستها).
ومن القبائح أيضًا طبع صور هذه الأصنام على الأوراق النقدية، والطوابع، وملصقات الدعاية والإعلان، أو عمل نسخ تذكارية منها، وغير ذلك مما هو من آثار الوثنية والحفاظ عليها.
ثانيًا- الإجماع على إباحة تصوير ما ليس بذي روح إلا ما روي عن مجاهد -رحمه الله- من كراهة تصوير ما يثمر من الأشجار، وقد بينا دليله وحجة الجمهور.
ثالثًا- الصور الحيوانية الكاملة غير ذات الظل (أي المرسومة، أو المرقومة، أو المطبوعة):
1-فإن كانت في غير ممتهن منعت عند الحنفية، والشافعية، والحنابلة، وكرهت عند المالكية، وأبيحت عند بعض السلف، والقاسم بن محمد، أحد فقهاء المدينة المنورة.
2-وإن كانت في ممتهن أبیحت عند المالكية، والحنفية، والشافعية، إلا أن المالكية قالوا: لا تكره، ولكنها خلاف الأولى.
مناقشات في العلة:
ولو أننا ذهبنا نستقصي العلل التي أوردتها أحاديث التصوير، أو التي فهمها الفقهاء من هذه الأحاديث، وبنوا عليها أحكامهم، لوجدنا أنها منحصرة فيما يلي:
- المضاهاة: (وهي المماثلة)، وإليها استند من يحرم التصوير بشكل عام، ذلك أنهم اعتبروا المصور يخلق كخلق الله -تعالى-، واستندوا إلى الحديث القدسي: (ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي)، ولكن هذه العلة غير كافية، فإن الشجر، والبحار، والجبال من خلق الله تعالى، ولم يقل أحد بتحريم تصويرها، أو رسمها، أو نحت ما يشبهها، وبدليل حديث ابن عباس المار ذكره، فتبين من ذلك أن المضاهاة مقتصرة على تصوير ذوات الروح، وخاصة في التماثيل، والمنحوتات وخاصة مع اعتقاد فاعلها أنه مبدع خالق، كما ينقل عن المثال الإيطالي المشهور (ميكائيل أنجلو) أنه بعد أن أتم نحت تمثال (موسى) الضخم رمى المطرقة في وجهه، وقال له :(تكلم).
وفي مدونة سحنون أكان مالك يكره أن يصلي الرجل إلى قبلة فيها تماثيل، قال: كره الكنائس لوضع التماثيل، فهذا عنده لا شك أشد من ذلك، قال ابن القاسم: سألت مالكًا عن التماثيل في الأسرة، والقباب، والمنابر، قال: هذا مكروه؛ لأن هذه خلقت خلقًا؛ أي أن فاعلها يعد مصورًا.
ولذلك نرى إجماع الفقهاء على تحريم التماثيل المجسدة؛ لأن علة المضاهاة ظاهرة فيها، ولكنهم لم يجدوا المضاهاة واضحة، أو علة كافية في غيرها من الرسوم والرقوم ما لم تكن موضوعة، أو مرفوعة بقصد التعظيم أو العبادة، ولذلك قال الفقهاء بأن مقطوع الرأس، أو المجزأ بحيث لا تقوم به حياة لا يحرم.
2-التعظيم والعبادة، وقد مر بيان هذه العلة، وبينا أن التعظيم أعم من العبادة، ولذلك فهو علة كافية للتحريم حيثما وجدت، وكذلك العبادة؛ لأنها أشد التعظيم، فلو أن صورة ممتهنة في بساط سجد عليها المصلي، كان ذلك غير جائز لما فيه من شبهة التعظيم، ولو كانت تحت قدميه فلا بأس.
للبحث صلة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل