; الإسلام.. والحكومة الدينية (٤) الدولة الإسلامية.. في السلم والحرب | مجلة المجتمع

العنوان الإسلام.. والحكومة الدينية (٤) الدولة الإسلامية.. في السلم والحرب

الكاتب عمر التلمساني

تاريخ النشر الجمعة 23-مارس-2012

مشاهدات 54

نشر في العدد 1994

نشر في الصفحة 46

الجمعة 23-مارس-2012

الحكومة الإسلامية، التي تعرف واجبها، وتقدر مهمتها، تأخذ الإسلام على أنه عمل جاد، ودأب متواصل لتقيم حضارة فاضلة عزيزة منيعة مليئة بالروحانيات والأخلاق، وليسود في العالم سلام ضلت طريقه كل الدول التي تتغنى بأمجادها وتاريخها، وكأنما الإسلام لا أمجاد له ولا تاريخ! 

ما أتعس حظ أمة يتنكر بعض مفكريها لأدوارها الماجدة في هذه الحياة، يتنكرون لأمة حافظت على الحضارات القديمة، بترجمتها لكتب المنطق والاجتماع والفلسفة، التي أوصلت الغرب إلى ما هو عليه، بعد أن أهملنا كل أسباب العزة والإبداع، وليس للإسلام ذنب في ضعف أبنائه؛ لأنهم هم الذين تنكروا لتعاليمه فعمهم الضعف والفقر والمرض.

دراسة للأستاذ عمر التلمساني يرحمه الله

لم يحدثنا التاريخ عن أمة رحيمة مجيدة في تعاملها مع محاربيها مثلما حدثنا عن الحكومات الإسلامية

الحكومة الإسلامية لا تحارب إلا دفاعا عن حقها في تبليغ كلمة الله إلى الناس.. وفي حربها لا تتجاوز المعنويات الإنسانية الحقة

لم يحدثنا التاريخ عن أمة رحيمة مجيدة ما حدثنا عن الحكومات الإسلامية في تعاملها مع خصومها ومحاربيها، إن الحكومة الإسلامية إذا حاربت لم تحارب إلا دفاعًا: حقها في تبليغ كلمة الله إلى الناس أجمعين وفي حربها لا تتجاوز المعنويات الإنسانية الحقة، فهي تدفع الأعداء بمثل ما اعتدوا به بلا إمعان في الانتقام، لا تنتهك حرمة ولا تعتدي على عرض ولا تتبع الفارين ولا تجهز على المجروحين، ولا تعذب المأسورين من الذي لا يرضى عن قيام حكومة إسلامية على هذا الغرار إلا عديم الإحساس، سقيم الوجدان؟!

تشريع إلهي

ما الذي يزعجهم من قيام حكومة إسلامية تطبق دستورا لا يميل مع الأهواء ولا يخضع للنزوات والأغراض؟

لا توجد أقلية تستمتع بما تستمتع به الأقليات من حقوق في ظل الحكومة الإسلامية

ما الذي يزعجكم من قيام حكومة إسلامية تطبق دستورًا لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، دستورًا لا يميل مع الأهواء، ولا يخضع للنزوات والأغراض. تنزيل من لدن حكيم عليم، إن ترك التشريع للبشر ظلم ما بعده ظلم، ذلك أن الظلم من شيم النفوس، فإذا شرع الفرد، فهو ناظر إلى مصلحته أو مصلحة طبقته، أما شرع الله فهو لمصلحة البشر جميعهم، مسلمهم وغير مسلمهم ليسود السلام في ظل سيادة العقيدة.

إن الفرد معرض للجهل أو الحمق أو الغرور أو التعصب أو الظلم، فأي ضمان لترك التشريع لمن هذا هو حاله؟ لقد قامت في مصر دساتير وضعية أنكرها الجميع أو الأغلبية الساحقة، ثم ألغيت دستورا بعد دستور، وكل حاكم يأتي بدستور يمكن له في الحكم، ويفرده بالتصرف في شؤون الرعية مهما ذكر فيه من حرية وأمان، ولقد ذقنا الأمرين من كل هذه الدساتير، هل يترك التشريع لعامة الناس، ولهم أهواء، وفيهم شطحات، وبينهم خلاف، وهم أوزاع فمن أين تأتي عدالة التشريع في مثل هذه الصورة؟ ايترك التشريع لمجلس الشعب، وفيه الـ ٥١٪ وال٤٩٪ من يضمن عدم تحكم فريق ضد فريق؟ ولقد لمسنا بأنفسنا، ما عادت به هذه النسب من عداوات بين أهل الوطن الواحد، كل ذلك بحجة تذويب الفوارق، وتكافؤ الفرص والقضاء على تفاوت الطبقات وهي التي حرص الإسلام على تثبيتها وتدعيمها بأعدل تشريع وأدق نظام.

بساتين الحرية

ومن هنا يتبين وجوب أن يكون التشريع صادرا من جهة لا تظلم ولا تحابي إنها الذات العلية التي أوجدت هذا الكون بما ومن فيه، ذات علية تعلم ما يضر وما ينفع. ذات لا تنزل إلى الأرض ولكنها ترسل الرسل ومعهم الكتب والموازين التي تخرج الناس من أدغال الاستبداد إلى بساتين الحرية والأمان تخرجهم من الاستعلاء إلى المساواة، ومن الأثرة إلى الإيثار، ومن الكسل إلى العمل، ومن التواكل إلى التوكل، ومن الخيانة إلى الأمانة ومن الحضيض إلى القمة ومن الذلة إلى العزة، أليس من صالح الناس، ألا تتحكم طبقة في طبقة؟ أليس من صالح الشعوب والأمم أن يتوحد مصدر تشريعها، حتى لا تتخالف أهواؤها، وتقوم المنازعات والحروب بينها؟ ما عيب حكومة إسلامية تسير هذا السير الحميد؟! أهذا خير أم التقلب في مختلف الدساتير بين حين وحين؟! أنرضى بالخضوع لبشر مثلنا، ونتعالى على الخضوع لمن خلقنا ورزقنا وأبدع تكويننا، وفي يده وتحت سلطانه كل شيء 15 كيف تفكرون يا جهابذة؟! 

إدارة المال

إن المال الذي من أجله يتحارب الناس قد بين إدارته والتصرف فيه صاحبه، وحدد للحكومة الإسلامية وجوه الإنفاق والتداول والتعامل إن كان في يدها أو يد أحد أفراد من شعبها، لقد قرر الله في كتابه أن المال مال الله، وأن الناس مستخلفون فيه، فهو إذا حق لكل أفراد الشعب وفيه حق معلوم، للسائل والمحروم، وبهذا تندك حجة الرأسماليين والاشتراكيين والشيوعيين أو ما شئت من أسماء ومسميات هذا المال الذي تستبيح من أجله الحكومات الظالمة كل حق وعدل، وفق أهواء حكامها ونزواتهم.. دماء وحروب وظلم واغتصاب واستبداد وخراب وتدمير.

إن هذا المال ملك للغني الحميد، والحكومة الإسلامية تلتزم بما يأمر به صاحب التشريع العليم الخبير فالعدالة إذا قائمة، والاجتهاد الفردي له ضوابطه.. يغتني الغني كما يشاء ما دام يغتني من حلال، ويتصرف فيه كما يشاء حسبما يروق له ويحلو، ما دام يؤدي حق الله فيه بلا سرف ولا إسراف، ولا رعونة ولا جهالة، وينبني على ذلك أنه ليس في ظل حكم الحكومة الإسلامية فقر مدقع أو مجاعات؛ لأنه إذا جاع المسلمون فلا مال لأحد أإن قامت فينا حكومة إسلامية على أساس من هذا المنهاج الجليل الجميل نشكو لطوب الأرض، من خطر قيام حكومة إسلامية؟! ترى ماذا أقول لكم، وأنا الحريص على مشاعركم، المصدق لإسلامكم إني لا أطالبكم إلا بشيء من الإنصاف، والتجرد من كل دافع، إلا ابتغاء وجه الله.

بكاء دون مبرر

في كل دولة من دول العالم أقليات فهل يمكن للباكين أن يتحدوني بأن هناك أقلية تستمتع بما تستمتع به الأقليات في ظل الحكومة الإسلامية؟ أم أنهم بيكون دون مبرر للبكاء؟ إني لا أتعرض لنياتهم، فذلك أمر مرده إلى الذي يعلم السر وأخفى، ولكني لا أرضى لهم هذا البكاء، وهذا من حقي، إعمالا الحرية الرأي التي بلغت في ظل الحكومات الإسلامية مستوى لن ترقى إليه مجتمعات اليوم وذلك أن القوي الأقوى الكبير الأكبر الذي لا حد لقدرته وسلطانه، ترك الحرية المطلقة لعباده الذين خلقهم ورزقهم في الإيمان به أو عدم الإيمان به فقال: ﴿فمن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ﴾ (الكهف:٢٩)، وليس بعد هذا حرية لإنسان إن الأقليات منذ بدء التاريخ إلى اليوم، لم تسعد بأمن واستقرار وحرية عبادة، وحرية معاملات شخصية ومالية وعقيدية، كالذي سعدت بها في ظل الحكومات الإسلامية، ولولا الإسلام وحكوماته، لما بقي يهودي واحد على وجه الأرض في العصور الوسطى، هل هناك دولة قوية متحضرة بها أقلية مسلمة، عينت مسلمًا وزيرا من بين وزرائها؟ ولكننا نرى في ظل الحكومات الإسلامية مسيحيين أو أرمن تولوا رئاسة الوزارة والوزارات ورئاسة مجلس النواب، وتملكوا العديد من العمارات والآلاف من الأفدنة، بل لا أكون مغاليا إذا قلت: إنه جاء وقت على مصر كان كل المستوردين للأقمشة بالجملة، كانوا جميعًا من اليهود. 

تكافؤ فرص

إن القانون الذي يُطبق على الأغلبية هو هو بحذافيره الذي يُطبق على الأقليات في تكافؤ الفرص وتولي الوظائف من أصغرها إلى أكبرها، بلا تفرقة ولا تمييز ولا إجحاف، إنك لترى عشرات المسلمين في مكاتب وعيادات ومستشفيات المسيحيين بلا حساسية، إذا اعتدى مسلم على غير مسلم عوقب بمثل ما يُعاقب في اعتدائه على مسلم.

وقد روى الحسين بن محمد أن رسول الله قتل مسلمًا بكافر، وقد ضرب عمر بن الخطاب ابن والي مصر، لأنه ضرب قبطيا، هذا إلى أن الحكومات الإسلامية قمة في تنفيذ المعاهدات والالتزام بمراقبة بنودها نصًا وروحًا. لقد أمرنا قرآننا أن ننبذ إليهم على سواء وأن نوفي بالعقود أيا كانت هوية الذي تعاقدنا معه أو عاهدناه ووفاء الرسول صلى الله عليه وسلم ببنود صلح الحديبية أكبر شاهد على ذلك.

الرابط المختصر :