العنوان الإسلام والغرب.. أحقاد متبادلة أم مصالح مشتركة؟
الكاتب مصطفي الطحان
تاريخ النشر الثلاثاء 01-فبراير-1994
مشاهدات 54
نشر في العدد 1086
نشر في الصفحة 32
الثلاثاء 01-فبراير-1994
يبدو العالم اليوم وكأنه يعيش هاجس الأصولية الإسلامية.. يتناقل أخبارها.. ويحذر من تطرفها ومخاطرها.. ولا يقتصر الأمر على بلدان الشرق الأوسط. أو بلدان العالم الإسلامي فقط بل تعداه إلى دول الغرب.. التي تعتبر نفسها المسؤولة عن نظام العالم وخاصة هذا الجزء من العالم الذي تزدحم فيه مصالحها وتعتبره من مناطق نفوذها.. والغرب قلق تجاه الظاهرة.. لا يكاد يستقر على رأي.. ولم يتضح له موقف بعدُ.
فهناك الرواسب الصليبية التي تحركه بحقد تجاه كل تحرك إسلامي مهما بدا عقلانيًا هادئًا مسالمًا.
وهناك المصالح المادية التي تدفع الغرب إلى التفاهم مع الأصوليين بعد أن بدا لكل ذي عينين أن الإرهاب والقتل والسجن والمعتقلات لم يفد كثيرًا في إفنائهم.. بل نشّط حركتهم وزاد من إقبال الناس عليهم.. ويضرب الغرب مثالًا على ذلك أن عددًا من الأنظمة الإسلامية يحسن التعامل مع الغرب منذ أمد بعيد ويحقق له مصالحة كاملة.
وبين هذين الفريقين: الفريق الذي يحركه حقده.. والفريق الذي يحاول طريقًا مغايرًا مدفوعًا بمصالحه.. بينهما يتحرك الإعلام والمؤسسات ومخططو سياسات المنطقة وإسرائيل والكنيسة والاستخبارات.. فلا يكاد يمر أسبوع من دون صدور كتاب أو عقد ندوة أو تنظيم حلقة دراسية في الجامعات تتناول العالم الإسلامي ماضيًا وحاضرًا ومستقبل الصحوة الإسلامية.. وكيف للغرب أن يتعامل معها.
كيف تطرح هذه الندوات القضية؟
على مدى ثلاثة أيام جرت أعمال مؤتمر أثينا (20/٤/1992م) تحت عنوان أوروبا والمتوسط في ظل نظام عالمي جديد، ولقد شارك في تنظيم المؤتمر والإنفاق عليه مؤسسة فورم السويسرية.. من أهم بحوث المؤتمر التي أثارتها دول الشمال «أي أوروبا» قضية المد الإسلامي أو التعصب الإسلامي.. وقد أثارها عدد من المتحدثين على أنه أحد عوامل عدم الاستقرار في المنطقة.
ونظمت القناة الرابعة في التلفزيون البريطاني (13/٦/1992م) ندوة شارك فيها خبراء سياسيون وأساتذة جامعات وكتاب وصحفيون.. والقضية الرئيسية التي طرحت على بساط البحث هي: هل سيكون الإسلام اللحمة التي تجمع أركان العالم الإسلامي الشاسع؟ والأداة التي يدافع المسلمون بها عن أنفسهم ضد الغرب أو يهاجمونه بواسطتها؟ وتساءل المشاركون عن أسباب فقدان حرية التعبير في العالم الإسلامي والعداء للديمقراطية، وتساءلوا: هل الإسلام مسؤول عن ذلك؟
على مدى يومين عقدت في روما ندوة (14/٧/1992م) حول: الاتصالات عبر المتوسط.. نظم الندوة مؤسسة آرتشي للثقافة والتنمية بالتعاون مع وزارة الخارجية الإيطالية وشارك فيها عشرات من الصحافيين العرب من تونس والجزائر والمغرب وفلسطين وسوريا ومصر وتركيا وصحافيون أوروبيون من إيطاليا وفرنسا وإسبانيا.
صحافي إيطالي ركز على الظروف التي تعيشها شعوب المنطقة وكيف أصيبت بخيبة أمل ومرارة من جرّاء سياسات أنظمتها العسكرية التي حاولت أن تطمس ثقافة الشعوب الإسلامية وعاداتها. وقال إن الإسلام هو عامل ثقافي ولا يمكن للغربيين أن يفهموا ذلك فهم يحاكمون القضايا من خلال مقاييسهم هم.. ودعا الإعلام الأوروبي للتخلي نهائيًّا عن ظاهرة الاستعمار الثقافي التي ما زالت تدغدغ أحلام البعض.
البروفيسور الجزائري محمد أركون تحدث في الندوة فقال: إن على أوربا أن تعيد النظر في فهمها لهوية بلدان المغرب العربي عليها أن تضع حدًّا لهذا الوحش الأيديولوجي الذي خلقته في تعاملها مع ظاهرة الأصولية وتفسيرها لدور الدين الإسلامي في حياة هذه الشعوب وثقافتها، وأعطى مثالًا على ذلك مئات الكتب والمؤلفات والنشرات التي تغص بهامكتبات أوروبا والتي تشوه الإسلام وما يطرح من قيم ومفاهيم.
وتحت شعار «الإسلام والغرب.. تعاون لا مواجهة» عقد مؤتمر دولي (26/١٠/1993م) في العاصمة الأمريكية حضره العديد من المفكرين المسلمين منهم البروفيسور خورشید أحمد والأستاذ كامل الشريف والدكتور إعجاز كيلاني والدكتور ماهر حتحوت مدير المركز الإسلامي في لوس أنجلوس وفضيل الأمين السكرتير العام للمجلس الأمريكي والدكتور محمد شيما رئيس المجلس الإسلامي الأمريكي وغيرهم.. ومن الأمريكان حضر السيد «لي هاملتون» رئيس لجنة الشؤون الخارجية في الكونجرس والسيد روبرت تورشيلي والسناتور تشارلز بيرس وغيرهم.
والمؤتمر هو الأول من نوعه الذي يعقده المسلمون لطرح المفهوم الصحيح للإسلام على مفكري الغرب.. بعدما استطاع اللوبي الصهيوني أن يقود حملة تشويه كبيرة ضد الإسلام والمسلمين.. جعلت مفهوم الإسلام لدى الأمريكيين هو الإرهاب.
لقد كان الحوار مفيدًا وكان تأكيد «لي هاملتون» أن هناك مصلحة مشتركة في الإصلاح السياسي والانفتاح بين أمريكا والشعوب الإسلامية.
ولكن هل يستشعر المسلمون الظلم في إطار هذه العلاقة؟
إذا نظر المسلم أمامه.. وتجول بفكره فيما حوله فماذا يرى؟
يرى الغارات الإسرائيلية تدمر كل يوم جنوب لبنان والمسلم الجنوبي يصرخ من الظلم ولا من مجيب.
ويرى اليهود يتجمعون من كل آفاق الدنيا فيقيمون وطنًا لهم على أنقاض وطن شعب آخر، ويقتلون الناس ويشردونهم ويهدمون بيوتهم.. ويصرخ الفلسطيني من الظلم فلايجيبه أحد.
في بورما يتعرض المسلمون للقتل والضرب والاغتصاب والسخرة والتشريد والعصابة العسكرية التي تحكم البلد تشن حربها على مسلمي البلاد فلا يسمع صوتهم أحد.
الأقليات المسلمة في أوربا «الدول التي تزعم التحضر» تتعرض للضغط والتضييق يطرد أبناؤها من المدارس، يهاجم المتطرفون والنازيون الجدد بيوتهم يعتدون ويدمرون ويقتلون.. ومع ذلك فالمسلمون متطرفون!
*مأساة العصر.. في البوسنة حيث يذبح شعب كامل يقتل الرجال وتغتصب النساء ويحرق كل شيء.. ومن نجا منهم تشرد في أنحاء العالم.
الأقليات المسلمة في أفريقيا، الأكثريات الإسلامية في دول آسيا الوسطى التي استقلت حديثًا.. كلها بدون استثناء تتعرض للإبادة.. مثل الوباء يتشاورون فيما بينهم عن كيفية القضاء عليه.
وحتى أولئك الذين يدخلون الإسلام من الأوربيين يضعونهم في نفس خانة العداء.. ولفرند هوفمان سفير ألمانيا لدى المملكة المغربية اعتنق الإسلام منذ عشر سنوات، وهو يتعرض الآن لضغط شديد للاستقالة من عمله بسبب مواقفه المؤيدة والمدافعة عن الإسلام فقد أصدر كتابًا بعنوان «الإسلام هو البديل» دافع فيه عن الإسلام وتصدى للشبهات التي تثار ضده، وقد اتهم مسئولون ألمان هوفمان بمعارضة الدستور الألماني وطالب نائب رئيس حزب الديمقراطيين الاشتراكيين بفصله من وظيفته كسفير لألمانيا لدى المغرب بحجة أن هوفمان لم يعد يمثل ألمانيا.
الغرب لا يكلّ من مطالبة العرب والمسلمين بالديمقراطية، فلما فاز الإسلاميون في الجزائر وتونس ومصر وغيرها في ديمقراطية صندوق الاقتراع.. بارك الغرب سحقهم فهم ديمقراطيون ولكنهم يحاربون الديمقراطية.. معادلة لا يفهمها إلا الراسخون في فن التآمر.
حيث التفت المسلم يجد:
أن الدم المباح، والعرض المغتصب، والأرض الحزينة، والأطفال المشردين، والقيم المسحوقة، والتاريخ المعتدى عليه، والمؤامرات المتواصلة، والأحقاد المستقرة.. كلها تعمل دفعة واحدة ضد المسلمين..
فهل بعد ذلك نستغرب إذا استشعر المسلم الظلم في ظل العلاقة مع الغرب؟
الحلف الأطلسي لا يحل نفسه في أعقاب سقوط المارد الشيوعي وعندما يسأل قادته يقولون: ما زال الخطر الإسلامي ماثلًا وهو لا يقل خطورة عن الشيوعية.
الواشنطن بوست تقول: الحرب الباردة ما كانت تنتهي حتى بدأ البحث عن عدو عالمي تستطيع الولايات المتحدة محورة سياساتها الخارجية عليه. اليابان تقدم نفسها «كعدو محتمل» إلا أن ما يتصدر رأس القائمة وهو عدو يعتمد عليه هو الإسلام الأصولي (20/۳/92).
التايم الأمريكية تقول إن الإسلام هو التهديد الجديد في الحقبة القادمة للديمقراطية الغربية. وترد المجلة على مقولة: إن موقف المسلمين من الغرب يعود لشعورهم بالإذلال إبان فترة الاستعمار الغربي لبلادهم، فتقول: إذا كان المسلمون يرون أنفسهم اليوم ضحايا للغرب فإنه على مدى معظم تاريخهم كانت المسيحية هي التي تحت الحصار.. استولوا على إسبانيا والقسطنطينية وساروا عبر البلقان حتى الباب الخلفي لأوروبا. وتستطرد التايم فتقول: لا يوجد فرق بين معتدلين ومتشددين فكلهم مسلمون (1996/6/16).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل