العنوان الحوار العربي الأوروبي.. لماذا وإلى أين؟
الكاتب عبدالله الصالح
تاريخ النشر الثلاثاء 04-مارس-1980
مشاهدات 75
نشر في العدد 472
نشر في الصفحة 14
الثلاثاء 04-مارس-1980
• الدول الأوروبية الاستعمارية ظلت تستنزف خيرات هذه الأمة
• الحوار العربي الأوروبي هل يحل قضية فلسطين؟!
• موقف الدول الأوروبية لم يتغير منذ بدء الحوار وللآن!
مع الإعلان عن اجتماعات الخبراء العرب في لجنة الحوار العربي الأوروبي بالجامعة العربية خلال الفترة 24-27 فبراير 1980، يكون قد مضى على بروز فكرة الحوار عام 1973 وتكوين اللجان المختصة بذلك حوالي سبع سنوات. تعرض الحوار خلالها لفترات اندفاع وتعرض أحيانًا للجمود بل تعرض للتوقف وبمناسبة زيارة الرئيس الفرنسي للكويت فإنه من المحتمل أن يعاود الحوار نشاطه. ومن هنا تبرز أهمية السؤالين: لماذا الحوار؟ وإلى أين؟ ولما كان هذا الحوار ستنعكس نتائجه على الأمة الإسلامية بأسرها كان لا بد لنا من وقفة موضوعية مع الحوار لنتبين السبيل الحق ونسير عليها بأمان.
أطراف الحوار هم أعداء هذه الأمة
وأول ما ينبغي تذكره جيدًا، أن جميع أعضاء الطرف الأوروبي في الحوار -باستثناءات قليلة- هم أعداء تاريخيون لهذه الأمة. وقد سبق لهذه الدول أن استعمرت معظم دول العالم الإسلامي لسنوات طويلة، استنزفت خلالها ثروات الشعوب الإسلامية وعملت على محاربة عقيدتها الإسلامية، وخلق الإحن والثارات بين هذه الشعوب، بحيث يصعب اجتماع كلمتها وتوحدها. ولو عدنا إلى التاريخ لوجدنا أن الحروب الصليبية خير مثال على نظرة الدول الأوروبية إلى الشعوب المسلمة.
ففي عام 1073 وقف البابا أوريابو الثاني أمام المجلس الكنائسيفي كلير موند ليقول «سيروا إلى المشرق وانتزعوا تلك الأرض من الوحوش الذين استولوا على أقاليم وهبها الله إلى بني إسرائيل»!
ولسنا هنا بصدد كشف العداء الأوروبي للمسلمين، إنما نريد أن نشير إليه لأهميته في مسيرة الحوار، ولا أظن أحدًا من المسلمين ينسى أن هذه الدول -بلا استثناء- أيدت ودعمت إسرائيل منذ قيامها عام 1948 وحتى الوقت الحاضر.
ماذا يعني الحوار؟
فإذا كان هذا هو حال الدول الأوروبية مع المسلمين، فلماذا إذن برزت فكرة الحوار؟ وما هي الظروف التي أنضجت فكرته؟
وقبل أن نشرع بالإجابة على هذا التساؤل، يحسن بنا أن نوضح المقصود بالحوار.
الحوار بالمعنى اللغوي ببساطة الحديث بين اثنين أو أكثر. وفي المفهوم الاجتماعي والسياسي يمكن القول إن الحوار عبارة عن علاقة تعبر عن نضج اجتماعي وإنساني من حيث القدرة على الانفتاح والتفاعل مع أطراف أخرى. وللإيضاح نقول إن الحوار يفترض ثلاث ركائز موضوعية ونفسية هي:
1- الإقرار بوجود أطراف أخرى.
2- الاعتراف بوجود مصالح مشتركة وبأهمية هذه المصالح.
3- القدرة على التوفيق بين هذه المصالح (انظر السياسة الدولية عدد 37).
ومن الناحية العملية فإن الحوار العربي الأوروبي يعني ذلك الحوار الذي بدأ عام 1973 تقريبًا بين مجموعة الدول العربية العشرين الأعضاء في الجامعة العربية، وبين دول المجموعة الاقتصادية الأوروبية التسع وهي فرنسا وبريطانيا وإيطاليا وألمانيا وهولندا والدنمارك وأيرلندا والنمسا واللوكسمبورغ.
وقد بدأت الاتصالات بين الجانبين منذ صدور بيان 6 نوفمبر 1973 الذي أشارت فيه دول المجموعة إلى أنه يجب اعتبار الحقوق المشروعة للفلسطينيين في أي تسوية سلمية شاملة لأزمة الشرق الأوسط.
ولكن الاجتماع الرسمي الذي بحث فيه موضوع الحوار جرى يوم 31/7/74 في باريس حضره وزير خارجية فرنسا ورئيس لجنة المجموعة ووزير خارجية الكويت والأمين العام للجامعة العربية. ومنذ ذلك الحين تشكلت لجنة عامة للحوار- ولجنة للخبراء اجتمعتا مرات عدة.
لماذا كان الحوار؟
ولو عدنا إلى الظروف والملابسات السياسية التي برزت من خلال فكرة الحوار وهي أوائل السبعينيات، لأمكننا القول بأن الأسباب التي دفعت الجانب الأوروبي إلى المناداة بفكرة الحوار مع العالم العربي هي ما يلي:
1- تبلور أهمية العالم العربي كوحدة سياسية تتمتع بموقع استراتيجي وثروة اقتصادية هائلة، فضلًا عن كونه سوقًا كبيرة للسلع الأوروبية.
2- تحقيق سيطرة الدول المصدرة للنفط ومعظمها عربية على سياسات الإنتاج والأسعار ووحدة الكلمة من خلال الأوبك الذي مكنها من فرض حظر نفطي عن الغرب في حرب أكتوبر 1973.
3- نمو الاتجاه الأوروبي الذي تتزعمه فرنسا والذي يطالب بسياسة أوروبية مستقلة عن القوتين العظميين.
4- الأزمة الاقتصادية التي تعاني منها المجموعة الاقتصادية الأوروبية، ورغبة هذه الدول التي تستورد 80% من استهلاكها من النفط الخام من النفط العربي في تأمين هذا المصدر، وأملها في أن تسهم الأموال النفطية في تنمية وتنشيط الاستثمارات الأوروبية.
ويلاحظ هنا أن الدافع الاقتصادي هو العامل الحاسم الذي دفع الجانب الأوروبي للبدء بالحوار.
أما الجانب العربي فقد كان العامل السياسي هو العامل الحاسم في الاندفاع إلى طريق الحوار، وهذا لا يعني إغفال العامل الاقتصادي الذي يتلخص في الحصول على الخبرة العملية التقنية للغرب. ويذكر هنا شعار «التكنولوجيا مقابل النفط». والمتتبع للمداولات التي جرت في الاجتماعات المختلفة سواء في اللجنة العامة، أو لجنة الخبراء للحوار العربي الأوروبي، يتبين له أن العالم العربي كان يركز باستمرار على العامل السياسي وبالذات الموقف الأوروبي من الصراع مع اليهود وحل أزمة الشرق الأوسط، فقد أراد العرب من هذه الدول أن تعترف بمنظمة التحرير الفلسطينية وأن تضغط على حليفتها الولايات المتحدة ليضغطا بدورهما على إسرائيل للاعتراف «بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني في العودة إلى أراضيه وتقرير مصيره بإقامة دولة له» كما يريد العرب من أوروبا أن تزودهم بالسلاح وأن تخفف من مساعداتها المادية والمعنوية لإسرائيل. كما يفكر بعض المسؤولين العرب بأنه إذا أمكن تحييد أوروبا أو تليين موقفها، فإنه من الممكن عن طريق الحوار والتعاون الاقتصادي معها إيجاد محور سياسي جديد بمعزل عن القوتين العظميين أمريكا وروسيا.
وبالمقارنة بين دوافع الجانبين العربي والأوروبي يتضح أن هناك تباينًا واختلافًا لا بد أن ينعكس على نتائج الحوار. وينطرح هنا سؤال في الحال: هل سينجح الحوار أم يفشل؟! والحقيقة أن الإجابة على هذا السؤال صعبة وتتطلب الانتظار ريثما يعاود الحوار نشاطه لنرى مدى التقدم الذي يحققه.
ملاحظات من واقع التجربة
وطالما أن الماضي لا بد أن يلقي ظلاله على الحاضر والمستقبل، فإن استخلاص الدروس والملاحظات من واقع تجربة الحوار، لا بد وأن تعطي مؤشرًا صحيحًا إلى حد ما، يهتدي به في الإجابة على السؤال المتعلق بمستقبل الحوار. ومن خلال تتبعنا لمداولات اجتماعات الخبراء الثلاث التي عقدت عام 1975 في كل من القاهرة (10-12/2/75) وروما (نهاية يوليو 1975) وأبو ظبي (نوفمبر 1975)، واجتماعات اللجنة العامة الأربع التي عقدت في لوكسمبرج في (18-21/5/76) وتونس (10-20/2/1977) وبروكسل (أكتوبر 1977) ودمشق (ديسمبر 1978). نقول من خلال تتبعنا لمداولات هذه الاجتماعات التي لا يمكننا استعراضها هنا، لأن ذلك يتطلب دراسة وافية، نورد هذه الملاحظات التي نعتبرها هامة في إلقاء الضوء على مستقبل الحوار.
1- تأجل الاجتماع الأول للجنة الحوار الذي كان مقررًا في شهر ديسمبر 1974 بسبب الموقف من التمثيل الفلسطيني، حيث أصر الجانب العربي على ذلك باعتبار أن فلسطين عضو في جامعة الدول العربية ومن حق منظمة التحرير الفلسطينية تمثيلها، الأمر الذي رفضته المجموعة الأوروبية، وهذه أول عقبة واجهت الحوار.
وهي من وجهة النظر العربية عقبة كبيرة لأن العرب كما أسلفنا ركزوا على العامل السياسي في الحوار، بل جعلوا الوصول بالموقف الأوروبي من حل القضية الفلسطينية حسب تصورهم هو الهدف الأساسي، وإذا كان الرد الأوروبي على هذا الهدف الأساسي بهذه الصورة فإن ذلك يعني إما يتوقف الحوار أو أن يستمر يتنازل من الطرفين. وكان الحل الوسط أن يستأنف الحوار على شكل مستوى الخبراء.
2- توصل الطرف الأوروبي إلى قرار باستئناف الحوار على مستوى الخبراء في اجتماع دبلن يوم 11/2/1975 وحدد موعد الاجتماع يوم 20/5/1975. وقد فوجئ الطرف العربي أنه قبل هذا التاريخ وبالذات يوم 11/5/1975 عقدت المجموعة الاقتصادية الأوروبية اتفاقًا تجاريًا مع إسرائيل تتمتع فيه بأفضلية جمركية.
وبدا أن هذا الأمر وكأنه الثمن الذي دفعه الجانب العربي مقابل اشتراك منظمة التحرير الفلسطينية في الحوار ابتداء من اجتماع الخبراء الأول الذي انعقد في القاهرة في يونيو 1975م. والذي نحب أن ننبه إليه هنا أن الموقف الأوروبي قد سجل موقفنا مبدئيًا من دعمه لدولة إسرائيل، ليشعروا الطرف العربي أن الإلحاح على تغيير الموقف السياسي الغربي تجاه إسرائيل هو أمر مستبعد.
3- ظلت بيانات الجانب الأوروبي تتغاضى أو تتجاهل الإجابة على البنود الأساسية في بيانات الجانب العربي، بل قد طلب الجانب الأوروبي صراحة أن يتم استبعاد الجانب السياسي من الحوار وأن يكون الحوار اقتصاديًا بالدرجة الأولى.
ولم يقر الطرف الأوروبي بالجانب السياسي إلا بعد اجتماع اللجنة العامة الأول، على أن الإشارة إلى الجانب السياسي ظلت ضئيلة في بياناتهم خلال الاجتماعات التالية.
4- إن الموقف الأوروبي السياسي من حل أزمة الشرق الأوسط الذي راهن الطرف العربي إلى نقله إلى جانبه ظل ثابتًا إلى حد ما، وظلت عبارات الطرف الأوروبي عامة غامضة، جعلت الطرف العربي يستفسر عما تعنيه في كل مرة.
باختصار يمكن القول إن الموقف الأوروبي منذ بيان 6 نوفمبر 1973 وحتى الوقت الحاضر ظل على ما هو عليه، وما تضمنه هذا البيان هو:
أ- عدم جواز الاستيلاء على الأراضي بالقوة.
ب- ضرورة أن تنهي إسرائيل احتلالها الإقليمي الذي تمارسه منذ نزاع عام 1967.
ج- احترام سيادة ووحدة أراضي واستقلال كل دولة في المنطقة وحقها في أن تعيش في سلام داخل حدود آمنة ومعترف بها.
د- الاعتراف بأنه يتعين في عملية إقامة السلام العادل والدائم أخذ الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني في الاعتبار.
ويلاحظ أن مضمون هذا البيان يكاد نسخه مرة أخرى من قرار مجلس الأمن رقم 242 الذي صدر في أعقاب حرب عام 1967.
5- إن البيانات التي صدرت عن الجانب الأوروبي التي اعتبرها الجانب العربي تنديدًا بسياسية إسرائيل التوسعية الاستيطانية لم تشر صراحة إلى إسرائيل من جهة، كما استخدمت تعبير «الهوم لاند» في الفقرة التي تقول بضرورة إقامة وطن للشعب الفلسطيني، وهذا المفهوم هو عين ما طرحه كارتر بعد استلامه الرئاسة الأمريكي.
6- ولكن هذا الموقف الأوروبي منذ بداية الحوار تعرض لامتحان بعد توقيع اتفاقيات «الكمب ديفيد» في شهر مارس 1979 حيث أصدرت المجموعة بيانًا في اليوم التالي لتوقيعها جاء فيه: «تتبعت (الدول التوسع) بأعظم اهتمام المفاوضات التي أسفرت عن توقيع الاتفاق بين مصر وإسرائيل، وهي مقدرة كامل التقدير لإرادة السلام التي حملت الرئيس كارتر على الاشتراك شخصيًا في المفاوضات» وأوضح البيان أن الدول التسع «تعتبر أن المعاهدة تشكل تطبيقًا صحيحًا لمبادئ تلك التسوية للعلاقات المصرية الإسرائيلية في حين أنه لا يزال هناك طريق صعب ينبغي اجتيازه قبل أن يتم تنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 242 بجميع أوجهه وعلى جميع الجبهات» وقد اعتبر هذا البيان بأنه ينسجم مع البيانات السابقة، لكنه لم يخف تقديره لخطوة «الكمب ديفيد» والسياسة الأمريكية تجاه أزمة الشرق الأوسط، وهذا ما كان يراهن عليه العرب فهل كسبوا الرهان؟!
7- وفي 18/6/1979 أصدرت دول المجموعة الاقتصادية الأوروبية بيانًا آخر حول أزمة الشرق الأوسط أكد على البيانات السابقة، وأشار صراحة إلى إدانة المستوطنات الإسرائيلية وأكد على «احترام سيادة واستقلال كل دولة في المنطقة وحقها في أن تعيش في سلام ضمن حدود آمنة ومعترف بها» ونحن نفهم أن المقصود بهذا إسرائيل لأنها الدولة الوحيدة التي لا يعترف بها أهل المنطقة رسميًا إلى الآن وقد لاحظ بعض المراقبين أن هذا البيان لم يشر لا من قريب ولا من بعيد لمنظمة التحرير ولا إلى قضية القدس. وهذا هو محور الطلب العربي آنذاك، كما أنه محور التحركات السياسية لمنظمة التحرير فيما بعد وللآن!!
والخلاصة أن الحوار العربي الأوروبي حتى الآن لم يحقق للطرف العربي أي هدف. والسبب في ذلك يعود برأينا إلى الموقف المبدئي لدول المجموعة الأوروبية من المسلمين بشكل عام وإسرائيل بشكل خاص، فضلًا عن أسباب أخرى تتعلق بمعارضة أمريكا وأنصارها في حلف الأطلسي فهذا الحوار من جهة، وإلى قصور الطرف العربي -لأسباب كثيرة- عن توظيف قوته الاقتصادية وعلاقاته التجارية مع أوروبا لتحييد السياسة الأوروبية على الأقل.
نظرة إسلامية
ونحن نرى هنا -من منطلقاتنا الفكرية الإسلامية- أنه إذا أريد للحوار أن ينجح فلا بد أن يكون قدر الإمكان يهتدي بهذه الإرشادات:
1- أن يتركز الحوار على الجانب الاقتصادي في المقام الأول بحيث لا يتم الإقرار على نمط معين من أنماط التعاون، إلا إذا تم التأكد من أنه يخدم الطرفين بنفس الدرجة.
2- وأن يتركز الحوار على التعاون بشكل أساسي حول تنمية العالم العربي تكنولوجيًا وأن يتم خلال فترة معينة الوصول إلى الاعتماد الذاتي إلى حد ما.
3- لا بد أن يتضمن الحوار كذلك التكنولوجيا العسكرية التي تحتكرها الدول الصناعية.
4- أن تتم جميع أشكال التعاون على أساس من العدل والإنصاف بعيدًا عن روح الاحتكار والتسلط.
5- إن الموقف الأوروبي من إسرائيل لن يغيره الإلحاح على الجانب السياسي في الحوار، ولكن تطور علاقاته مع العالم العربي والإسلامي هو الكفيل ربما مع الزمن إلى تغيير هذه النظرة، لذلك ينبغي التركيز على بناء البلدان العربية والإسلامية بحيث تشكل محورًا سياسيًا واستراتيجيًا عالميًا فاعلًا. وإذا تحقق هذا فإن مشكلة فلسطين وجميع مشاكل المسلمين سيهون حلها عندئذ.
6- وينبغي كذلك التركيز على الجانب الثقافي في الحوار لبيان فضل هذه الأمة على الحضارة الإنسانية.
ويجب أن لا يغيب عن البال أن أول خطوة في البناء هي البناء الاجتماعي على أساس من العقيدة والشريعة الإسلامية. فيا أولي الأمر في بلاد المسلمين هذه تذكرة إن كنتم غافلين، وهي نذير كذلك إن لم تتداركوا ما فات بحظر عظيم تسألون عنه في الدنيا عند شعوبكم، وتسألون عنها في الآخرة عند ربكم ويا لها من أسئلة صعبة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل