; الإسلام والغرب الصراع للبقاء.. أم الحوار للدعوة؟ (1 من 2) | مجلة المجتمع

العنوان الإسلام والغرب الصراع للبقاء.. أم الحوار للدعوة؟ (1 من 2)

الكاتب هشام العوضي

تاريخ النشر الثلاثاء 12-مارس-1996

مشاهدات 62

نشر في العدد 1191

نشر في الصفحة 44

الثلاثاء 12-مارس-1996

*البروفيسور هاليداي: القول بقوة الإسلام العسكرية كان صحيحًا قبل سقوط الدولة العثمانية «الخلافة».

منذ أن طرح صومئيل هانتنتون نظريته عن صراع الحضارات في مجلة «FOREIGN ARRAIRS» صيف ۱۹۹۳م والدراسات الغربية حول الموضوع تتوالى بين مؤيدة ومختلفة، ومع أن هانتنتون قد تناول في نظريته الصراع بين ست حضارات «هي الغربية، والإسلامية، واليابانية، والهندية، والكونفوشيوسية، والأمريكية اللاتينية، والسلافية الأرثوذوكسية، وربما الإفريقية»، إلا أن هذه الدراسات قد ركزت في مجملها على الصراع بين الحضارتين الغربية والإسلامية، وتتناول هذه الدراسة أهم الأطروحات التي صدرت هذا العام، بالإضافة إلى عرض لأهم الآراء السابقة حول الموضوع، وذلك لإعطاء القارئ فكرة عامة حول طبيعة الحوار الدائر بين المؤسسات الغربية التي تتناول الإسلام والحركات الإسلامية.

صدر في لندن مؤخرًا كتاب بعنوان «المعضلة الإسلاموية» «The Islamist Dilemma» أعده أكثر من عشرة خبراء، يتناول وضعية الحركات الإسلامية في دول مثل تونس، والجزائر، ومصر، والسودان...إلخ، وأهم المشكلات التي تواجهها هذه الحركات، بالإضافة إلى فصول أخرى تتعلق ببعض الإشكاليات في موضوعات اقتصادية وثقافية متنوعة.

وفي الفصل الأخير من الكتاب وتحت عنوان «تنامي الحركات الإسلامية والموقف الغربي: صراع حضارات أم صراع مصالح؟» ترصد شیرین هنتر -نائبة مدير برنامج الشرق الأوسط في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية بواشنطن- موقف الغرب من ظهور الحركات الإسلامية، وعما إذا كانت العلاقة بين الاثنين علاقة صراع بين الحضارتين أم صراع بين المصالح؟ (۱)، وكأن هنتر قد اختارت من وراء هذا العنوان تحديد الإجابة من البداية من خلال حصر العلاقة في دائرة «الصراع» فقط على حساب إلغاء خيار «الحوار» بين الطرفين. 

هناك مدرستان رئيسيتان لتحديد علاقة التعامل بين الغرب والإسلاميين: مدرسة «تسميها هنتر مدرسة العالم الثالث»، وهي التي ترى بأن العداء الإسلامي للغرب ليس متجذرًا في طبيعة الإسلام أو الحركات الإسلامية، وإنما سببه سياسات الغرب غير العادلة نحو العالم الإسلامي، ومن ذلك دعم الغرب لبعض الحكومات العربية الدكتاتورية، بالإضافة إلى تقديم المساعدات الضخمة لـ «إسرائيل»، وهذا العداء شعور مشترك بين المسلمين المتدينين والمسلمين العلمانيين، بل وغير المسلمين في دول العالم الثالث. وترى هذه المدرسة التي يمثلها مفكرون مثل فرانسوا بورغا من فرنسا، وجون أسبوزيتو من أمريكا، وغيرهما إمكانية بدء حوار بين الغرب والإسلاميين.

 أما المدرسة الثانية «وتسميها هنتر المدرسة الاستشراقية» فترى أن العداء الإسلامي للغرب متأصل في أعماق التراث الإسلامي بصرف النظر عن سياسة الغرب الخارجية في هذه الدول، ويتركز هذا العداء لأمريكا خاصة من حيث إنها وريثة الحضارة الغربية بعنفوانها وقوتها، ومن هذا المنطلق ترى هذه المدرسة التي ينتمي إليها مفكرون مثل برنارد لويس، وصموئيل هانتنتون بأن الصراع بين الاثنين حتمي وليس هناك مفر.

كما تختلف المدرستين في تحديد استراتيجية التعامل مع الظاهرة الإسلامية، فالمدرسة الاستشراقية ترى أنه من غير الحكمة منح الإسلاميين فرصة المشاركة في العمل السياسي أو اللعبة الديمقراطية، على نقيض المدرسة المتعاطفة نسبيًّا مع الظاهرة الإسلامية التي ترى ضرورة إفساح المجال للإسلاميين للمشاركة في العمل السياسي «على الأقل كي يظهروا على السطح ويتعلموا التعايش مع الآراء الأخرى بدلاً من اللجوء إلى السرية والتطرف والعنف». كما تعتقد المدرسة الثانية بأن الغرب ينبغي أن يصيغ سياساته بشكل يناسب ثقافة هذه الدول ولا يستفزها.

نقاط الصراع بين الغرب والإسلاميين:

بعد هذا المدخل الهادئ والموضوعي تختار هنتر وعلى عجل القفز إلى خيار الصراع بين الغرب والإسلام وإبراز أهم مكوناته بطريقة تستغرق معها الفصل كله، فلا تترك للقارئ أية فرصة لاستكشاف معالم الخيار الثاني وهو خيار الحوار السلمي والتفاهم الإيجابي بين الطرفين، ونقاط الصراع التي تثيرها هنتر معروفة وقد أثيرت أكثر من مرة، وهي: 

1- إرادة الإسلاميين في إقامة دولة إسلامية في مقابل إرادة الغرب تعزيز قيمه كالليبرالية والعلمانية، وترى المدرسة المتعاطفة مع الظاهرة الإسلامية إمكانية التعايش بين الديمقراطية في أصلها «الشورى» بالمفهوم الإسلامي وليس بالضرورة على النمط الغربي، كما تؤمن هذه المدرسة بأن عناصر الديمقراطية متأصلة أساسًا في الفكر الإسلامي من خلال ممارسات البيعة، والاجتهاد، والإجماع، والشورى.

 ٢ - دعم الغرب للحكومات الدكتاتورية في العالم العربي في الوقت الذي تعتبرها الحركات الإسلامية غير شرعية وغير ممثلة لإرادة الشعب، ولا تريد هنتر أن تعترف بأن الغرب نفسه لا يعترف بشرعية الكثير من هذه النظم، لأنها جاءت من غير الطريق الديمقراطي، وإنما عن طريق الانقلابات مثلًا، ولكنها تعترف بأن تأييد الغرب لهذه الحكومات مرده المصالح المشتركة وليست مبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان والعدل الاجتماعي... إلخ.

3- الصراع العربي - الإسرائيلي، والدعم الغربي لـ «إسرائيل» في وجه الحركات الإسلامية التي لا تعترف بشرعية الوجود «الإسرائيلي» في المنطقة.

4- المهاجرون المسلمون في الغرب «دول مثل بريطانيا وفرنسا وألمانيا... إلخ»، وأثر ذلك کـ «طابور خامس» على الأنظمة الغربية من ناحية استقرار هذه الأنظمة. والملاحظ هنا أن هنتر «وهي نفسها أجنبية من أصل إيراني» تستفز الغرب وتُحَذره من الوجود الإسلامي على أرضه، وهي دعوة أقرب للفاشية منها إلى الكتابة الموضوعية، فالمسلمون في الغرب متفاعلون مع مؤسسات الدولة، ويساهمون في نمائها مع الحفاظ على هويتهم وليسوا بأية حال «طابور خامس» كما تقترح المؤلفة.

هل يتحاور الغرب مع الإسلاميين؟

تعتقد شيرين هنتر بأن الصراع بين الغرب والإسلاميين لا ينبغي أن يبالغ فيه، فحتى لو وصل الإسلاميون إلى السلطة فإن تهديدهم للغرب وتأثيرهم السياسي والاقتصادي على الساحة الدولية سيكون محدودًا بمحدودية قدراتهم مقارنة بالقوة الغربية الحالية خاصة بعد سقوط الاتحاد السوفييتي، كما تستبعد احتمال حدوث تحالف بين الحضارات الأخرى «الهندوسية والكونفوشيوسية... إلخ» مع الحضارة الإسلامية -كما اقترح ذلك هانتنتون- لأن هذه الحضارات نفسها تخشى الوجود الإسلامي، وهذا يجعلها قريبة من الغرب أكثر من قربها إلى الإسلام.

وتختتم هنتر أطروحتها بالسؤال عما إذا كان على الغرب أن يتحاور مع الإسلاميين أم لا؟ وتجيب بأن الغرب لو أقام قنوات حوار مع أعضاء الحركة الإسلامية، فإن هذا من شأنه إغضاب حكومات الدول «الصديقة»، وفي نفس الوقت إذا لم يقم الغرب حوارًا فإنه سيضيع على نفسه فرصة «التأثير» على الإسلاميين من أجل توجيههم نحو الاعتدال، ومن هنا فإن هنتر تضع شروطًا مسبقة للحوار تهدف إلى التأثير والسيطرة بدلًا من فتح المجال للخيارات المتعددة واختيار الأنسب للطرفين، وهذا التناقض يوضح على أن الغرب نفسه في مأزق لأنه من جانب لا يريد الحوار كي لا يُغضِب حلفاءه في المنطقة، وفي نفس الوقت لا يريد أن يكرر الخطأ الذي ارتكبه مع الثورة الإيرانية عندما تجاهلها ولم يتصل بأعضائها لما كانوا في المنفى حتى فوجئ بعد ذلك بوصولهم إلى السلطة، فاستصعب عندئذ الحوار، وهذا المأزق ما زال يؤرق الغرب بشكل استحق معه أن يتسمى الكتاب بـ «المعضلة الغربية» بدلًا من «المعضلة الإسلاموية».

عجمي: صراع مصالح وليس صراع حضارات:

أما البروفيسور فؤاد عجمي -من جامعة جون هوبكنز الأمريكية- فيرى بأن صموئيل هانتنتون قد محا من أطروحته الأخيرة عن الصراع الحضاري دور الدول كأقوى وحدة سياسية فاعلة في العلاقات الدولية المعاصرة، ووضع بدلًا منها وحدة أخرى هي المنظومة الحضارية، ويعتبر هذا الشطب غير منطقي من مفكر أكد في كتاباته السياسية باستمرار على دور الدولة بمعزل عن أية حضارة تجمعها مع الآخرين (۲)، ولم يكلف هانتنتون نفسه العناء في شرح أسباب هذا التحول المفاجئ.

ويشير عجمي إلى أن هانتنتون أوقع نفسه في مأزق آخر عندما انشغل بتعديد الحضارات المناوئة لـ «الحضارة» الغربية كالحضارة الإسلامية والهندية... إلخ، وذلك على حساب التعريف بمكونات الحضارة الغربية نفسها، وعما إذا كانت هذه المكونات متجانسة ثقافيًّا أم لا، يقول عجمي: «إن هانتنتون لم يعرف لنا الغرب بما فيه من مكونات متناقضة، وكأنه وحدة متجانسة وعاملة، وكأنه حضارة واحدة ضد «حضارات» أخرى...» (۳) أي إنه نجح في تحديد الفواصل الجدرانية الصلبة بين الحضارات المختلفة، ولكنه أخفق في تحديد معالم الغرب داخل جدرانه.

كما يخطئ عجمي هانتنتون في أطروحته القائلة بأن خطورة هذه الحضارات تكمن في عودة أصحابها إلى تقاليدهم الأصلية بصورة واضحة وقوية، ويستبعد عجمي ذلك، ويؤكد على أن الهند لن تقبل العودة إلى تراثها الهندوسي بصورة سياسية أو حضارية لأن المؤسسة العلمانية الحاكمة لا تريد ذلك، كما أن الطبقة المتوسطة «التي تعلمت في الغرب وتشربت مفاهيمه» لن تقبل هي أيضًا بالعودة إلى الأصولية الهندوسية.

كما يشكك عجمي في مصداقية قبول العرب بخيار الأصولية الإسلامية ومدى قوة هذه العودة وأثرها على المتغير الدولي «فمعظم العائدين هم من القرى ومن الفقراء وغير المثقفين» «وهذا هو الطرح العلماني السائد في تفسير ظاهرة الصحوة الإسلامية»، ومع ذلك فإن عجمي لا يعتقد بأن العودة إلى التقاليد هي في حد ذاتها مؤشر صادق على تنامي القوة الحضارية لهذه الدول، «فتنامي الأصولية في مصر والجزائر، والتجربة الإسلامية في السودان والدولة الإسلامية في إيران لها أسباب اجتماعية معينة لن تقوى على مواجهة الغرب» بل إن الإسلاميين في مصر مثلًا لن يقووا على تدمير النظام المصري في الداخل، فكيف بمن هم في الخارج؟ وتركيا لن تحاول أن تجد لها دورًا إسلاميًّا في طشقند أو في أواسط آسيا -كما يعتقد ذلك هانتنتون- لأن الحكومة العلمانية في تركيا مشغولة بالاتجاه إلى الغرب، وليس عندها استعداد لخوض هذه المرحلة «التاريخية» والعودة إلى الوراء «كتب عجمي هذا قبل التطورات الأخيرة في الانتخابات التركية». والتحدي في ماليزيا ليس سياسيًّا أو ثقافيًّا بحيث تتأثر بقيم الثورة الإيرانية مثلًا، وإنما هو تحدٍّ اقتصادي بحت ولا علاقة له بالحضارة، كما أن الصراع القائم في يوغسلافيا لم يكن قط صراعًا بين حضارة إسلامية وأخرى مسيحية كما تخيل ذلك هانتنتون، وكما بالغت في ذلك وسائل الإعلام من كلا الجانبين الغربية والإسلامية، وبعبارة أخرى فإن عجمي يشكك في قدرة الإسلاميين على المواجهة الحضارية مع الغرب، في الوقت الذي استطاع فيه الغرب اختراق العالم الإسلامي ثقافيًّا عن طريق اللغة والموسيقى والأفلام، وماكينيته الإعلامية الضخمة.

ويسترسل عجمي في إيضاح نظريته بالقول بأن هانتنتون قد جنح بأطروحته إلى تبسيط الواقع الحالي، وتسطيحه على الحقيقة المعقدة، وكأنه بذلك قد وضع نفسه في خندق صدام حسين الذي صور حرب الخليج الثانية وكأنها «صراع بين الحضارات» مع أن الغرب قد وقف مع بعض الدول العربية والإسلامية على اختلاف حضارته، وذلك من أجل مصلحة بلاده فحسب، كما أن موقف إيران من صدام لم يكن بدافع حضاري إسلامي، وإنما لمصلحة الدولة القومية، ولهذا كان الموقف الإيراني في مجمله أقرب إلى الغرب «المسيحي» من العراق «المسلم».

 ويخلص عجمي إلى أن السياسات الحالية لا تقودها النظرة «الحضارية» بمفهومها الواسع الذي قصده هانتنتون، وإنما هي السياسات الإقليمية ومصالح الدول المختلفة في المنطقة بقطع النظر عن جذورها التاريخية، ويضيف بأن الدول هي التي تتحكم في الحضارات وليس العكس، وهذا هو السبب في أنها قد تتناسى علاقة الدم والأخوة عندما تستدعي المصالح القطرية ذلك، وتتذكر هذه العلاقة عندما تحتم المصالح ذلك.

محبوباني: ينبغي للغرب أن يتعلم من الآخرين:

تحت هذا العنوان كتب نائب سكرتير مجلة «FOREIGN AFFAIRS» كيشور محبوباني يقول: هناك قلق غربي من المستقبل، وهل سيكون في صالح بقاء القوة الغربية التي استمرت لخمسة قرون أم لا؟ وهذا القلق هو الذي يحدو بالغرب إلى أن يتصور القوى المتنامية في الشرق كالأصولية الإسلامية وغيرها كمصدر يهدد قوته (٤)، ولكنه يؤكد على أن هذا القلق شيء مشترك عند الإسلاميين وغيرهم الذين يخافون الغرب بنفس درجة خوف الغرب منهم وربما أكثر.

ويرى محبوباني أنه من العجيب حقًّا أن يتصور الغرب العالم الإسلامي مصدرًا للتهديد في الوقت الذي يذكره فيه دومًا بضعفه وتفككه، حتى إن هانتنتون نفسه يقول «بأن الإسلام يُدمى في أرضه» في إشارة إلى جروحه في الصومال، وفلسطين، والبوسنة... إلخ، فالمسلمون ضعفاء بالفعل، ومن المستبعد أن يكونوا قوة موحدة في القريب العاجل كما يتخيل هانتنتون، إلا إذا أراد هانتنتون من وراء هذه الثنائية المتناقضة أن يثير العالم الإسلامي ويستفز مشاعر الغضب فيه.

كما يعتقد محبوباني أن ما قد يثير العالم الإسلامي حقًّا هي الازدواجية الغربية في التعامل مع قضاياه، «فالديمقراطية في نيجيريا شيء أساسي، ولكنها ليست كذلك في الجزائر وحماية المسلمين في الدول الغنية أمر رئيسي، ولكنه ليس كذلك بالنسبة لمسلمي البوسنة»، مثل هذه المقاييس تُغضب العالم الإسلامي وتثيره.

وينتقد محبوباني مقولة هانتنتون في أن الغرب يسيطر على العالم عسكريًّا واقتصاديًّا... إلخ من أجل حماية قيمه وأفكاره، ويرى بأن هذا تصرف ديكتاتوري محض فتعداد الغرب ۸۰۰ مليون، وتعداد سكان العالم حوالي ٤,٧ بليون نسمة، وبالتالي -ومن الناحية الديمقراطية- فإن الغرب لا ينبغي أن يرضى بأن يشرع ١٥% لـ ٨٥% من الناس، ولكن هذا ما يريد أن يفعله الغرب من خلال سيطرته على العالم، وهذه السيطرة غير المبررة ستخلق للغرب حواجز من الكراهية بدلًا من أن تعمل على إزالتها.

إن هذا التراوح بين القلق من «الآخر» وحب السيطرة عليه يبرهن على أن الغرب يعاني من ضعف وانهيار في قيمه المجتمعية، وينتج عن هذا الضعف ردة فعل قوية تصور للغرب أنه لا يزال قويًّا، وأن نهاية التاريخ قد وقفت عند قيمه في الليبرالية الفردية والديمقراطية والسوق الحرة... إلخ، ولكن محبوباني يجادل بأن عوار الديمقراطية قد بدأ يظهر في جوانبه السياسية والاقتصادية. وذلك في الوقت الذي يسافر فيه الصحفيون والسياسيون الأمريكان إلى الخارج كي يبشروا بالديمقراطية الغربية في أنحاء العالم.

كما يرى محبوباتي بأنه حتى الحرية الفردية المطلقة لها جوانبها السيئة، ومع أن أمريكا قد عملت على تفكيك المؤسسات الاجتماعية لمصلحة الفرد إلا أن النتيجة كانت مدمرة، فمنذ سنة ١٩٦٠م زادت نسبة السكان في أمريكا بنسبة 41%، وصاحب ذلك ازدياد في عدد الجرائم بنسبة 560%، ونسب الولادة بغير وجود الأب 419%، ونسب الطلاق 300 %، ونسبة الأطفال الذين يعيشون مع أمهاتهم بدون أب، إما بسبب الطلاق أو العلاقة غير الشرعية، حوالي 300%، فهذا مؤشر على تدني الجانب الاجتماعي، ولكن الغرب -بدلًا من أن يتواضع- فإنه يسافر إلى العالم كي يبشر بهذه الحرية الفردية.

ويختتم محبوباني مقالته بالتأكيد على ضرورة أن يتواضع الغرب، ويعتقد بأن في مقدوره أن يتعلم من الآخرين بدلًا من مناصبتهم العداء حضاريًّا، وهذا يتطلب شجاعة واعتراف بأن في الحضارة الغربية الشيء الجيد والشيء السيئ، وينبغي على المفكر الغربي الموضوعي أن يقف خارج حيز هذه الحضارة كي يدرك ذلك وإلا فهو أعمى، وهانتنتون في أطروحته الأخيرة كان أعمى - على حد وصف محبوباني.

سعيد: صراع التعريفات وليس صراع الحضارات:

يقف البروفيسور المعروف إدوارد سعيد من جامعة كولومبيا بالولايات المتحدة على النقيض من أطروحة صومئيل هانتنتون في صراع الحضارات، وسعيد -صاحب كتابه الشهير «الاستشراق» (۱۹۷۸م) - من القلائل الذين استوعبوا أبعاد الخلفية الثقافية التي انطلق منها هانتنتون وانتقدها بموضوعية تجاوزت حالة التشنج والعاطفية، ولسعيد جولات فكرية حادة مع المدرسة الاستشراقية التي يقف على رأسها برنارد لويس وهانتنتون، حيث انتقد لويس كتابه الاستشراق في عدة مناسبات ومقالات (٥)، لأنها كشفت وبجدارة عن الوجه الحقيقي للمستشرقين، وكتب سعيد ردودًا قوية في المقابل (6).

يرى إدوارد سعيد بأن مصطلح «صراع الحضارات» الذي يقدمه هانتنتون ليس جديدًا، وإنما هو مصطلح قديم استعمله برنارد لويس في كتاباته عن الإسلام، حيث اتهم فيها لويس الإسلام بأنه حضارة لا تقبل القيم الغربية، ولا تقبل الحداثة «إلا في الحالة التركية لما تحولت إلى دولة علمانية»، ويضيف سعيد في محاضرته التي ألقاها في لندن في فبراير ١٩٩٥م، بأن في أطروحات لويس ومن بعده هانتنتون عودة بالفكر الغربي إلى القرن التاسع عشر الذي كانت فيه الإمبريالية الأوروبية ترى في «الآخر» غير الأوروبي تهديدًا لها.

 ويتفق سعيد مع فؤاد عجمي من أن هانتنتون لم يعرف المقصود به الحضارة الغربية، وكان الجميع يعرفها، وذلك في الوقت الذي توجد في الولايات الأمريكية مثلًا العديد من المؤسسات والمراكز الفكرية مهمتها فقط تعريف وإعادة تعريف مفردات شائكة كـ «الحضارة»، و«الثقافة» و«المدنية» و«الحداثة»... إلخ، فقد عامل هانتنتون الحضارة الغربية وكأنها وحدة واحدة في مواجهة عدة حضارات، وهي الحالة التي تنافي الحقيقة والواقع، ومن هنا فإن سعيد يعتقد بأن القضية ليست كامنة في صراع الحضارات، وإنما في صراع التعريفات والمصطلحات.

كما يرى سعيد بأن هانتنتون يحاول من خلال أطروحته أن يجد له دورًا معينًا في المرحلة الجديدة، فصموئيل هانتنتون يعتبر أحد أبرز منظري الحرب الباردة السياسيين، ولكن لأن الحرب الباردة قد انتهت، فإن هانتنتون يركز الآن على الإسلام كـ «عدو» بديل للغرب، لأنه يعرف تمامًا بأن هذا الموضوع هو حديث الناس اليوم في الغرب.

هاليداي: الإسلام وأسطورة المواجهة:

صدر في لندن في نهاية ١٩٩٥م كتابًا جديدًا للبروفيسور البريطاني فريد هاليداي -المتخصص في شؤون الشرق الأوسط ومحاضر العلاقات الدولية بجامعة لندن- بعنوان «الإسلام وأسطورة المواجهة» «Islam&The Myth of Confrontation» والكتاب في مجمله يتناول أهم التحديات التي تواجه الحركات الإسلامية في الشرق الأوسط في الميدان السياسي، وإلى أي مدى تشكل هذه الحركات تحديًا فعليًّا لقيم الغرب بشكل يجعلها العدو التالي له بعد الاتحاد السوفييتي، وفريد هاليداي له نظرة علمانية محضة إلى هذه الحركات لا تجعله مع المتعاطفين تمامًا مع الإسلاميين، ولكنها في ذات الوقت متميزة عن النظرة الاستشراقية المفرطة في العداء الشديد للإسلام، ومع ذلك فإن رأي هاليداي في الغرب عمومًا، وفي بعض دوائر الشرق الأكاديمية له وزن كبير لا يمكن التغاضي عنه، فهو باحث له تاريخه في شؤون الشرق الأوسط وخاصة منطقة الخليج، واليمن، والشمال الإفريقي، وكما يصف هاليداي نفسه فإن له نظرة متميزة للعلاقة بين الحركات الإسلامية والسياسة لا تجعله في خندق أي من الفريقين في تحليلهما للظاهرة الإسلامية: فريق إدوارد سعيد المناوئ للتوجه الاستشراقي الذي يمثله برنارد لويس وصموئيل هانتنتون، فهو يرى بأن كلا الفريقين ينظر إلى العلاقة بين الإسلام والغرب نظرة «مؤدلجة» تشوش الحقيقة، وتضلل الواقع (۷). في كتابه الجديد هذا يتناول هاليداي بما يسميه بــ «أسطورة» الغرب في أن الإسلام العدو البديل بالتحليل كي يخرج بعدة استنتاجات «قد نختلف معها أو نتفق» بأن الغرب لا يحتاج إلى عدو، وأن الإسلاميين ضعفاء بدرجة لا يستطيعون معها أن يشكلوا تهديدًا لأحد.

أسباب اعتبار الإسلام «العدو» البديل:

في أطروحته التي جاءت تحت عنوان «الإسلام والغرب: الإسلام كتهديد أم التهديد للإسلام؟»، يحاول هاليداي أن يبحث عن المصادر التي تجعل الغرب ينظر إلى الإسلام أو الإسلاميين كخطر يهدد وجوده، ويخرج من بحثه بثلاثة مصادر رئيسية، هي:

١ - الصراع التاريخي بين الغرب «المسيحي» والإسلام، يشمل ذلك الحروب الصليبية «في القرن الحادي عشر» والصراع مع الدولة العثمانية «من القرن الخامس عشر إلى عام ۱۹۱۸م» وطرد المسلمين إلى الأندلس وصراعات أخرى.

 ٢ - انتهاء الحرب الباردة والحاجة إلى «عدو»، ومن ذلك الاعتقاد بأن حرب الخليج كانت محاولة أمريكية - غربية لإيجاد البديل عن الخطر الشيوعي في شخص صدام حسين.

3- ممارسات الحركات الإسلامية نفسها بما في ذلك الثورة الإيرانية، وذلك خلال رفضها للقيم الغربية كالديمقراطية، والعلمانية، والقوانين المدنية، والمساواة بين المسلمين وغير المسلمين وبين الرجل والمرأة، حيث يتضح ذلك من خطابات الغنوشي، والترابي، ومدني.

محاولة فك ارتباط «الأسطورة»:

وبقطع النظر عن صحة هذه المصادر وترتيب أولوياتها بهذا الشكل، يحاول هاليداي بعد ذلك تفكيك عناصر «أسطورة» اعتبار الإسلام خطرًا على الوجود الغربي، والتدليل بأن جميع هذه العناصر لا تستند إلى شيء من الواقع، ويفضل هاليداي استخدام مفردة «أسطورة» «myth» كي يبين أنه على الرغم من عدم حقيقة هذا التصور، إلا أن الأسطورة نفسها آخذة في النمو والتأثير السلبي على نظرة المجتمع الغربي إلى علاقته بالإسلام، وعناصر هذه الأسطورة ثلاثة عناصر رئيسية، هي:

۱ - اعتبار المسلمين إرهابيين، حيث ينفي هاليداي هذه التهمة، ويؤكد على عدم وجود أية علاقة تاريخية بين الإسلام والإرهاب، فالإرهاب الذي بدأ في التنامي بشكل ملحوظ في القرن التاسع عشر لم يكن على يد المسلمين مطلقًا. كما أن الذي حدث في الحرب العالمية الثانية، ولليهود في إسبانيا، والذي يحدث في دول مثل إيرلندا الشمالية وسريلانكا من عمليات إرهابية لا دخل للمسلمين فيه، بل إن المسلمين أنفسهم هم في كثير من الحالات ضحايا للإرهاب والقمع، كما في بورما، وكشمير، وفلسطين، ومؤخرًا في البوسنة. 

2- إن القول بأن الإسلام هو «العدو» الجديد للغرب قول غير منطقي ولا يستند على الحقائق، ولذلك يسبب ضعف المسلمين وتفككهم. يقول هاليداي: «نعم.. إن القول بقوة الإسلام العسكرية، وخطورة ذلك على أوروبا كان صحيحًا في وجود الدولة العثمانية، ولكنه ليس صحيحًا بعد سقوطها في ۱۹۱۸م، ففي الوقت الحالي لا توجد سوى دول إسلامية مبعثرة لا تفكر إلا في مصالحها القطرية، وفي الغالب تتقاتل مع بعضها، كما في حالة العراق وإيران، وليبيا ومصر والجزائر والمغرب». ویرى هاليداي بأن أيًّا من الدول الإسلامية لو نجحت في الحصول على قوة نووية فسيكون ذلك خطرًا على الغرب تمامًا، كالخطر «الإسرائيلي» والياباني، غير أنه سيكون خطرًا محدودًا بسبب قوة الغرب العسكرية مقارنة بقوة الآخرين.

3- من الخطأ الاعتقاد بأن الغرب يحتاج إلى «عدو» كي يستمر قويًّا على الساحة الدولية. وقد يكون من المفيد ترويج مثل هذه «الأساطير» المستندة على المحاور الدينية والأيديولوجية من أجل بيع الأسلحة مثلًا أو زيادة تماسك المجتمع، ولكن من الخطأ الظن بأن الغرب يحتاج إلى هذه الأساطير بشكل دائم ومطلق؛ لأن الغرب بطبيعته يستطيع التنامي والتوسع من دون حاجة إلى «محفز» خارجي، فحافز الغرب الحقيقي يأتي من داخله، من خلال التنافس في ميدان الربح والسوق والقوة... إلخ، وليس هناك من هذه الأشياء ما يحتاج إلى عدو خارجي في صورة الشيوعية، أو الإسلام، أو اليابان، أو أية قوة أخرى.

وقد يجد الباحث هذه النقطة بالذات صعبة الإقناع لأنها لا تفسر لنا لماذا راجت «أسطورة» العداء الإسلامي للغرب بهذه السرعة، إذا لو لم يكن يحتاج إليها الغرب كما يزعم هاليداي؟ وهل كان الغرب سيتطور بالشكل الذي تطور له الآن مثلًا من غير تفاعله مع الاتحاد السوفييتي كخطر «خارجي» موجود؟ ثم لماذا هذا الفصل المتعسف بين ما هو «خارج» وما هو «داخل» في عالم يصعب معه الفصل بين الاثنين؟

___________________________

الهوامش:

1- «المعضلة الإسلاموية» ص ۳۱۷، عن دار «ITHACA PRESS» ١٩٩٥م.

2- النظام السياسي لمجتمعات متغيرة، صومئيل هانتنتون- ترجمة سمية عبود- دار الساقي، ۱۹۹۳م.

٤،٣ - مجلة FOREIGN AFFAIRS أکتوبر ۱۹۹۳م.

5- منها مقالة في VIEW-NEW YOURK BOOK RE٢٤ يونيو ١٩٨٢م.

6- انظر رد إدوارد سعيد على لويس في NYRB12أغسطس ۱۹۸۲م.

7- «الإسلام وأسطورة المواجهة» فريد هاليداي دارI.B  TAURIS ۱۹۹5م.

الرابط المختصر :