; الإسلام والغرب في كتابات الغربيين | مجلة المجتمع

العنوان الإسلام والغرب في كتابات الغربيين

الكاتب أ.د. زغلول النجار

تاريخ النشر الثلاثاء 26-مايو-1998

مشاهدات 45

نشر في العدد 1301

نشر في الصفحة 42

الثلاثاء 26-مايو-1998

في العقدين الأخيرين كثرت كتابات الغربيين عن علاقة الغرب بالإسلام، وجاءت تلك الكتابات تحت عدد من العناوين المتشابهة أو المتضاربة من أمثال: «الإسلام والغرب»، «الصراع بين الحضارات»، «المسلمون خلف الحصار الغربي»، «انتهزوا الفرصة»، «ما بعد الحرب الباردة»، «ما بعد السلام»، «الأصولية الإسلامية» وغيرها، وقد تزعم تلك الحملة المسعورة نفر من الكتاب الصهاينة من أمثال برنارد لويس، وصموئيل هنتنجتون، وعملاء الاستخبارات الأمريكية من أمثال جراهام فوللر وإيلين ليسر، وواجهات الحركات الصليبية المعاصرة من أمثال الرؤساء السابقين للولايات المتحدة: نیکسون، کارتر، بوش، ورؤساء الحكومات الأوروبية السابقين من أمثال: مارجريت تاتشر، جون ميجور وغيرهم.

وباستعراض تلك الكتابات يتضح أن الهدف الرئيس منها هو محاربة المسلمين، ومحاولة تشويه صورة الإسلام عند الآخرين، ودفع غير المسلمين- على اختلاف مللهم ونحلهم- إلى الدخول في صدام مسلح مع العالم الإسلامي في وقت يرون فيه أن ذلك العالم المتسمي باسم الإسلام قد وصل إلى حالة من الضعف والتمزق والتشرذم والهوان لم يسبق له المرور بها من قبل عبر تاريخه الطويل. 

هذه الحملة المحمومة لم تلق الاهتمام الكافي من المسؤولين والكتاب والمفكرين المسلمين الذين تركوا تلك الشرذمة الحاقدة على الإسلام والمسلمين تنفث سموم أفكارها المريضة عبر مختلف وسائل الإعلام المتاحة من كتب ومقالات، وأحاديث ومحاضرات، وبرامج إذاعية وتلفازية متعددة، وأفلام سينمائية ومسرحيات وحتى شبكات الاتصال الدولية عبر الحواسيب الإلكترونية المسماة «بالإنترنت»، وأول ما يجب عمله المقاومة هذه الحملة الشرسة تحليل ادعاءات هؤلاء والرد عليها في مختلف وسائل الإعلام المتاحة لنا، ونشر ذلك على أکبر نطاق ممكن في أوساط غير المسلمين حتى يتسنى لنا تحييد هذا القدر الهائل من الكراهية للإسلام والمسلمين والذي يحاول أعداؤنا بثه في كل اتجاه في مختلف أجزاء العالم، فإن لم تبادر بعمل ذلك، فإننا حتمًا سوف نجد أنفسنا في أتون معركة لم نستعد لها، وفي مواجهة لا قبل لنا بها.

ومن أمثلة تلك الكتابات المحرضة على الصدام بالمسلمين، والمشوهة لصورة هذا الدين الخاتم كتاب «خلف الحصار» أي «المسلمون خلف الحصار الغربي» وهو كتاب صدر في سنة ١٩٩٥ عن مؤسسة استخبارية عسكرية أمريكية تعرف باسم «راند»» RAND، وقد تمت «ترجمته ونشره بواسطة مركز الأهرام للترجمة التابعة لمؤسسة الأهرام الصحفية القاهرية في سنة ١٩٩٧م تحت عنوان: «الإسلام والغرب: بين التعاون والمواجهة»، وهو عنوان بعيد كل البعد عن عنوان الكتاب باللغة الإنجليزية.

والكتاب من تأليف كل من جراهام فوللر، وإيان ليسر وهما من موظفي مؤسسة راند ومن رموز الاستخبارات الأمريكية في المشرق العربي، والكتاب يقع في ٢١٦ صفحة وعشرة فصول بالإضافة إلى تعريف بالكتاب وتصدير وثبت بالمراجع وفهرست.

 في التصدير ذكر المؤلفان أن الكتاب جاء ثمرة لمشروع استكشافي أشرف عليه ضمن برنامج «الاستراتيجية والعقيدة» الذي أعدته مؤسسة «راند» التابعة لمركز «أريو»؟ ويرتكز على عدد من أنشطة «راند» البحثية ذات الصلة بموضوع الكتاب والتي تتناول موضوعات خاصة بالمشرق العربي وتركيا- وإيران «الشرق الأوسط» وأوروبا وآسيا الوسطى، وقد صدر الكتاب تحت رعاية المركز الأكبر لدراسات الشرق الأوسط، وهو مركز جديد تابع لمؤسسة رائد.

الإسلام والغرب: الفصل الأول الذي اعتبره المؤلفان مدخلًا للكتاب أوردا فيه مفهومهما «لمشكلة الإسلام والغرب»، والتي لخصاها بقولهما: إنه بعد انتهاء الحرب الباردة بين الشرق والغرب شاع بين الناس اعتقاد بأن الصراع «الأيديولوجي العالمي القادم قد يكون بين الإسلام والغرب، وذلك تأسيسًا على محاولة الغرب فرض هيمنته المطلقة على العالم ثقافيًّا وسياسيًّا، واقتصاديًّا، وعسكريًّا، وأن هذه المحاولة لابد من أن تولد ردة فعل- على هيئة ما- تتخذ موقف التحدي من الحضارة الغربية، والمرشح الأرجح للقيام بذلك الدور المتحدى هو الإسلام، لأنه يشكل المنافس السياسي والفكري الرئيس الغرب، وذلك لأن الإسلام- أكثر من أي عقيدة دينية أخرى- مندمج اندماجًا مؤسسيًّا منظمًا في الدولة والمجتمع، وأنه قوة ثقافية متمايزة عن ثقافة الغرب، وأن ما أسمياه باسم «الأصولية الإسلامية» ظلت القوة الوحيدة المناهضة للغرب على مدى العقدين الماضيين على الأقل «مع اعترافهما بأن مصطلح الأصولية هو مصطلح غير إسلامي وغير دقيق»، وذلك نظرًا لتكرار التدخل العسكري الغربي في مختلف دول العالم الإسلامي دفاعًا عن المصالح الغربية أو عن الكيان الصهيوني المغتصب لأرض فلسطين، أو في محاولة لفرض هيمنة ما يسمى باسم «النظام العالمي» والذي غرضه الأساسي تهميش الوجودين العربي والإسلامي تهميشًا كاملًا، وتأكيد الهيمنة الغربية.

ثم أردف الكاتبان عددًا من الاستنتاجات التي نوجزها فيما يلي:

أولًا: إنهما لا يعتقدان أن الصراع الأيديولوجي العالمي القادم سيكون بين الإسلام والغرب، وذلك لأن الإسلام كعقيدة ليس على طريق التصادم مع الغرب، فالقضية ليست بين الإسلام والمسيحية.

ثانيًّا: أنهما يعتقدان أن ما أسمياه باسم «الإسلام السياسي» سوف يسعى جاهدًا لدعم القوة الحقيقية للدول المسلمة من أجل التعامل مع الغرب على قدم المساواة بدلًا من حالة الضعف الاستراتيجي التي يحرص الغرب على إبقاء العالمين العربي والإسلامي فيها، وذلك لعمل الإسلاميين الدؤوب على بناء قوة عسكرية أكبر مما هو متوافر اليوم في العالمين العربي والإسلامي، بما في ذلك محاولة إمتلاك أسلحة التدمير الشامل التي يمتلكها كل من الغرب وصنيعته «إسرائيل»، وذلك في محاولة لتحقيق شيء من التكافؤ الاستراتيجي على الأقل بين العالمين الإسلامي والغربي.

ثالثًا: يتمنى الغرب «ممثلًا في الكاتبين» أن تفقد الحركات الإسلامية جاذبيتها الراهنة بتفاعلها مع العملية السياسية والاندماج فيها، ويرى الكاتبان أنه من المرجح أن يطرد نمو دور الإسلام في مجال السياسة الداخلية للبلدان المسلمة مما يزيد من فرص وصول الإسلاميين إلى السلطة في بلد أو أكثر خلال السنوات القادمة، وذلك بسبب التعامل الخاطئ مع ظاهرة الإسلام السياسي من جانب عدد من الحكومات في الدول الإسلامية الكبرى، ويعتقد الكاتبان أنه مع وصول الإسلام السياسي للسلطة يمكن أن يتحقق تفاهم أكثر بين الإسلاميين والغرب.

رابعًا: يرى الكاتبان أنه لابد من حدوث تغيرات سياسية، واقتصادية، واجتماعية كبيرة في مختلف دول العالم الإسلامي تخرجها من دائرة النظم الاستبدادية، والتي يقف الإسلام السياسي في مواجهتها أكثر من غيره، ويرى الكاتبان أنه لا سبيل إلى تحقيق ذلك إلا عن طريق قبول الحكومات للقوى الإسلامية التي تشتغل بالسياسة بطريقة شرعية وإدماجها في داخل النظام السياسي، وبإدماجها يعتقد الكاتبان أنه لابد أن تنتهي إمكانية الصدام بين الإسلام والغرب، فهذه العلاقة تشتمل على سلسلة من التصورات التاريخية والنفسية ذات الجذور العميقة، والتي زادتها حدة مجموعة معقدة ومتنوعة من المشكلات الحديثة والتي منها تراث تصفية الاستعمار الغربي، وسياسة الغرب تجاه العالم الثالث وقضايا الإرهاب الدولي وإصرار الغرب على الصاقها بالمسلمين ومحاولة الغرب للهيمنة على المصالح النفطية في العالمين العربي والإسلامي، وتدخلات الغربيين المتكررة في الأزمات الإقليمية والعربية والإسلامية بتحيز واضح ضد مصالح المسلمين وغيرها.

ويعتقد الكاتبان أنه بدراسة تلك المشاكل وأمثالها بين الدول الإسلامية والغرب ومحاولة علاج الأخطاء المتسببة فيها يمكن التقليل- ما أمكن من أسباب الاحتكاك.

خامسًا: يعتقد الكاتبان أن أسباب التوتر بين الإسلام والغرب ليست ذات طبيعة دينية، بل تتعلق أساسًا بالقضايا السياسية, والاقتصادية والنفسية والاستراتيجية والثقافية، ويؤكدان ذلك بما ترجمته «وواقع الحال أن الغالبية العظمى من أبناء الغرب- ومهما كانت درجة تدينهم لا ينظرون إلى أنفسهم أولًا وأساسًا باعتبارهم، نصارى، وذلك لأن مفهوم النصارى هو في حقيقة الأمر عند غالبية النصاري المعاصرين- من ذكريات العصور الوسطى، ومن ثم فقد بانت دلالاته في نظر الغالبية مهجورة بالية».

سادسًا: يعتقد الكاتبان إن الإسلاميين يرون أن الغرب قد نأى عن مثله الدينية والأخلاقية العليا والتي يتفق كثير منها مع الإسلام وأن أهل الغرب الذين اعتبروا أنفسهم يومًا أنهم نصارى قد ابتدعوا لأنفسهم ثقافة دنيوية هي في أعين المسلمين ثقافة مريبة تفتقر إلى أقل قدر من الضوابط السلوكية، والقيم الاخلاقية وأن تصدير اللاأخلاقية الغربية هو قوام الخط الثقافي الذي يتهدد المبادئ الأساسية للمجتمع الإسلامي.

وفي سياق هذا المدخل حاول المؤلفان تعريف كل من الإسلام والغرب ومن هذا التعريف يتضح قصور فهمهما للإسلام، وذلك بدورانهما في حلقة مفرغة حول ما أسمياء ظاهرة الأصولية الإسلامية مع اعترافهما المتكرر بأن مصطلح الأصولية مصطلح مضلل، وهو في الأصل مستعار من المسيحية البروتستانتية، وليس له وجود في لغات العالم الإسلامي.

الرابط المختصر :