; الإسلام والغرب والعوائق المعرفية | مجلة المجتمع

العنوان الإسلام والغرب والعوائق المعرفية

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر السبت 13-أكتوبر-2007

مشاهدات 104

نشر في العدد 1773

نشر في الصفحة 34

السبت 13-أكتوبر-2007

د. عبد الحميد يويو(*)

(*) كاتب وأكاديمي عربي مقيم في فرنسا 

نزعم أن الغرب لا يعرف حقيقة الإسلام، وبالمقابل المسلمون لا يعرفون حقيقة الغرب، فهل حقًا أن هذا الجهل المتبادل بين الطرفين هو الحقيقة الغائبة عند هؤلاء وأولئك؟ إلى أي حد يوحي هذا الزعم أو بالأحرى كيف يصح هذا الزعم مع وجود هذا الزخم الكبير من الإنتاج الفكري حول الإسلام من جهة أولى والغرب من جهة ثانية وحول العلاقة بينهما من جهة أخيرة؟

إن الجواب المبدئي عن هذا السؤال هو أن تلك الكتابات التي تزخر بها الساحة العربية والغربية على السواء هي التي تقدم الدليل على صحة هذا الزعم المتعلق بالجهل المتبادل بين الطرفين.

فالناظر في عناوين معظم الإنتاج الفكري الذي يصدر في العالمين العربي والغربي يصدمه ذلك التقابل بين الإسلام من جهة والغرب أو أوروبا من جهة أخرى. هذه الثنائية هي التي تكرس حقيقة هذا الجهل المتبادل بينهما. وهذه الثنائية تقدم دائمًا في صورة «مواجهة» مرات، وفي صورة «ممانعة» مرات أخرى، فصبغة المواجهة الصراع. وسمة الممانعة، الدفاع.

وماذا عن الحوار المنادى به هنا وهناك بديلًا للصراع وعن التسامح، بديلًا للعنف؟ إن الصراع أو الصدام ثابت من ثوابت الغرب التاريخية ليس أساسه وجود الحضارات وميلاد الثقافات، بل قاعدته التأسيسية هي الجهل المتبادل بينهما، فحقيقة الصراع أو الصدام ليست صراع الحضارات والثقافات أو صدامها، بل هو صدام الجهالات بها.

لماذا يحل الجهل محل المعرفة الحقيقية عند كلا الطرفين؟ وهل يمكن التاريخ له لديهما: بداياته ومراحله وأزمنته ومنطلقاته الجغرافية وتعدد مواقعه وأمكنته؟ 

عوائق التواصل المعرفي: نعتقد من جهتنا أنه للتحرر من أسر هذه الثنائية بدل مواصلة الاجترار القائم للأفكار حول انعدام الحوار وحول العنف والتسامح وحول نهاية التاريخ، أو استمراريته، لابد لنا من التوقف للبحث عن العقبات أو العوائق لدى كلا الطرفين والتي تكرس الجهل المتبادل بينهما وتمنع بالتالي من حصول أو تحصيل المعرفة شبه الموضوعية لدى كل واحد منهما بالآخر. 

فما لم يتم تخطي هذه العقبات أو العوائق المعرفية لدى كلا الطرفين فإن الثنائية المشار إليها أعلاه ستظل قائمة والصمود في مواقع «الدفاع» بسبب الصراع القائم بين الطرفين سيبقى هو الثابت المتقاسم بينهما.

كيف نشأت وتشكلت هذه العوائق المعرفية؟ ما سبب أو أسباب صمودها وثباتها وكأنها فوق العقل والتاريخ؟ كيف أدت هذه العوائق إلى تشكيل بنية من التصورات والتمثلات حول الأنا والآخر أو حول الإسلام والغرب، والتي لا تزال هي المرجعية الثابتة التي تتحكم في الإنتاج الفكري الذي يصدر عن كلا الطرفين أحدهما عن الآخر؟

إن هذه العوائق تقف في وجه هذا الطرف كما تقف في وجه الطرف الآخر، وليست كلها من طبيعة واحدة بل إن منها ما هو مشترك بينهما، ومنها ما هو خاص بكل واحد منهما.

ففيما يتعلق بالعوائق الغربية ترى أن الفكر المسيحي «وليس الدين المسيحي» الذي وضع النصوص المؤسسة له يوحنا الدمشقي «675 - 754م» والذين جاؤوا من بعده فيما يتعلق بموقف هذا الفكر من الإسلام القرآن والسنة والسيرة النبوية والمسلمين «فكرًا وتاريخًا وحضارة» وإلى حدود تاريخ انعقاد مجمع الفاتيكان الثاني «1962 - 1965م» قد كرس عبر تاريخه معظم الانتقادات التي تعرضت لها تلك النصوص المؤسسة له.

"الاستعمار صنع كثيرًا من المرارات في المجتمعات الإسلامية والمستشرقون نقلوا صورة خاطئة عن الإسلام للغربيين"

يعتبر الاستشراق في بداياته الأولى الوجه المؤسساتي للفكر المسيحي، مهمته منهجة وتنظيم تلك الانتقادات المسيحية الأولى، وما تولد عنها وتفرع منها، بداية من «ريمون لول» إلى «برنار لويس».

تشكل الحداثة النهضة، وهاجس واحديتها، لدى روادها الأوائل كما لدى الذين جاؤوا من بعدهم عائقًا لدى أهلها وذويها وذلك بمحاولة عولمة إنتاجها النظري وممارستها العملية فلسفة الأنوار، الثورة الفرنسية، النظام الرأسمالي ومبادئه الليبرالية، والثورة الصناعية.

يمكن اعتبار الإرث التاريخي الناتج عن الاستعمار العالمي لغير الدول الأوروبية حملًا ثقيلًا على عاتق الدول المستعمرة مما يشكل عائقًا يحول دون إقامة تواصل أو علاقات حضارية وثقافية حقيقية.

ربما تكون المركزية الغربية المنبثقة عن تمركز العقل والذات والحضارة، عائقًا أساسيًا يحول دون النظرة المعرفية الحقيقية بالآخر: الإسقاط والتغريب.

كما تقوم البنية الفكرية الغربية على عدم الإيمان إلا بما يرى الغربي ويشاهد، أي تجمع بين النظري والعملي والتداخل التام بينهما.

وعليه، فإن تخلف العالم العربي والإسلامي عائق في وجه الغرب يحول بينه وبين معرفة حقيقة الإسلام لأنه يعتقد أن هذا الأخير «الإسلام» هو السبب في تخلف المسلمين «الفقر، الأمية، المرأة، الأنظمة الدكتاتورية...».

ولا يمكن إغفال دور وسائل الإعلام ومنطق التعميم والانتقائية لدى القائمين عليها والموجهين لها، كعائق آخر في وجه الغرب.

كما أن غياب الترجمات للمصادر وأمهات الكتب الإسلامية، وكذا عدم انتشار ما تمت ترجمته منها مهما قل وضعف، يحول دون الاطلاع الواسع على الإسلام وتاريخ المسلمين الذي يؤدي إلى الوقوف على حقيقة كل واحد منهما.

جهل العرب حقيقة الغرب

أما فيما يتعلق بعوائق العالم العربي والإسلامي تجاه معرفة حقيقة الغرب، فيمكن اعتبار الجهل بتاريخ الغرب الديني والفلسفي والفني والأدبي عائقًا أساسيًا عن هذا الجهل تصدر العداوة لكل ما يصدر عن الغرب أو يمت إليه بصلة: الحداثة، العلمانية، الديمقراطية، حقوق الإنسان وكذلك الجزم والاعتقاد لدى المسلمين بامتلاك الحقيقة كاملة، واعتبار أن الغرب كتلة واحدة، دون تمييز بين غثه وثمينه وعلمه وأيديولوجيته.

إن البقاء أسرى العموميات يحول دون معرفة علمية دقيقة وعميقة بالطرف الذي نريد محاورته أو التعاون معه أو التعارف بيننا وبينه.

بحضور الجهل يغيب الإبداع والوعي المتجدد للمنطلقات والوسائل والأهداف: غياب المواكبة لما يجد ويتجدد في الغرب والعالم، غياب المؤسسات والمعاهد والمراكز، غياب الترجمة، غياب العلوم الإنسانية.

وبحضور الجهل يحضر الفقر المدقع في مضامين وسائل الإعلام وضحالتها وضعفها. 

تلك هي أهم العقبات والعوائق التي تقف في وجه هذا الطرف أو ذاك وتحول دون حصول معرفة حقيقية لأحدهما بالآخر.

الرابط المختصر :