; الإسلام والقومية «8 من 8» نحن المسلمون وكفي | مجلة المجتمع

العنوان الإسلام والقومية «8 من 8» نحن المسلمون وكفي

الكاتب أ.د. حلمي محمد القاعود

تاريخ النشر السبت 02-أبريل-2005

مشاهدات 58

نشر في العدد 1645

نشر في الصفحة 46

السبت 02-أبريل-2005

لا تنقضي عجائب المعاصرين من خصوم الإسلام، في مصر أو الدول العربية على السواء، ووصف العرب بالأعراب، وأخذ ما يتعلق بالشواذ منهم قرينًا ودليلًا عامًا على وحشيتهم وبداوتهم وجلافتهم، ليس آخر العجائب في هذا المجال، فقد راح أحد بقايا الشيوعية المنهارة يحاول التفلسف، وتفسير سر الدعوة إلى نبذ العروبة والانتماء العربي تفسيرات عجيبة وغريبة، ولنقرأ ما قاله على موقع «إيلاف» في ۲۰۰۲/۸/۲۲م.

«إن أهم سبب يجعلنا نعيد النظر في هويتنا الحالية «يقصد الهوية الإسلامية» هو نظرية المعرفة العربية عن الكون، «لا يوجد شيء اسمه نظرية المعرفة العربية، والمعروف أن نظرية المعرفة التي يقصدها المذكور نظرية إسلامية»، وكيف نتعامل معه، فالرؤية العلمية الحديثة تصطدم بشدة في الرؤية الشرقية عامة والعربية خاصة والعاملة للمنظور الديني للكون، وليس معنى ذلك أننا أمام استبدال الرؤية العربية الدينية بالرؤية الفرعونية الأسطورية، لأن هدف الاستبدال هو الرقي إلى مستوى العقل الفلسفي والعلمي الحديث، وليس الارتداد إلى سلفية أيًا كان نوعها».

وأضاف المذكور: «إن اللحاق بقطار المعرفة الحداثية كان مشروع الطهطاوي، ومن هنا نشأ خطاب التنوير والعقلانية الذي هو بالأساس خطاب نقدي لا وجود له في مراحل التاريخ الثقافي المصري، منذ سيادة المسيحية في العام ٤١٥م على أنقاض مجد الإسكندرية مؤملًا في تحول ثقافي ومعرفي، لينتهي إلى موقف حداثي مثله جميع مفكري القرن الماضي من طه حسين، وحسين فوزي، ولويس عوض، وغيرهم » أ.هـ.

هذه الأسباب لنبذ العروبة والإسلام متهافتة ومتناقضة وخاطئة، فنظرية المعرفة الإسلامية تعد أرقى نظرية معرفية عرفها العالم، لأنها تقوم على مخاطبة العقل، وتدعو إلى إعماله وتعظيم شأنه، الذي يتوصل إلى الإيمان بالوحي، فالتهافت هنا واضح لأنه يدعي البحث عن نظرية معرفية حداثية تغاير النظرية المعرفية الإسلامية التي لم يحاول صاحبنا الشيوعي البحث عنها أو التعرف إليها.

لذا بدا التناقض واضحًا حين يدعو إلى نبذ نظرية المعرفة الإسلامية، وفي الوقت ذاته يدعو إلى عدم إحلال الرؤية الفرعونية الأسطورية مكانها، ولا أدري ماذا يقول لأصحابه أو يقول له أصحابه، وهم يدعون كما رأينا إلى قومية مصرية وإلغاء الإسلام من الدستور وبعث اللهجات العامية منذ الهيروغليفية حتى اليوم، وعد العرب أي المسلمين غزاة ومحتلين؟

وكلام صاحبنا خاطئ حين يزعم أن سيادة المسيحية تمت على أرض مصر في العام ٤١٥م، لأن المسيحية لم تسد مصر أبدًا لا قبل هذا التاريخ ولا بعده، فالذين سادوا هم الرومان بوحشيتهم واستبدادهم، أما المسيحية فقد كانت محدودة الانتشار، بدليل أن المسلمين حين فتحوا مصر كان أغلب أهلها وثنيين، ثم من قال إن مصر لم تعرف الخطاب النقدي، أو بالأحرى، إن الإسلام لا يعرف الخطاب النقدي على مراحل التاريخ الثقافي المصري؟ 

إن الخطاب الإسلامي في جوهره خطاب نقدي، لأنه يقوم على قاعدة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومدافعة الشر، وعدم الاستسلام للخطأ أو الانحراف الفكري أو السلوكي، وقد أشار القرآن الكريم في أكثر من موضع إلى هذه القاعدة، ومضمونها، وتحدثت السنة الشريفة عن واجب المسلم في هذه القاعدة، قال تعالي: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (آل عمران: 104)، وقال تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ (آل عمران: ۱۱۰) وقال ﷺ: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان».

ومن المؤكد أنه لا توجد حضارة أخرى عمقت الحس النقدي، ومدافعة الخطأ والانحراف، مثل الحضارة الإسلامية.

إن نظرية المعرفة الإسلامية، أطلقت الحرية للإنسان المسلم كي يفكر ويصل إلى أدق أسرار الكون، وإلى النفاذ من أقطار السماوات والأرض إذا استطاع، والدليل العملي على ذلك، هو بناء حضارة شامخة في القرون الوسطى المظلمة التي كان يعيشها الأوروبيون.
ثم من قال إن جميع مفكري القرن الماضي كانوا حداثيين كما يدعي صاحبنا الشيوعي؟ إن طه حسين وحسين فوزي ولويس عوض وغيرهم من الموالين للغرب الصليبي الاستعماري، ليسوا جميع مفكري القرن الماضي ولا يمثلونهم، فهناك المئات من المفكرين العظام الذين مثلوا الرقي الفكري والاستقلال الحضاري، وعبروا عن إسلامية الأمة والرؤية على تفاوت، نذكر منهم على سبيل المثال، لا الحصر: الأستاذ الإمام محمد عبده، محمد رشيد رضا، محمد فريد وجدي، عبد العزيز جاويش، محب الدين الخطيب، مصطفى لطفي المنفلوطي، علي الغاياتي، مصطفى صادق الرافعي، عباس محمود العقاد، عبد العزيز البشري، أحمد حسن الزيات، محمود محمد شاكر، محمد الغزالي، محمد متولي الشعراوي، ولا داعي لذكر المعاصرين خوف الحرج من نسيان بعضهم، ثم إن الحداثة بالمفهوم الغربي، تتعارض مع الأديان عامة والإسلام خاصة، لأنها لا تؤمن بالغيب، ولا بالوحي، ولا بوجود إله.

إن إعادة النظر في الهوية الإسلامية عمل غير مسوغ وغير مقبول، وطرحه في مثل هذا الظرف الحرج الذي تمر به الأمة يعد عملًا خيانيًا لحساب الاستعمار الصليبي والاستعمار الصهيوني في آن واحد.

إن قوات الغزو الصليبي- الصهيوني تربض أمام أعيننا في بغداد والقدس، وتمارس إذلال المسلمين صباح مساء، ويشهد العالم تجليات هذا الإذلال يوميًا على شاشات التلفزة ويسمعها عبر موجات الأثير، وهو ما يجعل التمسك بالهوية الإسلامية والعض عليها بالتواجد أمرًا ضروريًا، خاصة أن الهوية الإسلامية لا تلغي الخصوصية التي تمايز شعبًا عن آخر أو قومية عن أخرى، ولكنها تظلل الجميع بجناحيها، وتغذيهم بعطائها الخصب الذي لا ينضب، وتمنحهم أفقًا من التسامح والمودة والأمل غير مسبوق في أية حضارة سابقة أو لاحقة، ترى هل هناك بعدئذ مكان للسؤال: من نحن؟ نحن مسلمون وكفى!

الرابط المختصر :