; الإسلام والكونجرس (56)- التقرير النهائي «2» | مجلة المجتمع

العنوان الإسلام والكونجرس (56)- التقرير النهائي «2»

الكاتب أحمد إبراهيم خضر

تاريخ النشر الثلاثاء 17-يوليو-1990

مشاهدات 90

نشر في العدد 974

نشر في الصفحة 48

الثلاثاء 17-يوليو-1990

في الحلقة الماضية من التقرير النهائي عرض الكاتب لبعض الأساسيات العامة التي منها:

1.    الإسلام جزء من ثقافة الشرق الأوسط.

2.    ما يلاحظ على امتداد العالم الإسلامي ما هو إلا تجديد للإسلام في الحياة العامة.

3.    الإسلام قد ظهر كملاذ للمسلمين بسبب الفراغ في الأيديولوجيات العلمانية.

4.    الثورة الإيرانية قد فقدت بريقها في عيون الجماهير المسلمة التي لم تجد فيها تجسيدًا كانت تتوقعه.

5.    الفهم الأمريكي للصحوة كان بطيئًا...إلخ.

وفي هذه الحلقة نواصل استعراض تلك الأساسيات.


ثالث عشر

الأصوليون يروننا ماديين وشعبًا بلا قيم، حطمنا روابط الأسرة، وقللنا من أهمية الدين، وينظرون إلينا على أننا الممول الرئيسي للمدنية الغربية التي لا يرفضونها، ولكن يتوقفون عند نوعيتها، وإن كانوا ينظرون إلى كل أشكال هذه المدنية الغربية من معدات ونصائح على أنها خالية من القيم الدينية والروحية. إن الظهور العريض للثقافة الغربية والأمريكية يحطم الأصوليين بشدة، فبيوتنا، وجامعاتنا، وعاداتنا الجنسية، وموانع الحمل والإجهاض، والرقص ومواعيد العشاق، والنوادي الليلية، والأفلام الإباحية، والاختلاط، والملابس الضيقة، والمهرجانات المختلفة، وعمل المرأة، كل ذلك يهدد بضياع العادات والممارسات الإسلامية، ومن الأصوليين من يخشى على بقاء الإسلام ذاته؛ ولهذا فهم يقومون بهجوم مضاد على الثقافة الغربية، ويدينونها ويرونها شاذة جماليًا ومتفسخة أخلاقيًا.


رابع عشر

نحن والاتحاد السوفيتي عند الأصوليين متشابهان أكثر منا ضدان، ونتقاسم الكثير الذي يرفضونه، فنحن والروس كنا نصارى من الناحية التاريخية، وثقافتنا مشتقة من المدنية الغربية، ومثاليتنا هي الإنسانية والعلمانية، والتشابهات بيننا ممتدة حتى إلى الأيديولوجية التي من المفترض أن نختلف عندها، فالماركسية تقاوم الفكر الغربي لكنها ما ناقشت أبدًا أولوية الثقافة الغربية، والاختلافات بيننا ليست ذات بال بالنسبة للإسلاميين، لكن المشكلة هي أنهم أكثر مناوئة لنا بسبب تاريخنا الحديث معهم.


خامس عشر

الإسلاميون يعادون الولايات المتحدة؛ لأنهم يرونها غير صادقة في ادعاءاتها بأنها نصيرة للحرية ولحقوق الإنسان، وأنها لا تختلف عن الاستعمار الأوروبي من قريب أو بعيد. كما يروننا نتعامل معهم على المستوى الرسمي وغير الرسمي بنوع من التظاهر، وأننا لا نهتم بهم إلا في ضوء قضية الصراع بين القوى العظمى. ويعتقدون أيضًا أن للمخابرات الأمريكية دورًا في كل ما تقوم به حكوماتهم من قمع لهم ولقادتهم، وأن الأمريكيين يتحملون المسؤولية دومًا طالما أن ساستهم عملاء لنا، ويرى الإسلاميون بصفة عامة أنهم مهددون من واشنطن أكثر من موسكو، وواشنطن في نظرهم تقف في طريق استقلال المسلمين، وأنها ورثت العباءة الاستعمارية من بريطانيا وفرنسا بعد الحرب العالمية الثانية.


سادس عشر

قد تتمكن هذه الأصولية في بعض الأحيان من تحقيق نجاحات مثلما حدث في اغتيال السادات، إلا أنه لن يترتب على ذلك تغيرات جوهرية مقلقة للنظام أو للمصالح الأمريكية، فالسيناريو قد يتعدل بعض الشيء، وقد يتغير الممثلون، لكن الرواية تظل كما هي. كما أن النظرة البعيدة المدى لدرجة استقرار الأنظمة تبين أنه لا خوف من سقوط هذه الأنظمة، وهي ستزول أو ستبقى حسب جدارتها، وقد يتمكن الأصوليون من الإطاحة بنظمهم العلمانية على الرغم من إمكانيات التقدم التكنولوجي ومساعدة الولايات المتحدة، وكذلك قد يتمكنون من إقامة حكم إسلامي قادر على الوقوف بفاعلية أمام ضغط القوتين العظميين، وذلك بشرط وجود قائد كاريزمي مُلهم على درجة من القوة والتصميم والصدق، يلتفون حوله ليقودهم إلى الإطاحة بالنظام.


سابع عشر

إن تصميم الأصوليين على السيطرة على السلطة يجعل من الصعب علينا مزاملتهم أو اتخاذهم حليفًا للولايات المتحدة، وهم على كل الأحوال حلف خطر للولايات المتحدة، والأصوليون ينظرون إلى الأمور في حدودها النسبية، ولا يفهمونها إلا في ضوء أنت معي أو ضدي، ولا تصلح معهم سياسة التوفيق الإسلامي الأمريكي؛ لأن هذا يتناقض مع قيمهم؛ ومن ثم فإن الجهود الأمريكية لمحاولة الوصول معهم إلى فهم مقبول للمشاكل المشتركة لن تكون ذات أثر إيجابي. كما أنه من الصعب تغيير أهدافهم لاستمرار شعورهم بأنهم مغتربون، وإذا تمكن الأصوليون من الوصول إلى السلطة فإنهم سيحاولون تطبيق برنامج منبثق من الشريعة، وسيلجئون إلى ممارسة الضبط القهري بسبب مقاومة غير المسلمين والعلمانيين والإصلاحيين، وعند تطبيق الشريعة سيصبح الحكم دكتاتوريًا وقسريًا، وهم على استعداد لعرض وجهة نظرهم على من يعارضونهم؛ ذلك لأنهم يعتقدون بأن في الشريعة إجابات لكل المشكلات الحديثة، ويعتقدون بأنهم وحدهم الساعون نحو تطبيقها، ويتصرفون بتصميم ذاتي، مصاحب بإيمان مطلق بأنهم يعرفون إرادة الله، ويبررون كل الوسائل التي تمكنهم من السيطرة على الحكم، وغالبًا ما يستخدمون وسائل متطرفة.


ثامن عشر

من الصعب القول بأن الثروة النفطية في العالم الإسلامي يمكن أن تُستخدم لتدعيم الأصولية الإسلامية؛ لأن هذه الثروة قد استنزفت بفعل قوى السوق العالمية، وضاعت في مشروعات تنموية حمقاء باهظة التكاليف، أو في سوق السلاح الضخم. كما لا تمثل الهيئات الإسلامية القائمة خطرًا حقيقيًا على المصالح الأمريكية، أو تدعيمًا قويًا للصحوة الإسلامية؛ لأنها ذات توجيه حكومي في المقام الأول، ولأنها تسير في خط محدد من الفعل السياسي يعوق ويحرم على غيرها العمل.


تاسع عشر

الأنظمة التي تواجه الأصوليين على نوعين، منها ما يعمل على استقرار أوضاعه بقمع أنشطتهم وباستخدام المخابرات الدقيقة والبوليس السري والقومي والقوات شبه العسكرية، ومنها ما ينافق بالإسلام ويستخدمه لإضفاء الشرعية المناسبة، والحصول على التأييد الشعبي، إلا أن المسلمين قد عايشوا تجربة الإسلام الحكومي، إلى جانب تجارب القومية والعلمانية، وظهر فشل ذلك كله في هزائم مذلة ومخزية.


عشرون

المسلمون على ثلاثة أنواع: علمانيون، وإصلاحيون، وأصوليون. يعتقد العلمانيون أن تحقيق النجاح في العالم يتطلب أن يُطرح بعيدًا كل شيء يقف في طريق محاكاة الغرب، ولهذا فإنهم يرون ضرورة الانسحاب الكامل للدين من الحياة العامة، ويرفضون الالتزام بأوامر الشريعة من زواج الرجل بأكثر من واحدة، أو أن يكون رئيس الدولة مسلمًا بالضرورة. أما الإصلاحيون فقد دمجوا الشريعة بالمدنية الغربية، وفسروا الشريعة بطريقة تجعلها متطابقة مع طرق الغرب، ويسروا عملية قبول الممارسات الغربية التي رغبوا في تبنيها، وحولوا الإسلام إلى دين له نمط خاص يمنع التعدد، ويشجع العلم، ويطلب الديمقراطية. أما الأصوليون فإنهم على عكس الجماعتين السابقتين يرون أن الشريعة يجب أن تُطبق بكامل تفاصيلها، وأن أوامر الله ونواهيه يجب أن تُنفذ كاملة، وأن ذلك إلزام على المسلمين جميعًا. والشريعة في نظرهم صالحة للتطبيق اليوم، كما كانت صالحة للتطبيق في الماضي، وفي الوقت الذي يقبل فيه العلمانيون والإصلاحيون المدنية الغربية يرفض الأصوليون الغرب كليًا، ويصرون على عدائهم الدائب للولايات المتحدة، وقد نجح العلمانيون في صياغة طريقة ميسرة للحياة، أما الأصوليون فيطلبون تحقيق الكثير، ويتحدث الأصولي كفرد يعيش في العصور الوسطى.


التنظيمات الإسلامية

كل تنظيم أو حركة أصولية في كل بلد إسلامي إنما هي نتاج بيئة سياسية خاصة، ولكل تنظيم أهدافه ومناهجه، وتتنوع هذه التنظيمات، فمنها ما ينحو إلى الاعتدال، ومنها ما ينحو إلى التطرف، لكن معظم التنظيمات الإسلامية تسعى إلى إحداث تغيير اجتماعي سياسي عبر الأنظمة السياسية القائمة. أما من ينظرون إلى هذه الأنظمة على أنها أنظمة قمعية وفاسدة ومرتبطة ومعززة في سياستها بالغرب ومشروعاته أكثر من محاولاتها توجيه المجتمع إسلاميًا، فإنها تتجه إلى التطرف، وترى أن سبيل ذلك هو الجهاد في سبيل الله ضد الكفار وضد حكامهم المستبدين المتحالفين مع الغرب وخاصة الولايات المتحدة. وبتحليل هذه التنظيمات تبين الآتي:

  • أولًا: ليست هناك وحدة موجودة بين هذه التنظيمات، لكن هناك قاسمًا مشتركًا فيما بينها وهو معارضتها للنموذج الغربي من التغيير الاجتماعي، والتنمية الاقتصادية، والحكم السياسي.
  • ثانيًا: يتنوع أعضاء هذه التنظيمات، منهم أميون، ومنهم حملة دكتوراه، ومعظمهم من خريجي الجامعات، وفيهم المحامون والمهندسون البارزون؛ أي أنهم بصفة عامة على مستوى أكاديمي عال مما يعني أنهم على درجة من التفكير المستقل، وليسوا مجرد جماعة من التابعين الصم.
  • ثالثًا: تميز البراجماتية العديد من التنظيمات الإسلامية، ففي الوقت الذي تصر فيه على أنها صاحبة مبدأ تجد بعضها يتحالف مع تنظيمات أخرى على غير نفس الهدف، كما تجد البعض الآخر يصارع من أجل الحصول على قدر متساو من السلطة.
  • رابعًا: عن مسألة انضمام الشباب إلى هذه التنظيمات فإن هناك في الواقع تناقضات عديدة في قيم المجتمعات الإسلامية ريفها وحضرها، فهناك قطاعات ذات ثروة ونمط حياة غربي، وأخرى مُدْقَعة بالفقر والبطالة، كما تتناقض الأعراف الاجتماعية والجنسية المتأثرة بالغرب، والتي تُشاهد في الشوارع وعبر وسائل الإعلام مع قيم الإسلام التقليدية، وخاصة في مسائل المرأة والأسرة. وبالرغم من أن هناك بعضًا من الشباب الذين تروق لهم هذه الحياة فإن معظم الشباب المسلم يعيش في حالة اغتراب وتمزق بين حياته الدينية وبين هذا الأسلوب الغربي، وهنا تأتي التنظيمات الدينية فتقدم لهذا الشباب معنى جديدًا للحياة، وهوية قائمة على أيديولوجية إسلامية تعمل على إنقاذ المجتمع، وتقدم له جدول أعمال ذا نظرة دينية شاملة لإحداث التغير.
  • خامسًا: أهداف التنظيمات الإسلامية: بالرغم من الاختلافات القائمة بين التنظيمات الإسلامية فإن جميعها يسوده اعتقاد عميق بأن العودة إلى الدين هي التي ستصحح الفساد السياسي والاجتماعي القائم، وتهدف كل واحدة من هذه التنظيمات بشكل أو بآخر إلى الآتي:

1.    الإطاحة بالنظم القائمة، وإحلال نظم إسلامية محلها.

2.    إزالة النفوذ الغربي من بلادهم وخاصة النفوذ الأمريكي أو التقليل منه.

3.    أن تكون الشريعة الإسلامية هي مصدر التشريع، وألا ينحصر تطبيقها على المسائل الشخصية، وأن تكون هناك نماذج اجتماعية يتمثلها الناس على المستوى العام والشخصي.

4.    الطموح في نوع من الحياد بين القوى العظمى.

  • سادسًا: الخط الفكري العام للتنظيمات الإسلامية:

1.    إن الإسلام طريقة حياة شاملة، وإن الدين مرتبط بالسياسة والمجتمع.

2.    إن فشل الأنظمة السياسية يعود إلى الاعتماد على الغرب وتقليده وإلى حالة الوهن العسكري النسبي، وإن الحكام ما هم إلا رؤوس أوتوقراطية من الفساد بالرغم من وجود أشكال شبه برلمانية أو دستورية من الحكومات، يشارك فيها الإسلاميون؛ لأن هذه الأنظمة السياسية أنظمة تسلطية تحظى بتأييد الغرب والشركات المتعددة الجنسيات، وتقع الولايات المتحدة على رأس هذه القوى التي يقع اللوم عليها.

3.    الرأسمالية والاشتراكية مرفوضتان، فالماركسية مرفوضة لأنها بديل بلا إله، والرأسمالية مدانة لأنها فشلت في علاج الفقر المنتشر وسوء توزيع الثروة، ولأنها مادية استهلاكية وغير قادرة على أن تقدم أساسًا أيديولوجيًا ناجحًا لوحدة، وتضامن البلاد حتى تحصل على الشرعية السياسية، وأن الأيديولوجية الحقيقية البديلة لحياة المسلمين هي اتباع ما جاء به الوحي في القرآن، واتباع سنة النبي -صلى الله عليه وسلم-، والعودة إلى نموذج المجتمع الإسلامي كما كان في عصر الصدر الأول من الإسلام.

4.    إن الضعف السياسي والاقتصادي والعسكري للمسلمين يعود إلى انحرافهم عن الإسلام، واتباعهم الأيديولوجية والقيم المادية والعلمانية الغربية، ولهذا فهم يدينون الصفوة المحلية العصرية؛ لأنها تشجع الاتجاه نحو الغرب، وتسعى بذلك نحو تغيير اجتماعي لا قيمي. والافتنان بنماذج التطور الغربي مرفوض؛ بسبب انهيار الغرب ثقافيًا وأخلاقيًا، ويؤدي تقليده إلى انهيار الأسرة المسلمة، وتزايد معدلات الجريمة، وظهور مجتمع مشوش ومتساهل وفارغ عسكريًا.

5.    يجب أن تصحح مواقف علماء الدين؛ لأنهم المسؤولون منذ زمن بعيد عن إفساد المعنى الحقيقي للإسلام، ولأنهم وظفوا الإسلام لخدمة الحكومة وخدمة مصالحهم الخاصة.

6.    إن منهج إعادة وتجديد وإصلاح المجتمع المسلم لن يكون إلا بثورة اجتماعية وسياسية إسلامية، كتلك التي قام بها النبي -صلى الله عليه وسلم- والتي تحقق بها نظام إسلامي على مستوى القانون والحكومة، ولهذا يجب أن تكون الشريعة الإسلامية برنامجًا للمجتمع الإسلامي.

7.    لا تُرفَض التكنولوجيا والعلم، ولكن يجب أن يخضع التحديث لمقاييس الإسلام حتى يُحفَظ المجتمع من العلمانية والاتجاه نحو الغرب.

8.    لا بد من وجود تنظيمات أو مجتمعات تقوم على نواة حركية من المؤمنين المدربين الملتزمين الذين يدعون الناس للتوبة والعودة إلى الدين، وهذه النواة تكون مُعَدة عند الضرورة للجهاد.

 

الرابط المختصر :