العنوان الإسلام والمسلمون في كندا-نظرة في التاريخ.. ونافذة على المستقبل
الكاتب جمال الطاهر
تاريخ النشر الثلاثاء 28-يونيو-1994
مشاهدات 111
نشر في العدد 1105
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 28-يونيو-1994
تقع كندا في أعلى الجزء الشمالي من القارة الأمريكية، يحدها المحيط الأطلسي من جهة الشرق، والمحيط الهادي من جهة الغرب، والمحيط المتجمد من جهة الشمال، ولها خط تماس طويل مع الولايات المتحدة الأمريكية، من جهة الجنوب، وتتوفر كندا على ثروات ومصادر مياه هائلة جدًا، تبلغ مساحتها 9,976,139 كم2، أي ما يعادل مساحة فرنسا ۱۸,۲ مرة، وقد أصبحت أكبر دولة في العالم من حيث امتداد المساحة بعد انحلال «الاتحاد السوفيتي»، ويبلغ عدد سكانها (26) مليون نَسَمة فقط يوجد أغلبها (63%) في مقاطعتي كباك وأونتاريو، ويتوزع الباقون على كامل الثماني مقاطعات والمنطقتين الشماليتين المتبقية وهو ما جعل نسبة الكثافة السكانية ضعيفة جدًا لا يتجاوز ٢٫٦ ساكن في الكيلو متر الواحد مقابل ٢٧,٥ في الولايات المتحدة الأمريكية.
ويُفسر هذا الأمر، الضعف الواضح في نسبة النمو الديمغرافي في كندا حيث لا تزيد هذه النسبة عن 0,982% سنويًا، مقابل 0,972% في الولايات المتحدة التي يزيد عدد سكانها عن (250) مليون نَسَمة.
الهجرة إلى كندا:
إن كل هذه المعطيات العامة حول كندا توضح للقارئ دواعي اختيار هذا البلد «القارة» اعتماد سياسة الهجرة وقبول اللاجئين حيث تقيد بعض الإحصائيات الرسمية أن الإدارة الكندية تقبل 65% من مطالب اللجوء المقدمة إليها، في حين لا تتجاوز بريطانيا 3% فقط، فالهجرة تمثل اختيارًا سياسيًا جوهريًا وحيويًا في السياسة الكندية الداخلية والخارجية.
وتفيد بعض الدفاتر التاريخية الموجودة في مقر وزارة الخارجية الكندية، إن الهجرة إلى كندا لم تنقطع تقريبًا على امتداد التاريخ المتوسط والمعاصر لهذا البلد، وأن تدخل أجهزة الدولة في مسألة الهجرة لم يتجاوز تنظيم العملية وترشيدها؛ لتلبية حاجات البلاد من جهة وللحفاظ على توازنات عرقية وايتنية ولغوية معينة.
هجرة العرب والمسلمين:
وتعتبر هجرة العرب والمسلمين إلى كندا حديثة نسبيًا، حيث تعود إلى أواخر القرن التاسع عشر، وقد عرفت تطورًا ملحوظًا منذ العقد الرابع من القرن الحالي، ونظرًا لكون الإحصائيات الرسمية لا تتم على أساس الدين، فإنه لا يوجد إحصاء دقيق لعدد المسلمين في كامل كندا، وتتراوح التقديرات التقريبية لهذا العدد ما بين 200 ألف مسلم ومسلمة عند البعض وبين 500 ألف عند البعض الآخر، ويُرجِّح العاملون في مكتب رابطة العالم الإسلامي بتورنتو – أنتاريو، أن العدد التقريبي للمسلمين بكندا قد يكون في حدود 250 ألفا ينحدرون من بلدان عديدة من العالم.
ويعود تاريخ أول هجرة «منظمة» لبعض العرب والمسلمين إلى بداية القرن الحالي، وذلك في أعداد صغيرة وفدت أساسًا من بعض البلدان التي كانت تعيش في فترة ما بعد الحرب العالمية الأولى حالة من الاضطرابات والحروب، وتفرّقت هذه المجموعات الصغيرة في العديد من المقاطعات والمدن الكندية، وهو ما أدى إلى ذوبانها النسبي في المجتمع الكندي خاصة وأن سياسة الهجرة الكندية لم تكن تشجع في تلك الفترة قبول الوافدين المسلمين.
وعرفت هجرة المسلمين إلى كندا تحولًا نوعيًا وهامًا مع بداية تقاطر الدفعات الأولى من البعثات الطلابية من بلاد العرب والمسلمين للدراسة في الجامعات الكندية، ثم الاستقرار بهذه البلاد في حالة العديد من هؤلاء الطلاب الذين قاموا باستجلاب عائلاتهم، وبعض أقاربهم وذويهم.
وفي خط مواز أرتفع نسق هجرة المسلمين من بلدان المغرب العربي إلى المقاطعة الفرنسية الأساسية بكندا وشمال أمريكا عامة «كيباك»، وذلك للعمل في المصانع والمِهن والحِرف الأخرى.
ومع تعقد أوضاع المسلمين في بعض البلدان مثل لبنان والصومال وغيرهما، فتحت كندا أبوابها لسكان مثل هذه البلدان للهجرة واللجوء إليها، وتفيد بعض الأرقام إلى أن عدد الجالية الصومالية في كندا يقارب 50 ألفا تمركزوا أساسًا في مقاطعة أنتاريو الناطقة بالإنجليزية.
ولقد كان من نتائج هذه الزيادة في عدد المهاجرين واللاجئين العرب والمسلمين وجود مراكز سكنية في أغلب وأهم المدن الكندية، الشيء الذي شجع وساعد على إقامة المساجد والمدارس والمراكز الإسلامية هنا وهناك.
ويعود تاريخ بناء أول مسجد في كندا إلى سنة 1934م وذلك بمدينة ألبرنا في الشمال الغربي لكندا، ومن ذلك التاريخ نشطت حركة بناء المساجد والمراكز.
المسلمون في أهم المقاطعات الكندية:
ويكفي أن نستعرض بعض ما وصل إليه وضع الجاليات العربية والإسلامية في أهم المدن والمقاطعات الكندية لإعطاء صورة عامة عنها:
● مقاطعة أنتاريو وعاصمتها تورنتو:
تعتبر هذه المقاطعة أهم ولاية كندية حيث يبلغ عدد سكانها أكثر من تسعة ملايين نَسَمة منهم قرابة ثلاثة ملايين في مدينة تورنتو وحدها يوجد من ضمنهم ما بين 120 ألفا و150 ألفا مسلم، كما يوجد بهذه المقاطعة العديد من الجمعيات والمساجد والمنظمات الإسلامية (30) مؤسسة تقريبًا من أهمها:
1- مكتب الاتحاد الإسلامي لأمريكا الشمالية ISNA، وتتبعه العديد من المؤسسات من بينها:
أ- مؤسسة الوقف الإسلامي.
ب- شركة إسكان إسلامية.
جــ- المؤتمرات الإسلامية
2- مكتب رابطة العالم الإسلامي في كندا.
3- المدرسة الإسلامية في تورنتو وتضم ٢٥٠ طالبًا من الروضة إلى نهاية الصف
الثامن.
● مقاطعة كيباك وعاصمتها مونتريال:
وهي الولاية الفرنسية الرئيسة في كندا، وتأتي في المرتبة الثانية بعد تورنتو من حيث المساحة وعدد السكان الذي يصل فيها إلى قرابة ستة ملايين نَسَمة نجد من بينهم ما يقارب 800 ألف مسلم.
ومن أهمّ المؤسسات الإسلامية العاملة بهذه المقاطعة نذكر:
1- مسجد الأمة الإسلامية، وهو فضاء كبير يوجد بوسط مدينة مونتريال.
2- مسجد السُنة النبوية، وهو عبارة عن مبنى كبير من ثلاثة طوابق وقع شراؤه أخيرًا وافتتاحه في أول ليلة من رمضان الماضي.
3- مركز كيباك - مونتريال، يقع في حيّ لليهود يوجد حيًا به مسجد ومدرسة نظامية وقاعة محاضرات، وهو واحد من أهم المراكز الإسلامية بالمقاطعة.
4- المركز الإسلامي بكيباك، وهو الفضاء الوحيد في المقاطعة الذي له خاصيات المعمار الإسلامي، بُني على نفقة المسلمين وأقيمت له مئذنة، وتنتظم فيه العديد من المناشط والمناسبات مثل الزواج وتغسيل الموتى..
وفي العموم، فإنه يمكن القول: إن بقية المدن والمقاطعات الكندية لا تخلو -والحمد لله- من مسجد أو مركز أو جمعية يجتمع فيها المسلمون لتأدية الصلاة وتعليم الأبناء وإقامة المناسبات الإسلامية، وتتراوح قوة هذه المؤسسات بحسب عدد وقوة الجالية المسلمة المقيمة بهذه المدينة أو تلك.
▪ المركز الإسلامي في كندا.
بُني أول مسجد للمسلمين في كندا عام 1934م.
أسباب ضعف الوجود الإسلامي في كندا:
إن الوجود الإسلامي في كندا مع أنه لا يزال حديثًا نسبيًا قياسًا لبعض الجاليات الأخرى فإنه لا يزال أيضًا ضعيفًا في العديد من المستويات - ويمكن تفسير هذا الضعف بعوامل عديدة، بعضها ذاتي وبعضها الآخر موضوعي، نذكر منها.
● العوامل الذاتية: ومن أهمها:
1- تعدد وتنوع الجاليات الإسلامية من حيث اللغة أو اللهجة ومن حيث تجارب العمل وحتى العقليات والخلفيات، وهو أمر وإن كان موجودًا في بلدان استقبال أخرى، إلا أنه يبدو أكثر حدة في كندا التي يوجد بها ما لا يقل عن 600 مذهب ديني وايتني من مختلف الديانات.
إن هذا التعدد الواسع قد أفرز صعوبات في مستوى العلاقة والتواصل بين الجاليات المسلمة، بحيث بقيت كل جالية تعمل في حدودها الخاصة بها لا تجمعها بالجاليات الأخرى مساحات ولا تقاطعات واضحة للعمل المشترك سواء في المجال الثقافي أو السياسي أو حتى الاجتماعي.
2- غياب رموز إسلامية مقتدرة يمكن أن تحوز ثقة الغالبية _على الأقل_ من رواد المساجد، فالغالب على هذه الجاليات هي الصفة الشبابية لقواعدها ورموزها أو ممثليها _على السواء_ تقريبًا، وهو أمر يمكن فهمه وتبريره إذا ما سلمنا بما قلناه آنفًا حول حداثة هجرة المسلمين إلى كندا.
3- ضعف المؤسسات الإسلامية ومحدودية إمكانياتها البشرية والمادية، وإشعاعها وقدرتها على التأطير، وقد يكون تذر إقامة المسلمين في أماكن عديدة ومتباعدة جدًا مع الانغلاق النسبي للجاليات على نفسها وقضاياها عاملين أساسيين في إبقاء هذه المؤسسات ضعيفة ومحدودة، ويضاف إلى هذا أيضًا سبب آخر مهم يتعلق بمناهج عمل هذه المؤسسات وخياراتها إلى حد الآن التي تقدر معها على الانفتاح والتواصل مع القواعد العريضة للجاليات، بل بقيت، في عمومها، حبيسة طبقة معينة تتكون أساسًا من الحركيين.
4- ضعف الإمكانيات المادية للجاليات الإسلامية باستثناء بعض الحالات مثل الباكستانيين، وبعض المشارقة بحيث لا يوجد عدد عام من التجار والأثرياء والأعيان الذين يمكن أن يتطور العمل الاجتماعي أو الإسلامي بشكل عام من خلال تبرعاتهم وعطاءاتهم.
5- عدم وجود دعاة متفرغين للعمل الدعوي بالقدر الكافي، لتغطية الحاجيات المتزايدة للجاليات المسلمة وهو ما أدى إلى وجود فراغ على مستوى التربية والإرشاد والتوجيه ستظهر مخاطره ونتائجه السلبية بعد مدة، قد لا تكون طويلة وخاصة على مستوى العلاقات بين العاملين للإسلام.
6- عدم تطور العمل العام المشترك للجاليات المسلمة الشيء الذي حرمها رغم إعدادها المحترمة من دخول البرلمانات ومؤسسات الدولة والمجتمع للدفاع عن مصالح المسلمين وشخصيتهم الثقافية خاصة وأن البنية الديمغرافية للمسلمين شهدت بدايات تحول مهم مع ظهور «الجيل الثاني».
● أما عن العوالم الموضوعية، فيمكن الاقتصار على ذكر بعضها:
1- اتساع رقعة البلاد الكندية مع قلة عدد الجالية، واختلاف لغاتها كل ذلك أدى إلى تذررها في العديد من المدن والمراكز وحرمها بالتالي من التمركز.
2- بُعد كندا عن المشرق الإسلامي وأوروبا، الشيء الذي كان من نتائجه محدودية الاحتكاك بين العاملين للإسلام في كندا مع أمثالهم في المشرق خاصة وأن صعوبة الحصول على تأشيرة لكندا قد منع في مرات عديدة وقوع مثل الاحتكاك.
من خلال ما تقدم بيانه، يمكن القول بأن الإسلام والمسلمين في كندا لا يزالان في مراحلهما الأولى، وأن أغلب المؤشرات والبيانات توحي بإمكانية تطور الوضعية العامة لصالح المسلمين في هذه البلاد وخاصة إذا ما أحسنوا التعامل مع المعطيات ووظفوها وجعلوها خادمة لأهدافهم.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل