العنوان الإسلام ... وحرية الرأي
الكاتب منير الغضبان
تاريخ النشر السبت 10-يونيو-2006
مشاهدات 55
نشر في العدد 1705
نشر في الصفحة 38
السبت 10-يونيو-2006
من الحدود المهمة التي وضعها الإسلام في العلاقات مع غير المؤمنين عدم استخدام السب والاستهزاء في الحوار. 1]
من الأحداث التي شغلت العالم وبعض المحطات الفضائية في الآونة الأخيرة الرسوم الكاريكاتيرية في الصحيفة الدانماركية، وانقسام العالم الحر كما يسمونه بين موقفين: موقف يرى أنه لا حد لحرية الرأي، وموقف يرى أن حرية الرأي تنتهي عند الآخرين، ولا يجوز المساس بالمقدسات الدينية، وبعد هدوء تداعيات هذا الحدث أتوقف أمام ما جرى لإبداء بعض الملاحظات في هدوء.
أولًا: أعتقد أن هذه الصور لو مرت دون تعليق لانتمت إلى إطار مغلق، ولم يأبه بها أحد ولم يسمع بها أحد، ولانتهت مع مئات الألوف من السباب للإسلام ولرسول الإسلام التي لا تنتهي منذ أن قام الصراع بين الحق والباطل في هذا الوجود. ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ (التوبة: 65).
لقد نزلت هذه الآية في المدينة وفي ظل الدولة الإسلامية التي يحكمها رسول الله صلى الله عليه وسلم وحكم الله تعالى بكفرهم: ﴿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ (التوبة: ٦٦)، ولكن دون إيقاع أي عقوبة عليهم –وهم فئة ضمن المجتمع النبوي –طالما أنهم يظهرون إسلامهم. وانتهى الرد بالحوار الفكري، ولم يقتل منهم أحد. فالحوار هو سبيل الموقف الفكري.
ثانيًا: أما وقد أخذ الحدث هذه الشهرة العالمية، وراحت صحف العالم ودوله ما بين مؤيد ومعارض. وقامت كثير من الصحف الحاقدة بنقل هذه الصور وتكرارها تنفيسًا للغيظ والحقد الكامن في قلوبهم على هذا الدين، أو إيمانًا بحق حرية الرأي ألا تُمس، فلا بد من موقف يتناسب والآثار التي ترتبت على هذا العمل. ولا شك أن موقف الشعوب الإسلامية كان سابقًا لموقف حكوماتها، حيث تبارت في مقاطعة البضائع الدانماركية، مما جعل هذا الموقف ينعكس مباشرة على الشعب هناك، ويحس بوطأة الجريمة, وتحركت بعض الحكومات الإسلامية بالاحتجاج، وقام بعضها الآخر بقطع العلاقات الدبلوماسية مع الدانمارك. وهذا الموقف المفروض أن تتحرك به دول العالم الإسلامي, فسبع وخمسون دولة عندما تقطع علاقاتها مع هذه الدولة يعني اختيار هذه الحكومة الحرب ضد العالم الإسلامي كله، وضد مليار وثلث المليار من البشر. غير أن جماهير المسلمين في أصقاع العالم الإسلامي لم تنتظر حكوماتها، حتى تأذن لها بالتحرك، فانطلقت غاضبة ثائرة تعلن ولاءها لنبيها، وتعلن استعدادها للموت في سبيل الذود عنه.
وأثبت الحدث أن الأمة حيَّة من المحيط إلى المحيط, وأنها لو قدر لها قيادة عبقرية لغيرت مقود التاريخ في هذا العصر.
ثالثًا: واتسع الخرق على الراقع، وكما تجمع الإسلام كله، فقد تآزر الكفر كله، وراحت الصحف في أوروبا تنشر هذه الرسوم إعلانًا للتأييد بهذا الاستهزاء والسخرية بنبي الإسلام والمسلمين، وفقدان موقف موحد مدروس رسمي جعل هذه المظاهرات والمقاطعة ضعيفة الجدوى، فمن السهل أن نقاطع دولة واحدة لكن أن تقاطع دول الاتحاد الأوروبي، فهذا لم يصل له العالم الإسلامي بعد، لأننا لا نمثل في واقع الأمر العالم المتكامل، والدول المتضامنة المتفقة على الآراء والمواقف.
رابعًا: لا بد من نقاش المبدأ ابتداءً فالحرية في الدول الإسكندنافية هي أعلى مستويات الحرية في العالم، الحرية في كل شيء. فالحرية عندها بلا قيود وتعني الإباحية تمامًا. وقيمة الحرية عندهم هي القيمة العليا في الوجود، لا تعلوها أي قيمة.
هذه الحرية أو النماذج في الحرية تمثل الحد الأقصى المتطرف فيها, ولا شك أن القيم تضيع في هذا العالم، إذ لا يقدم على لذة الإنسان وشهوته وممارسة متعته ومصلحته شيء. هذا النموذج هو الذي تحدث القرآن عنا فقال: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ (الفرقان: 43- 44). والفرق واضح بيننا وبينهم في فهم هذا الحريات، لأننا نؤمن بالله الخالق المصور الذي أرسل الرسل، وأرسل معهم الشرائع لتكون هداية للناس من الظلمات إلى النور وحد حدودًا لمن يؤمن بهذه الرسالة ومن لا يؤمن بها فأعطى حرية العقيدة للناس وهم يتحملون فيما بعد تبعة ما يعتقدون في الآخرة. ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ (البقرة: ٢٥٦)، ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ (الكهف: ۲۹)، ومن الحدود المهمة التي وضعها الإسلام في العلاقات في المجتمع الواحد بين المؤمنين وغير المؤمنين ألا يستعمل سبيل السب والشتم والاستهزاء والسخرية بين الفريقين.
لقد أمر الإسلام المسلمين ألا يسبوا عقائد الكفار ومقدساتهم, ولو كانت أصنام وثنية ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ (الأنعام: ۱۰۸).
كما نهى عن السخرية والاستهزاء حتى بين دعاة المبدأ الواحد، فمن باب أولي بين المختلفين في المبادئ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَىٰ أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ ۖ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ ۖ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ ۚ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (الحجرات:11). واحترام الحوار بين المختلفين في الأمة الواحدة والوطن الواحد، هو السبيل الصحيح للوصول إلى الحقيقة.
والذي يراجع القرآن الكريم يرى أنه قد عرض بأمانة تامة عقائد المخالفين كاملة، أيًا كانت عقائدهم وأديانهم، ثم رد عليها بعد ذلك, والذي يريد أن يعرف تاريخ الجاهلية, وأفكارها وقيمها ومبادئها وعقائدها .. فعليه بالقرآن، فسيجد ذلك كله متضمنا فيه مع حججه، ثم الحجج التي ترد عليه.
خامسا: في الوقت نفسه ينقم على الذين يريدون أن يفرضوا عقائدهم بالقوة, يندد بالذين يهددون أبناء وطنهم بطردهم منه إن لم يؤمنوا بعقائدهم ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا ۚ قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ, قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُم بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا ۚ وَمَا يَكُونُ لَنَا أَن نَّعُودَ فِيهَا إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا ۚ وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا ۚ عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا ۚ رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ﴾ (الأعراف: 88- 89).
سادسا: ويرفض الإسلام الحرب الجماعية أو القتل لمن لا يؤمن بهذا الدين, لو كان الإسلام نفسه. ولم يعرف التاريخ احترام الآخر كما عرفه في ظل الإسلام, يكفينا دليلًا على ذلك ما قاله غوستاف لوبون في كتابه حضارة العرب ص ٦٠٥: «لقد أدرك الخلفاء السابقون الذين كان عندهم من العبقرية السياسية ما ندر وجوده في دعاة الديانات الجديدة أن النظم والأديان ليست مما يفرض قسرًا، فعاملوا كما رأينا أهل سورية ومصر وإسبانيا وكل قطر استولوا عليه بلطف عظيم، تاركين لهم قوانينهم ومعتقداتهم، غير فارضين عليهم سوى جزية صغيرة زهيدة في الغالب، إذا ما قيست بما كانوا يدفعونه سابقًا في مقابل حفظ الأمن بينهم، الحق أن الأمم لم تعرف فاتحين متسامحين مثل العرب ولا دينًا مثل دينهم. وما جهله المؤرخون من حلم العرب الفاتحين وتسامحهم كان من الأسباب السريعة لاتساع فتوحهم، وفي سهولة اعتناق كثير من الأمم لدينهم ونظمهم ولغتهم التي رسخت وقاومت جميع الغارات، وبقيت قائمة حتى بعد أن توارى سلطان العرب عن مصر في العالم».
سابعًا: لو قيل لنا الآن إن رسام الكاريكاتير قد قُتل لفرح الكثير من عوام المسلمين بذلك, لكن لو قيل لنا إن هذا الرسام قد أسلم واهتدى لكانت الفرحة الكبرى عند جميع المسلمين. نحن نعلم أن جهل هؤلاء الناس بهذا الدين وما يرونه من دعاية عالمية لربط الإسلام بالإرهاب والإرهاب بالإسلام هو الذي حدا بهم إلى مثل هذه الرسوم. ولو علموا حادثة واحدة من حوادث عظمة الهدي النبوي في التعامل مع الخصوم الأعداء الألداء، وكيف استطاع أن يذيب حقدهم، ويقتل الكفر في نفوسهم ويفتح قلوبهم للحق، لما أقدموا على هذا العمل. ولو أننا طلبنا من سفارة الدانمارك أن تعطينا ساعات في الفضائية الدانماركية للحوار مع هؤلاء الرسامين والحاقدين وعرض الإسلام وتسامحه ورسول الإسلام الذي أنزله الله رحمة للعالمين على عدة حلقات لكان أحب إلينا من حرب المواجهة هذه. فهدي الناس أحب إلينا من قتالهم.
ثامنا: ولأن اليهود –وهم دولة واحدة في الأرض –عرفوا كيف يخططون لدولتهم. فقد استصدروا قرارًا عالميًّا من الأمم المتحدة يمنع التشكيك بالهلوكوست والإبادة الجماعية لهم، وأن من يتعرض لذلك أو ينال من اليهود فهو عدو للسامية، ويقاد للمحاكمة, ونتساءل هنا عن حرية الرأي في هذه الدول.. فهل يستطيع أي رسام أن يشكك في الهولوكوست أو يهاجم اليهود أو ينفي اضطهادهم؟ فأين الحرية هنا إذن؟
تاسعا: ولو سعت الدول الإسلامية –وهي ليست دولة واحدة ولكنها سبع وخمسون دولة -لاستصدار قرار من الأمم المتحدة لمنع التعرض للمقدسات الدينية، أيًّا كان نوعها والتشهير والاستهزاء والسخرية سيان كانت يهودية أو نصرانية أو مسلمة لكان هذا خير جواب لإيقاف مثل هذه المهازل التي تصدر وستصدر في كل وقت. وهذا ما نتمنَّى على منظمة الدول الإسلامية أن تقوم به, وما أعتقد إلا أن هذا القرار سوف ينجح بالتأكيد.
عاشرًا: ونحب أن نُسمع هذه الدوائر كلها في الأرض أن حبَّنا لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم لن تنال منه هذه السفاهات والتوافه.. فلقد رماه قومه بالسحر والكهانة والجنون والكذب وحب النساء.. وسقطوا جميعًا وانضموا لدين الله بالحوار والحكمة والموعظة الحسنة.
أم عمارة رضى الله عنها
وحين يجد الجد فكل امرأة عندنا وكل طفل جاهزون لتقديم حياتهم للذود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ناهيك عن الرجال الذين خلقوا للحرب والمواجهة, ويكفينا نموذج أم عمارة التي قال عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما التفتُّ يمينًا ولا شمالًا إلا رأيتها تذود عني».
وتصف هي هذه الحرب بقولها: لما انهزم المسلمون انحزت إلى رسول الله فقمت أباشر القتال وأذب عنه بالسيف، وأرمي عنه بالقوس، حتى خلصت الجراح إليَّ، قالت أم سعد: فرأيت على عاتقها جرحًا أجوف له غور. فقلت: من أصابك بهذا؟ قالت: ابن قمأة أقمأه الله. لما ولَّى الناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل يقول: دلوني على محمد، فلا نجوت إن نجا، فاعترضت أنا ومصعب وأناس ممن ثبت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فضربني هذه الضربة. ولكنى ضربته على ذلك ضربات ولكن عدو الله كانت عليه درعان.
أما ابنها فقد قطعه مسيلمة عضوًا عضوًا وهو يرفض أن يكفر برسول الله صلى الله عليه وسلم, ولقد مضى القول سائرًا في التاريخ: ما رأيت أحدًا يحب أحدًا كحب أصحاب محمد محمدًا. فندعو هذه المعسكرات جميعًا أن تكُف عن استفزاز المسلمين في أغلى ما عندهم من المقدسات. وعندها يطيب الموت, ورسول الله صلى الله عليه وسلم أغلى عندهم من كل شيء في هذه الحياة.