العنوان الإسلام وفكرة المستقبل (٢ من ٣)
الكاتب راشد الغنوشي
تاريخ النشر السبت 05-أكتوبر-2002
مشاهدات 72
نشر في العدد 1521
نشر في الصفحة 66
السبت 05-أكتوبر-2002
الإسلام وفكرة المستقبل (٢ من ٣)
عرفنا في العدد الماضي أن الإسلام دين تقدمي من أوجه متعددة وتحدثنا عن الوجه الأول، وهو أن الإسلام يحمل تصورًا يدفع معتنقيه إلى التحرر من سجن الماضي والحاضر في اتجاه التطلع للمستقبل.. وأن هذا المنطق حشر أعداءه في خانتين.. الأولى: خانة الماضويين الرافضين للتغيير والنفور، المصرين على ما وجدوا عليه أباءهم والثانية هي خانة التشبث بالحاضر ورفض المستقبل. ونتحدث في هذا العدد عن وجهين آخرين من أوجه التقدمية وهما: طموح الإسلام وسعيه إلى المثالية في حدود الطاقة البشرية، ثم المكانة المتميزة التي حظي بها المستضعفون من الرجال والنساء والولدان في الإسلام.
مثالية في حدود الطاقة البشرية:
ومما يجعل دعوة الإسلام دعوة مستقبلية أنها تطمح إلى تحقيق المثال بقدر ما يطيق البشر وتثق في قدرة الناس على التحرر والتخفف من ثقل الماضي والحاضر والتطلع إلى المستقبل مهما بدا من تقاعسهم واستسلامهم. إن حملة تلك الدعوة متفائلون لا يعرف الوهن ولا الحزن ولا اليأس إلى نفوسهم طريقًا مهما طال الطريق وتكالب الأعداء وطفحت الجراح وادلهم الليل من حولهم، ففي قلوبهم قبس من نور الله ومن السكينة والشعور العميق بمعية العزيز الرحيم وأنه ناصرهم ولو بعد حين وأن كل ما ينالهم من مكاره ومصائب لهم بحسبها درجات في الجنة، أسماها درجة الشهيد.
كما أنهم واثقون في الناس وما جبلوا عليه من فطرة خيرة تنصاع إلى الحق غالبًا إذا استبان لها.
فما بد من استمرار توجيه البيان إليها وتنويع طرائقه وتحسينها، شأن من يحفر بئرًا بحثًا عن الماء، فمهما تعمق دون أن يجد، تراه يواصل موقنًا أن في الأرض ماء، مهما نأى، فلا يغره ولا يؤيسه الجفاف البادي، بل يدأب على الحفر موقنًا أن تدفق الماء قريب متوقع في كل لحظة، فيستمر حتى يأتي وعد الله وتدرك خصمه المعاند فيئة إلى الرشد فيستيقظ.
كذا كان رسل الله عليهم السلام وهم يواجهون موازين القوة المختلة لصالح أعدائهم موقنين أن ذلك أمر عابر شاذ مهما طال، فلا يفترون عن تسفيه الباطل وتعرية حقيقته والهجوم عليه، وتحديه، وهم ينظرون بنور الإيمان مصرعه وظهور الحق عليه ﴿وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (الصف: ٨). هكذا كان رسول الإسلام قائد الملحمة -عليه السلام- وهو محاصر في الخندق وقد اجتمع عليه بأس الشرك والنفاق واليهود، كانت تتلألأ أمام ناظريه من وراء غبار الخندق والرعب المخيم أنوار الإسلام وهي تشرق على مدائن کسرى وقصور الروم في الشام فتبدد ظلماتها، ويبشر أصحابه بأن يوم فتحها غير بعيد.
كما كان -عليه السلام- وأصحابه رضوان الله عليهم يتابعون – وهم محاصرون يسامون النكال – الصراعات الدولية الجارية من حولهم كما كان يتابعها المشركون، فلما انتصر الفرس سر أهل الشرك وحزن المؤمنون لانكسار أهل الكتاب وهم الأقرب إليهم، فنزل القرآن يبشرهم بأن نصر الفرس عابر، إذ سيتلوه انتصار للروم في بضع سنين. وهو ما أشاع في وسطهم البشائر والتفاؤل والتحرر من سجن الحاضر للتطلع صوب المستقبل في ثقة ويقين بظهور هذا الدين كله ولو كره المشركون وهو ما ينبغي أن يشيعه كل تحليل جاد وتقدير للموقف معتبر قال صاحب الدعوة -صلى الله عليه وسلم- ناصحًا صاحبيه
وهو يكل إليهما مسؤولية ويرسلهما في مهمة: «يسرا ولا تعسرا وبشرا ولا تنفرا وتطاوعا ولا تختلفا» (الديباج للنووي) وفي القرآن الكريم ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ (17) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ۚ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ (18)﴾ (الزمر: ١٧ - ١٨).
مكانة خاصة للمستضعفين:
آية أخرى على أن الإسلام دين مستقبلي تلك المكانة المتميزة التي خص بها المستضعفين من الرجال والنساء والولدان (الشباب) فكان هؤلاء هم أتباع الأنبياء وحاملي مشعل التجديد، حتى إن فئة الشباب مثلًا كانوا أبدًا أغلب أتباع الأنبياء وحملة رسالة الدعوة والجهاد لنصرتها هدمًا للخرافة والأوهام والأوثان وإقامة لمعالم التوحيد لنصرتها وتحريرًا للعقل وإطلاقه من عوائقه: قال تعالى في أتباع موسي -عليه السلام-: ﴿فَمَا آمَنَ لِمُوسَىٰ إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ عَلَىٰ خَوْفٍ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَن يَفْتِنَهُمْ﴾ (یونس: ۸۳).
أما عبدة الأوثان في العراق فقد توجهوا بتهمة هدمها إلى الفتى إبراهيم: -عليه السلام-: ﴿قَقَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ (60)﴾ (الأنبياء: ٦٠).
أما خاتم الأنبياء فقد حالفه – كما جاء في السيرة – أحداث الناس وفقراؤهم، وما ذاك إلا بسبب عموم نزعات المحافظة والجمود أو غلبة الأهواء والمصالح وتعطل إما ملكة المحاكمة أو ضعف قيمة الصدق والنزاهة والجرأة لدى غيرهم، لقد كانت الدعوة المحمدية انتفاضة شباب وعبيد وعشاق عدل تمردوا على منطق وأعراف وأنماط حياة متخلفة، في بيئة أصابها الجمود والتكلس والتعفن والظلم والاستكبار والشرك، حركة استمدت زيت مصابيحه من الوحي لتلبي مطالب التغيير المتصاعدة في البيت وفي جملة المعمورة.
نموذج للعدالة:
ولقد أحسن القائد المعلم سبك ذلك الجيل من الشباب والمستضعفين عامة ليرسي بهم نموذج للعدالة الإلهية ظل منارة عظيمة تهدي الحائرين وتفجر تحت عروش الجبارين براكين لا تغيض إلى يوم الدين رفضًا للواقع الظالم، وانشدادًا إلى ذلك النموذج في إصرار لا يلين على إرسائه مجددًا أو الاقتراب منه بأقصى ما تسمح به الأحوال. ولأن المجتمع كالأشجار تتجدد من جذورها فتخرج أغصانًا يانعة عندما تدرك الشيخوخة أغصانها البالية العالية فهي كانت علامة مميزة لمدى التجدد في المجتمع مدى إقبال الشباب على دعوات التجديد فإقبالهم على دعوة محددة وانصرافهم عن أخرى مؤشر على أن التاريخ يتجه في طور محدد.
لقد كان اتجاه الشباب في النصف الأول من القرن العشرين إلى الأفكار العلمانية أو الفاشية فكان لها الحكم في النصف الثاني منه بينما كـان الاتجاه في الستينيات والسبعينيات صوب تيار اليسار، وقد انتهت لأتباعه مواقع قيادية كثيرة، في عقد التسعينيات، إلا أن الشيخوخة كما أدركت أفكار اليمين الليبرالي والفاشي أدركت أفكار اليسار، سواء في صورته الفاشية الهالكة أو في صورته الحالية المخضرمة.
وتقديرنا أن كثيرًا من المؤشرات واضحة الدور على اتجاه التاريخ صوب الإسلام وحملة رسالة التحررية، وهو ما يعزز شهادات الوحي التي نطقت بها نصوص قطعية كثيرة من الكتاب والسنة أكدت أن الله جل جلاله متم نوره ولو كره الكافرون ومخيم دينه على الدين كله ولو كره المشركون، وأنه لن يترك بيت في حضر أو بدو إلا أدخله الله كلمة الإسلام وأنه لن تقوم الساعة حتى تعود رسالة الإسلام تشيع عدل القرآن في الأرض كلها.
وأمارات ذلك تتضافر ساطعة كالشمس، بما نرى، ويمتد كل يوم في كل أرجاء المعمورة من مساجد ومراكز إسلامية واشتداد الإقبال على كل ما هو إسلامي مما لم يتحقق مثله حتى في ظل الـدول الإسلامية العظام وجيوشها المسيطرة، وذلك تحقيقا لنبوءات الوحي وثمرة من ثمار صحوة العقول وانتظام العلوم وثورات الاتصال وقيم الحرية، وهي كلها جوهر قيم الإسلام.