العنوان الإسلام ومشروعاه للعالم
الكاتب منير شفيق
تاريخ النشر الثلاثاء 08-ديسمبر-1998
مشاهدات 60
نشر في العدد 1329
نشر في الصفحة 49
الثلاثاء 08-ديسمبر-1998
أبرز الإسلاميون في الخمسين سنة الماضية على الخصوص المشروع الإسلامي البديل في وجه كل من المشروع الرأسمالي الغربي، والمشروع الاشتراكي الشيوعي، وكان ذلك ضروريًّا في مواجهة التحديات التي راحت الأمة الإسلامية تتعرض لها، لكنه كان موقفًا دفاعيًّا بالضرورة، لأن كل الرياح كانت تهب ضد أشرعة سفينته، ولهذا ركز المشروع بصورة خاصة على الثوابت والأساسيات ونقد المشروعين المقابلين في أساساتهما وثوابتهما، أي اتخذ الصراع منحى عقديًّا وفكريًّا ونظريًّا.
وكان نصيب البرامج السياسية والاقتصادية للمرحلتين القريبة والمتوسطة محدودًا إن وجد في بعض الكتابات، أو لدى بعض الجماعات، فالذي يكون في الدفاع عن الوجود أو يكون وجوده من حيث أتى مهددًا، لا يستطيع أن يطرح مشاريع أو برامج آنية أو مرحلية، لأن شروط ذلك تتطلب موقعًا في ميزان القوي يسمح بها.
يلحظ خصوصًا خلال العشر سنوات الأخيرة غلبة الاهتمام بتقديم البرامج السياسية والاقتصادية والاجتماعية التفصيلية من قبل أغلب الحركات الإسلامية التي انخرطت في العمل السياسي ضمن الشرعية التي يسمح بها دستور الدولة المعنية، لاسيما في البرامج الانتخابية، وذلك جنبًا إلى جنب مع استمرار المضي بالعمل الدعوي، وبالصراع، أو الحوار العقدي والفكري والنظري حيثما توجب ذلك.
على أن تطورات المرحلة العالمية الراهنة، وعلى التحديد بعد انتهاء الحرب الباردة، وبعد دخول العالم في حالة فوضى دولية قلبت ما بشر به الرئيس الأمريكي جورج بوش، وهو يشاهد تفكك الاتحاد السوفييتي، وحلف وارسو من أن نظامًا عالميًّا جديدًا بقيادة الولايات المتحدة سيسود العالم، وعلى الجميع أن ينتظم في حدود الشرعية الدولية وبعد هجوم العولمة، في ظل حالة الفوضى الدولية، ثم دخول العولمة، في وقت مبكر جدًّا، في أزمة عاصفة بدأت من بلدان النمور الأسيوية لتمر بهونج كونج، واليابان، وتعبر البرازيل والأرجنتين، والمكسيك، ثم لتدوي في روسيا، وتروح تهز البورصات العالمية هذا ينذر بالخطر بما يشبه أزمة أواخر العشرينيات في الدول الرأسمالية الغربية.
وتأتي كل هذه التطورات في وقت أخذ يشهد العالم فيه صحوة إسلامية متعددة الأوجه والأشكال والمحتويات والألوان، وهي لا تخلو من العثرات هنا وهناك لكنها عثرات من يحاول الوقوف على القدمين والتقدم إلى أمام، وهذا يعني وبِغَضِّ النظر عن الكيفية التي تقوم فيها هذه الصحوة أن العمل الإسلامي تجاوز مرحلة الدفاع عن الوجود، وانتقل ليلعب دورًا فاعلًا داخل مجتمعاته وعلى مستوى العالم مع تفاوت من بلد إلى بلد ومن حالة إلى أخرى.
إن كلًّا من هذه التطورات العالمية وامتداداتها الإقليمية ومن الموقع الذي أخذت تحتله الصحوة الإسلامية في موازين القوى أصبحا يتطلبان من العمل الإسلامي أن يحمل مشروعًا للعالم إلى جانب مشروعه الأصلي الخاص بالدعوة إلى الإسلام، أو ذلك الخاص ببلده، أو بالعالم الإسلامي، وإن كلًا من هذه المشاريع يكمل بعضه بعضًا ولا يصح أن يقوم التعارض بين هذا أو ذلك، أو يقال إما هذا أو ذاك.
بكلمة أخرى أصبح مطلوبًا من الصحوة الإسلامية ومن الدول الإسلامية أن تقدم رؤيتها للنظام العالمي الذي يجب أن يسود في علاقات مختلف دول العالم وشعوبه بعضهم ببعض، وهذا يعني مشروعًا للعالم غير مشروع البديل الإسلامي للعالم، وغير المشروع الخاص للعالم الإسلامي يجيء مكملًا لهما، بل معززًا لمسيرتهما.
هذا مشروع يجيب عن السؤال: كيف يجب أن تكون علاقات الدول والشعوب بعضها البعض في العالم وما النظام الاقتصادي العالمي المطلوب، والنظام السياسي العالمي المقترح، وذلك بديلًا للعلاقات الدولية التي تقوم على أساس القوة، وتدخل الأقوياء في الشؤون الداخلية للضعفاء، وبديلًا للنظام الاقتصادي العالمي الذي تقرر فيه بلدان الشمال أسعار المواد الخام وأسعار المواد المصنعة وفقًا لمصالحها، والذي تأتي العولمة الآن لترسم ملامحه فيما يخدم مصلحة دولة واحدة ولا يراعي مصالح الدول الأخرى ويترك الأسواق مفتوحة أمام الشركات عابرة القارات لتستبيح ثروات الأسواق كافة فتزيد الهوة بين الأغنياء والفقراء، وبين التقدم التقني والتخلف التقني.
ومن هنا، أي من هذه التلميحات الأولية يمكن تصور نمط المشروع الذي يمكن أن تحمله الصحوة الإسلامية بالإضافة إلى مشروعها الأساسي، وكذلك الدول الإسلامية إلى العالم، والذي يتلخص في تأسيس علاقات دولية تقوم على التعايش والتوازن والتعاون، بحيث يحتكم في الصراعات إلى المبادئ والمواثيق المتفق عليها عالميًّا بعيدًا عن سياسة القوة والتدخل العسكري، كما يتلخص بالدعوة إلى نظام اقتصادي عالمي عادل ومتوازن ويراعي مصالح الدول والشعوب جميعًا.
ويمكن الاستناد هنا إلى أن كثيرًا من هذه المبادئ التي يحملها المشروع المنوه عنه مدرجة في ميثاق الأمم المتحدة وفي الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ويسلم بها حتى الذين يدوسون عليها، وإلى أن كثيرًا مما أشير إليه حول النظام الاقتصادي حملته لجنة (الـ ۷۷) قبل عشرين عامًا، وتردد في كل قرارات حركة عدم الانحياز، وهو أمر لا يضير المشروع بل يعززه مادام مؤصلًا من الناحية الشرعية، بل هو تأكيد على أن مثل ذلك المشروع مقبول من قبل غالبية دول العالم وشعوبه، ومُتجاوب ومصالحها وتطلعاتها.
بكلمة إذا حملت الصحوة الإسلامية مثل هذا المشروع إلى جانب مشروعها الأساسي فستطل على العالم بمشروع إنساني يخدم المشروع الإسلامي الأصلي كما يخدم مصالح الشعوب المظلومة وتطلعاتها في العالم كله، كما أنه من جهة أخرى مرتكز مهم لمواجهة العولمة ولمواجهة قانون الغاب في السياسة والاقتصاد.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل