; الإسلام ومشكلة العصر | مجلة المجتمع

العنوان الإسلام ومشكلة العصر

الكاتب علي خالد السداني

تاريخ النشر الثلاثاء 28-ديسمبر-1976

مشاهدات 152

نشر في العدد 330

نشر في الصفحة 23

الثلاثاء 28-ديسمبر-1976

يتصفح المرء أحيانًا بعض الصحف السيارة ويقف على بعض أبواب المجلات فيلقي نظرة ليست بالسريعة العابرة ولا المتأنية، ولكن من بين تلك الأبواب التي تستهوي الإنسان وتشده لقراءتها «باب المشكلات» ليرى فيه أصداء عصره تتجاوب وكأنها الوديان الخالية والمشاكل تتعقد وتتشعب لتأكل وقتها الذي هي رهينة فيه، ولعل من أبرز ما يطالعنا ويسطر على تلك الصفحات، بل وأكثرها مدًا هو «مشاكل الجنس» كما يسميه الذين يسمون الشيء بغير اسمه.

واتسم هذا العصر بهذه الخلة الشائنة، ألا وهي الإباحية ولذا صار من الأنسب أن يسمى عصر «الانحلال والإباحية».

ولو ذهب الإنسان يمعن النظر في عالم اليوم ويتفقد ما فيه من شموخ علمي في مجال العلوم الطبيعية والبشرية ويتأمل ما حصل عليه البشر من تقدم مادي هائل في جميع مجالات الحياة، يقف عنده العقل مروعًا ومتعجبًا.

ويدخل هذا كله في حساب المقارنة والتفضيل فإنه سيخرج حتمًا في النهاية وليس خبط عشواء بنتيجة تهزه من الأعماق إذا كانت هناك مكامن تكمن فيها الفطرة السليمة والنحيزة المستقيمة ذلك المرجع السليم حينما يخرس المنطق.

سيصحو ولا شك على عدد مهول ومرعب من قضايا الجنس، وبيدنا إحصاءات تقول: إن في الولايات المتحدة الأمريكية يوجد سنويًا مليون حالة إجهاض، في حين يوجد في المدارس الثانوية المختلفة في أمريكا نسبة من الحوامل تقدر بـ ٤٨%، هذا عدا أوروبا والمقلد الأعمى الشرق بأسره.

إنها حقيقة حادثة يلمسها كل شخص فينا، فهذه كتب الجنس وما تدعو إليه تغطي الأرصفة وتناجز أعظم الكتب وأفخمها صيتًا وتسابق أكبر المجلات عراقة وهذا كتاب صدر في بريطانيا اسمه «يتزوجون» يقول فيه كاتبه: إن «البكارة» بين الفتيات الإنجليزيات أصبحت «مودة قديمة» مما حدا بالحكومة البريطانية لمصادرته.

وصرح أحد الناشرين قائلًا: إنه يتعامل مع أربعين كاتبة ينشر لهن مائتين وخمسين رواية من الروايات الماجنة كل سنة ويبيع منها نحو مليون نسخة، وتشتري دور الكتب العامة نحو ربعها ومعظم مستعيريها من المكتبات العامة هم من النساء المتوسطات في الأعمار واللواتي حرمن من الزواج أو فتيان وفتيات في سن المراهقة.

هذا الرواج الكبير دعا الصحف إلى أن تصنع صنيعها، فما من مجلة «إلا ما ندر» إلا وفيها صورة فتاة عارية أو منظر مثير تتقاطر منه الشهوات،

وقد قامت إحدى المجلات العربية باستطلاع حول مشاكل الجنس في المجتمع السويدي «المتقدم»، ذلك البلد الذي انحدر فيه الإنسان إلى مرتبة دون البهائم بكثير.

خلصت إلى نتيجة تقول: إن لكل فتاة في السويد ثلاثة من الشبان من كل لون فيهم الأبيض والأسود والأحمر، ويستطيع الشاب أن يدخل على أبويه مضجعهم في ظلمة الليل كالبهيم دون استئذان ولا يحمر له وجه، فماذا بعد هذا الانحلال؟

وفي المملكة المتحدة أقر البرلمان الإنجليزي التزاوج بين شابين «اللواط» عن تراض منهما كما باركت الكنيسة الموقرة ذلك.

في هذه المجتمعات المدنية الحضارية كما يسمونها تفجرت فيها غرائز حيوانية وتحطمت أسرها فصارت قطعانًا تهيم، وكم حاربوا الرقيق الأسود كما زعموا فإذا هم اليوم تنشط أسواقهم بالرقيق الأبيض وتسرب إلى أعلى المراكز عندهم وها هم الرؤساء والقواد يتسرون بالشقراوات في بيوت الزعامة وقصور الحكم وحادثة ووتر جيت قد نضحت بتلك الإنتان وتفشت وسقوط رئيس وزراء بريطانيا كل ذلك ليس ببعيد.

وانتشر الرقيق الجديد عندهم وعم وطم، ولكن ما أنجسه وما أبخسه، بل ما أرخصه.

وتصرخ النفس ويطن الرأس ويسرع السؤال، أليس لهؤلاء من أولياء أمور يردعونهم عند حد، فالفرد منهم يرى دماء عرضه تسيل أمامه دون أن يحرك ذلك شعرة من عينه.

مثل هؤلاء، كيف لنا وهذه حالهم أن نسرع الخطو وراءهم ونحن مغمضو العيون ونتبعهم دون وعي ولا رشاد حتى أربأ بالجاهليين عن مشابهتهم فقد كانت رذائل الجاهليين فضائل في جوهرها، وكانت نفوسهم تعاف المجون وعلى أقل الأحوال في أعراضهم ونفوسهم ولم نسمع أن جاهليًا كان «ديوثًا» ووأد البنات في تلك الحقبة الجاهلية نبع من منبع سام في تصورهم هو الخوف من عار الفاقة والسبي حيث تتخذ النساء سرائر للغالب.

وهذه نظرة لا نقف عندها مدافعين إلا أننا نرى في بواعثها ما يبررها وإن كانت النتيجة غير لازمة، ولكنها الفضيلة والبحث عنها تحت أسدال السيوف وتراشق النبال وتناطح الرماح في ظلمات المعارك وهذه «هند بنت عتبة» جاءت بعد فتح مكة لرسول الله- صلى الله عليه وسلم- لتسلم، فقرأ الرسول: ﴿وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾ (الفرقان: 68) فقالت هند: «وهل تزني الحرة يا رسول الله».

ولو لوينا الأعناق نحو الإسلام واتجهنا إليه بكليتنا لوجدنا أنه قد عالج مشاكل الشباب وأدلى بدلوه العظيم فجاء بالخير الجم الوفير.

فأول ما قام به أنه لم يصادم الفطرة، بل سار معها في خط متواز دون زيغ ولا ميل ولا إفراط ولا تفريط، بل أراحها على تكأة مريحة تساير الفطرة السليمة وتتنافر مع الحياة العقيمة التي جعلت من مادة الأرض الترابية مصدر لكل مبدأ مما عمق في النفس البشرية وأشعل عنصر الشهوة المسعورة.

فالإسلام يحارب الرهبنة كما يحارب الانحلال، ويعلم أن الإنسان بما فيه من جانب مادي يحوي غريزة أودعها الله إياه إنما ينزع إلى الاتصال بالجنس المقابل له فسَن الزواج كطريق طبيعي تنمو البشرية من خلاله وتفرغ الطاقات الغرائزية فيه لذا نرى الرسول- صلى الله عليه وسلم- موجهًا نداءه للشباب قائلًا: «يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج»، كما أنه لم يهمل الطرق المؤدية إلى الزنا فوضع قاعدة ضخمة لا تدع لفاسق أن يسوغ أعماله فسد باب الذرائع.

فحرم الاختلاط بالنساء الأجنبيات فقال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ ۚ ذَٰلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ (الأحزاب: 53).

فالحديث مع المرأة الأجنبية يفتح أبوابًا للشيطان ليلج إلى النفوس فتزل في الحرام.

كما أن رسول الله- صلى الله وسلم- يقول: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يخلو بامرأة ليس معها ذو محرم منها فإن ثالثهما الشيطان»، كذلك أمر بعدم الدخول على النساء فقال رجل من الأنصار: «يا رسول الله: أفرأيت الحمو؟ قال: الحمو الموت»، وكذلك حرم الإسلام الرقص الماجن الذي صدعت به رؤوسنا والذي يفضح كل مستور ويكشف كل مغطى، فيه تتلامس الأجساد الآثمة وقد نهانا رسول الله فقال- عليه الصلاة والسلام-: «لأن يطعن في رأس أحدكم بمخيط من حديد خير له من أن يمس امرأة لا تحل له».

ومما يثير الغرائز ويحرك الشهوات تلك الصور المثيرة التي تسود بها صحف اليوم والأفلام الماجنة وهي حرام بدأ.

والغناء بما يتضمنه من ألفاظ بذيئة فاحشة تهتك أستار الحياء وتزين الحرام وتجمل الإثم وما تمجه ألفاظ العشق والغرام صباح مساء حتى أضحت الأمة عن بكرة أبيها عاشقة مولهة.

والنظر- رسول الشيطان- أمر القرآن الكريم بغضه فقال تعالى: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُ ونَوَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ (النور: 30-31).

وقال- عليه السلام- لعلي بن أبي طالب: «يا علي لا تتبع النظرة النظرة، فإنما لك الأولى وليس لك الآخرة».

كما أمر الإسلام المرأة بالتستر فقال تعالى: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ ۖ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ (النور: 31) وكذلك قال الرسول الكريم: «أيما امرأة نزعت ثيابها في غير بيتها خرق الله عنها ستره».

وحرم تلك الملابس الفاضحة التي يتساوى فيها لبسها وعدمه فقال- صلى الله عليه وسلم-: «إن من أهل النار نساء كاسيات عاريات مائلات مميلات لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها».

وهكذا أوصد الإسلام الأبواب في وجه كل مسوغ كذاب وفتح بابًا طبيعيًا لا يتعداه إلا ظالم لنفسه ولا يزور عنه إلا كل مجنون أرعن.

الرابط المختصر :