; معالم على الطريق.. الإسلام.. ونظرية الدفع والغزو | مجلة المجتمع

العنوان معالم على الطريق.. الإسلام.. ونظرية الدفع والغزو

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر السبت 12-أبريل-2003

مشاهدات 57

نشر في العدد 1546

نشر في الصفحة 47

السبت 12-أبريل-2003

قضية الصراع بين الحق والباطل، وبين الخير والشر قديمة قدم الإنسانية، وهي سُنَّة من سنن الله،

وقانون من قوانين الحياة على وجه الأرض، وقد حرص القرآن الكريم على بيان معالمها للمسلمين، وإيضاح دروبها للمؤمنين، لأنهم قد أهلهم ربهم للقوامة والأستاذية، فقال تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا ۗ وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (الحج:40).

 ومن هنا وجب على المسلمين أن يفقهوا تلك السنن، خاصة أنهم قد تحملوا الدفاع عن الحق، وحملوا لواء الفضيلة، وصدق الله ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ ۚ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ۚ ﴾ (الحج:۷۸)، وقد رسم القرآن الطريق إلى وسائل الدفع فقال: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ (الأنفال: ٦٠)، لأن الإعداد الجيد القوي الذي يستغرق الاستطاعة المؤمنة هو الذي يرهب العدو.

 ومع هذا الاستعداد لا بد من اليقظة والبصيرة والحذر من غدر العدو الذي مرد على ذلك، بل صارت له طبيعة وجبلة، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انفِرُوا جَمِيعًا﴾ (النساء:71)، لابد أن يكون النفير دائمًا هو ديدن المؤمن وطبيعته التي تقضي على غدر الكفار وعلى مكرهم وخبثهم وتربصهم الذي صار طبيعة لهم، قال تعالى: ﴿َدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُم مَّيْلَةً وَاحِدَةً ۚ﴾ (النساء: ١٠٢). 

إذن فمن أمنيات الكافرين غفلة المسلمين، ولهوهم وضياعهم، فيستعدون وهم لا يستعدون، ويجيشون وهم نائمون، ويستيقظون وهم غافلون مضيعون، ولكن المسلمين الذين فهموا الدرس وفقهوا التعاليم تكونت عندهم طبيعة قادرة على الوقوف في وجه الباطل أيًّا كان، يخايلهم النظر الأكيد وتقودهم الثقة بالفوز العظيم، وإن كان ذلك يأتي بعد تعب ونصب وصبر واحتساب: ﴿كذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ ۚ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ (الرعد:۱۷) لأن المسلم جندي للحق، صابر لا يتخاذل، شجاع لا يجبن، مقدام لا يتردد، ثابت لا يتزعزع، مقبل غير مدبر، مجاهد لا يتخلف، مؤمن بمثل عليا، وبعقيدة سامية ربانية، يضحي من أجلها بالمال والنفس، لتكون كلمة الله هي العليا، ﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَىٰ ۗ وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (التوبة:٤٠). لا يخاف الموت ولا يخشى الفقر، ولا يهاب قوة الأرض ولو اجتمعت عليه، يُرهبُ الدنيا ولا يرهَبُها، لا يخشى الصعاب، بل يركبها حتى ينال ما يتمنى، ويفوز بإحدى الحسنيين ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ (التوبة: ٥٢).

ولهذا كان هو قدرة الله في الأرض الأمم، قلب حديد، وعزم شدید  ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ فَانقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ (آل عمران173:174) 

يقول اللواء محمود شيت خطاب: انتصر المسلمون المجاهدون بنفسية قوية لا مثيل لها في العقائد العسكرية الأخرى... وأشهد أنني لم أقرأ، حتى في كتب التعبئة وسوق الجيوش الصادرة حديثًا، أوضح تعبيرًا، وأدق تعريفًا وأكثر شمولًا، وأوجز عبارة، مما جاء في القرآن الكريم في هذه الآية السابقة، أسلوب فذ المصاولة الحرب النفسية المعادية، وتعريف لإرادة القتال في العقيدة العسكرية الإسلامية، وتلك العقيدة التي تفسر سر الفتوح الإسلامية العظيمة التي امتدت خلال قرون حتى فتحت العالم من الصين شرقًا إلى فرنسا غربًا، ومن سيبيريا شمالًا إلى المحيط جنوبًا، وكانت عقيدة المسلمين العسكرية عقيدة نظيفة، تتسم بالرجولة وعدد من الأخلاق الفاضلة:

أولها: الدعوة إلى الإيمان، فالجهاد لا يكون لشهوة نفسية، ولا لغاية مادية، فقد كان rإذا أمر أميرًا على جيش أو سرية، أوصاه في خاصته بتقوى الله، ومن معه من المسلمين خيرًا، ثم قال: «اغزوا باسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدًا، وإذا لقيتم عدوًا من المشركين فادعوهم إلى ثلاث خصال... إلخ». 

الأمر الثاني المحافظة على أرواح المسالمين من الناس وعدم إيذائهم أو التعرض لهم، بما نسميهم اليوم بالشعب، فعن أنس t، أن رسول الله r كان إذا بعث جيشًا قال: «انطلقوا باسم الله، لا تقتلوا شيخًا فانيًا، ولا طفلًا صغيرًا، ولا امرأة، ولا تغلوا... وأحسنوا إن الله يحب المحسنين، وإنكم ستجدون قومًا زعموا أنهم حبسوا أنفسهم لله، فدعوهم وما زعموا أنهم حبسوا أنفسهم له».

الأمر الثالث: عدم الإتلاف للبنية التحتية كما يسمونها اليوم والتي عليها معاش الناس، وتنبني عليها أمور حياتهم، فكان من وصايا أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - للمجاهدين:  «لا تقتلوا امرأة ولا صبيًا ولا كبيرًا ولا هرمًا، ولا تقطعوا شجرًا مثمرًا، ولا تخربن عامرًا، ولا تعقرن شاة ولا بعيرًا إلا لمأكلة، ولا تغرقن نخلًا ولا تحرقنه ولا تغلوا» 

ولا شك أن السياسة الجهادية للمسلمين كانت مثلًا يُحتذى للإنسانية، فما كانت لأغراض مادية، ولا لنهب ثروات الشعوب وأخذ خيراتها والتضليل عليها وخداعها، وإنما كانت لأغراض سامية وعظيمة، كما أنها العقيدة الوحيدة التي تحيط العزة للأمة بسياج من الفضيلة، واليقظة في نفس الوقت، وتأمر بالجهاد، وتنهى عن تركه أو التقاعس في عدم الاستعداد له، كما أنها تعلم المسلمين أسسه ومبادئه، وتخرج المجاهدين الصادقين، والقادة الكرام والفاتحين، من أمثال طارق بن زياد، وخالد بن الوليد، وصلاح الدين الأيوبي، وقطز، وغيرهم من المجاهدين الذين اعتزوا بالإسلام، وأعزوا المسلمين، ونالوا مع ذلك احترام العالمين، فهل تمضي عهود الهوان هذه، ونرجع إلى إسلامنا لنحمل راية المجد من جديد؟! نسأل الله ذلك. 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل