العنوان الإسلام وَدَلالات الألفَاظ
الكاتب علي خالد السداني
تاريخ النشر الثلاثاء 04-يناير-1977
مشاهدات 104
نشر في العدد 331
نشر في الصفحة 22
الثلاثاء 04-يناير-1977
جم غفير منا يزل لسانه ويعبر أحيانًا بألفاظ غير ما أراد وتتسابق الفكرة في رأسه مع حركة لسانه فتعثر إحداهما فينطلق اللسان وتنفلت منه الألفاظ فإذا بها قد تقدم بعضها على بعض وتشوه التركيب وجانب الصواب، ويستدرك الأمر ويعيد الخطأ إلى صواب، وهذا يحدث عفوًا وليس في ذلك من عيب، وهناك من الألفاظ ما يخرج بتؤدة وتأنٍّ ومع ذلك تشعر بخطأ فيه فتأخذ نفسك بالتوقف عنده تستجلي الأمر وتستوضح الأشكال حتى إذا كان لك من المشيئة الربانية نصيب ممن يضع إصبعه على الخطأ لينتزعه ويقتلعه.
والدافع للكتابة في هذا الموضوع حدث مر علينا كما يمر على الكثير منا في اليوم مرات ومرات والقليل منا يقف عنده بل القليل منا ينتبه له يمعن النظر فيه ولا يأتي ذلك إلا في ندرة من الوقت، هذا الموضوع طرق باب الفكر بينما كنا نمر على أحد البساتين فإذا بصاحبي يقول لي: انظر إلى زهور عباد الشمس- فبمجرد سماع هذه الكلمة لم تستمرئها- نفسي فأخذت أبحث عن صدى لها في مكامن النفس وإذا به يُسرع ويقول وكيف يكون المخلوق معبودًا؟
وما الشمس إلا أداة مخلوقة مسخرة تجري في فلكها طوعًا أو كرهًا وما تلك الزهرة إلا مخلوقة جميلة أبدعتها عناية الله تحيا وتموت ما شاء لها خالقها وما أسرع ما تحيا وتموت فقلنا إذًا من الأجدى أن نسميها- زهرة الشمس- لما أودع فيها الخالق من خاصة عجيبة تتحرك مع حركة الشمس تملأ وجهها المشرق من ضياء الشمس لتنعكس عليها فإذا بها تمد أوراقها كما تمد الشمس أشعتها.
وتسير بنا الحياة وتقع أنظارنا على ما تفرزه المطابع من صحف ومجلات وتمسك بالصحيفة وهي تتحدث عن مجرم أقيم عليه الحد فتقول:- أُعدم بالأمس فلان وترجع أيها المسلم إلى مختبر نفسك الذي صقل بالإسلام لتفحص ذلك اللفظ بدقة تحدوها العقيدة الصافية لتقول إن هذا جانب للحقيقة فلا يوجد شيء في هذا الكون ينتهي إلى العدم فالكل مبعوث عند الله وما هذا السكون الذي طرأ على الأجسام إلا فترة تنجلي ما أراد الله لها ذلك وعلمها عنده.
ومن الألفاظ التي تصدم أذننا في أحيان كثيرة وتستحسن الحرام وتزيد الخبائث وتخلع على المنكر ثوبًا طريًا ناعمًا فتسمى الخمرة أم الكبائر مشروبًا روحيًا.
والزنا ذلك الداء العضال الذي يورث الأمراض المستعصية ويتمكن من بشرة الإنسان وداخله ما يعجز عنه الطب، ليس هذا الداء عملية جنسية أو تعاطي الحب، ومن يمتهنه من النساء يسمين بائعات الهوى وأحيانًا يكون اللفظ أكثر شفافية حتى ليتمنى الإنسان أن يرتع فيه وهو- بائعات البنفسج- ووالله إنهن لبائعات الزهور والسيلان وما لا حصر له من هذه الأصناف.
وتسمع الإذاعات وتقرأ الصحف لتقف عند الحرب اللبنانية فتراهم يقولون: إن الحرب الدائرة بين المسلمين والمسحيين... - فنعتت النصارى بالمسيحية بل أكثر من ذلك وأمر أنهم الإخوة المسيحيون والقرآن الكريم يتبرأ من هذا اللفظ ويسميهم في كل موضع يذكرون- نصارى- قالت النصارى ليسوا النصارى.
أما المسيحيون الحقيقيون فهم الذين اتبعوا المسيح عليه السلام ولم يؤلهوه ولم يثلثوه، ويسميهم القرآن الكريم.. الحواريون.. وهؤلاء النصارى قاموا بأعمال خطيرة في كثير من بلاد الدنيا يهدف من ورائها تنصير الشعوب غير النصرانية فقام كثير من كتاب المسلمين الكبار بالرد عليهم وأطلقوا على حركتهم تلك- التبشير- وهذا ولا شك خطأ فاحش، فالمسلم الوحيد في هذه الدنيا هو المسلم الذي يدعو الناس إلى دين الله ليبشر بالجنة فبأي شيء يبشر النصارى وواضح أن عملية- التنصير- التي يقومون بها إنما هي حركة استعمارية تهدف إلى الهدم والتدمير وما تبشيرهم إلا بسيادة الرجل الأبيض صاحب البطولات في روديس وفيتنام وفي الشام على يد اللنبي أفريقيا على يد القائد العسكري جوردون، بطولات الدماء وتبشير بالإذلال.
ومن الألفاظ التي تشط عن معناها وتتضمنها كتب الفن والأدب لقطة.. الخلق.. وينعت بها من قام بصنع تمثال ورسم صورة أو ألف قطعة موسيقية، وينسون أنها لقطة لا يتصف بها أحد سوى الله سبحانه وتعالى وهو الذي أوجد من عدم أما ما عداه فإنما هم صناع يأخذون مواضيعهم من مادة الأرض المخلوقة لله تعالى ويشكلونها بهبة العقل وهو من الله.
ولفظ سخرية القدر، وقسوة الزمن، ومصادفات الزمان، وهي ألفاظ كثيرًا ما تتضمنها القصص الساقطة ولكن مما يدعو للأسى أن بعض كتاب المسلمين يقعون فيها ويتلذذون بها حين يوردونها في أكثر من موضع.
هذه ألفاظ عندما أوردتها لم أكن بدعًا في ذلك وإنما الكثير منها نهى عنه الإسلام فتعال معي لنستمع إلى قول المصطفى وهو يُفصح عن هذه الأمور فيقول:- «إن أخنع اسم عند الله عز وجل تسمى ملك الأملاك-».
وهذا النهي إنما يراد منه عدم مشابهة المخلوق بالخالق وهذه تسمية تمجها سجية المسلم وتعافها نفسه، فليس في كيان المسلم من ملك لهذا الخلق إلا الله وما عداه فهو عبد مهما اعتلت به مناصبه الدنيا وسمقت.
وكذلك نهى الرسول- صلى الله عليه وسلم- عن تسمية- العنب- كرمًا، فقال: لا تسموا العنب الكرم- فإن الكرم المسلم- ونهى عن تسمية الأيام التي تقع فيها أي مناسبة كانت أعيادًا وترك ما عليه الجاهليون من أعياد فقال: صلى الله عليه وسلم- حينما قدم المدينة ورأى أهلها ولهم يومان يلعبون فيهما:- قد أبدلكم الله تعالى بهما خيرًا منهما يوم الفطر والأضحى-.
أما اليوم فنحن نعجز عن مجاراة هذه الأعياد لكثرتها ففي كل ذكرى عيد، فمن عيد وطني إلى عيد علم إلى عيد الكريسمس، وفيه تقوم الأمهات بإشعال الشموع وإقامة الولائم وتشبه كامل بالكفرة وقد نهينا عن ذلك نهيًا غليظًا فقال- صلى الله عليه وسلم:- «لتتبعن سنن من قبلكم شبرًا بشبر وذراعًا بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه قلنا، اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟-».
كما نهى النبي- صلى الله عليه وسلم- عن قول زرعت في حديث رواه أبو هريرة- رضي الله عنه- يقول فيه «لا يقولون أحدكم زرعت وليقل حرثت فإن الزارع هو الله» قال أبو هريرة: ألم تسمعوا قول الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُون لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا﴾ (الواقعة: 63-56).
وحسبك أنك حارث للزرع، أما الزارع فهو الله سبحانه وتعالى، قال فيه القرطبي في تفسيره هو نهي إرشاد وتأدب لا نهي حظر وإيجاب.
ومنع التأفف والتذمر مما يصيب النفس من ضيق وعدم التحدث عنها بالخبث فقال- عليه السلام- في حديث رواه حذيفة بن النعمان- رضى الله عنه- «لا يقولن أحدكم خبثت نفسي» كما نهى عن مضاهات فعل العبد ولكن ليقل قست نفسي-.. لفعل المعبود- سبحانه وتعالى- باللفظ لذا يقول- عليه الصلاة والسلام- «لا تقولوا ما شاء الله وشاء فلان ولكن قولوا ما شاء الله ثم شاء فلان-»، فهذا التعاقب السريع في العطف حتى ليتداخل الفعلان أمر لا يجوز ولذا عقبه بثم التي تفيد التراخي لتعطي معنى آخر وهو أن فعل العبد جاء نتيجة عون الله له.
هذه الآثار التي وردت عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أرهفت حس المسلمين وجعلت منهم مرشحات لكثير من الألفاظ التي تخالف العقيدة وتتصادم معها، فاسمع إلى هذا الحس المرهف إنه أبو بكر الصديق وهو يستمع إلى شخص وهو يقول- لا عافاك الله- فيرد عليه أبو بكر في حينه ويقول لا تقل: لا عافاك الله- ولكن قل: لا.. وعافاك الله.
فالأولى تفيد نفي عافية الله عنه، أما لا الثانية فتفيد نفي الكلام السابق لها، والجملة الأخرى جملة دعائية جديدة ففرق كبير بين هذه وتلك بل هو النقيض.
وهذا عثمان ابن مظعون يجلس ليستمع إلى لبيد بن ربيعة في أحد المجالس وهو يشعر فيقول: ألا كل شيء ما خلا الله باطل وكل نعيم لا محالة زائل فيهب ليرد عليه بعقيدة لا تشوبها جاهلية ولا يكدرها شك فيقول: كذبت والله- إن نعيم الجنة لا يزول-.
وهذا شاعر آخر ينشد شعرًا ويقول في عرض قصيدته:
عميرة ودع إن تجهزت غازيًا *** كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيًا
فيرد عليه الفاروق بقوله: كيف تقدم الشيب على الإسلام، وصدق الفاروق بحسه الفطن فكم عهدنا الكثير من الشيوخ الذين غزا الشيب مفرقهم بل اشتعلت رؤوسهم وهم راتعون فيما حرم الله، فأين الشيب الرادع؟
ما أوردناه ألفاظ تتداولها الألسن وتتسامر بها المجالس، يمر عليها من يريد ويقتنع بها من أراد وما علينا إلا البلاغ والمسلم لا بد منته إن شاء الله تعالى.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل