العنوان الإسِلام بين العالميَّة والإقليميَّة
الكاتب د. عبد الله عزام
تاريخ النشر الثلاثاء 25-أغسطس-1987
مشاهدات 82
نشر في العدد 831
نشر في الصفحة 36
الثلاثاء 25-أغسطس-1987
جاء هذا الدين لينقذ الإنسان- جنس الإنسان- في الأرض -كل الأرض- من حمأة الطين إلى آفاق العقيدة المشرقة، ومن تجمع الناس على الحظيرة والكلأ والعون إلى تجمعهم على العقيدة والفكر والدين فكانت نداءات القرآن ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (الأحزاب: 56) ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ (النساء: 47)
النداءات موجهة لإنسانية الإنسان ولفكره ولعقيدته. ولم يرد نص واحد في الكتاب العزيز «يا أيها العربي»، «يا أيها الهاشميون»، «يا أهل الحجاز».
وكانت النواة الأولى التي بدأت مسيرة هذا الدين على الأرض تضم صهيبًا الرومي وبلالًا الحبشي وحمزة العربي ثم سلمان الفارسي وقد فهم المسلمون الذين اعتنقوا هذا الدين وضحوا من أجله بالغالي والرخيص أنهم قد تطهروا من نتن القوم ومن ظلمة الطين وتدرجوا صعدا من السفح الهابط إلى القمة ليستنشقوا أريج الآفاق العليا وعبق هذا الدين الفواح.
وقد علمهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كيف يحطمون قيودًا قبلية وكيف ينطلقون من حمية اللون والجنس، فقال صلى الله عليه وسلم: «لينتهين أقوام يفتخرون بآبائهم الذين ماتوا، إنما هم في جهنم أو ليكونن أهون على الله من الجعل الذي يدهده الخرء بأنفه، إن الله أذهب عنكم عبية «كبر الجاهلية وفخرها بالآباء، إنما هو مؤمن تقي أو فاجر شقي الناس كلهم بنو آدم وآدم خلق من تراب» حديث صحيح رواه الترمذي عن أبي هريرة- صحيح الجامع ٥٣٥٨.
وذابت الفوارق واختفت العنجهية وتوارت العصبية وقتل أبو عبيدة أباه وطلب عمر رضي الله عنهم أجمعين من الرسول -صلى الله عليه وسلم- أن يسلم كل صحابي قريبه من أسرى بدر ليقتله، ومنع عبد الله بن عبد الله بن أبي أباه أن يدخل المدينة المنورة إلا بإذن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
جاء في سيرة ابن هشام ۲/۲۰۹ «كان أبو عزيز شقيق مصعب بن عمير صاحب لواء المشركين في بدر ثم أسر بين المسلمين ويحدث أبو عزيز عن نفسه بعد أن أسره أبو اليسر من الأنصار، فقال أبو عزيز مر بي أخي مصعب وأبو اليسر يأسرني فقال: مصعب لأبي اليسر الأنصاري شد يديك به فإن أمه- أي أم مصعب وأبي العزيز -ذات متاع- غنية لعلها تفديه منك، فقال أبو عزيز يا أخي هذه وصاتك بي، فقال له: مصعب إنه أخي من دونك. فسألت أمه عن أغلى ما فدى به قرشي فقيل لها أربعة آلاف درهم، فبعثت بأربعة آلاف درهم فقدته بها».
وهكذا ارتفع القوم على مشاعرهم ونسوا أواصرهم ووشائج أرحامهم وأصبحت وشيعتهم الأولى والأساسية هذا الدين الذي من أجله يعيشون وبه يتحركون وفي سبيله يقدمون أغلى ما يملكون من النفس والنفيس، وانطلق المسلم ينشد في أرجاء المعمورة:
العرب لنا والهند لنا *** والصين لنا والكل لنا
أضحى الإسلام لنا دينا *** وجميع الأرض لنا وطنًا
دستور الله لنا نور *** أعددنا القلب لنا وطنًا
وامتد الإسلام في رفعته التي ينشر عليها مبادئه من الأندلس وطنجة غربًا إلى إندونيسيا شرقًا وكانت الدولة الأموية والعباسية شعارها وديارها، لحمتها سداها، الإسلام بقيمه وموازينه ونسي الناس شعر دريد ابن الصمة:
وما أنا إلا من غزية إن غوت *** غويت وأن ترشد غزية أرشد
لم جاءت الدولة الإسلامية العثمانية وحكم ثلث المعمورة تقريبًا بهذا الدين القويم وروابطه المتينة ووشائجه الرشيدة القوية.
ولقد أقض هذا الدين مضاجع أعدائه خاصة أوروبا التي شنت حربا شعواء دينية صليبية امتدت قرنين كاملين «٤٨٨-٦٩٢هـ» حيث تطهرت بلاد الشام منهم على يد الأشرف خليل ٦٩٢ ه ولقد انبرى لهم هذا الدين وقدم نماذج من أبنائه الأسود منهم «عماد الدين زنكي وابنه نور الدين محمود زنكي، وصلاح الدين» يقول ابن الشداد في النوادر السلطانية إن صلاح الدين قال له يومًا: أما أحكي لك شيئًا، قلت: بلى، قال: في نفسي إنه متى يسر الله تعالى فتح بقية الساحل قسمت البلاد وأوصيت وودعت وركبت هذا البحر إلى جزائرهم أتتبعهم فيها حتى لا أبقي على وجه الأرض من يكفر بالله أو أموت، قلت: إنما هذه الأمنية جميلة ولكن المولى يسير العساكر في البحر وهو سور الإسلام ومنعته فلا ينبغي أن يخاطر بنفسه، فقال: أنا أستفتيك: ما أشرف الميتات؟ فقلت الموت في سبيل الله، فقال: غاية ما في البال أمن أموت أشرف الميتان شعر الجهاد في الحروب الصليبية ص ٤٧. ثم جاء التتار وخربوا بغداد سنة ٦٥٦هـ وانبرى لهم الظاهر بيبرس وقطز وانتصروا عليهم في عين جالوت سنة ٦٥٨هـ فخر قطر من فوق حصانه ساجدًا لله شاكرًا له النصر المؤزر وكانت أكبر حربة وجهت إلى أوروبا والعالم النصراني فتح القسطنطينية سنة ٨٥٧ هـ - ١٤٥٣م على يد محمد الفاتح الذي حول اسمها «إسلام بول: مدينة الإسلام» ومسح الإمبراطورية الرومانية الشرقية إلى الأبد ولقد بقي قسم غير قليل من أوروبا يدفع الجزية صاغرًا للدولة العثمانية. وعندما هاجم نابليون مصر سنة ۱۷۹۸ واستخف بالأزهر وضربه بالمدفعية وأدخل خيله الأزهر فقام الأزهر وحرك الشعب المسلم في مصر وأخيرًا قام سليمان الحلبي أحد تلاميذ الأزهر... وهو من حلب وقتل كليبر خليفة نابليون الفرنسي على مصر.
وعندها فكر الغرب بأنه لا بد من اجتثاث الإسلام من أعماق هذه الشعوب الإسلامية وتمزيقها بالدعوات الإقليمية والقومية.
يقول «كامبل»: لا يمكن لهذه الشعوب الإسلامية التي تغطي رقعة واسعة من المعمورة وتتكلم في صلاتها بلغة واحدة وتدين بدين واحد ونتجه إلى قبلة واحدة ولها نفس التقاليد والأهداف أن تغلب ما لم تقسم.
فكان لا بد من تمزيق الدولة الإسلامية العثمانية واستبدال القومية بالإسلام.
۱- فبدأت الدعوة القومية العربية: التي خرجت من الجامعة الأمريكية على يد مجموعة من الشباب النصارى معظمهم من خريجي الجامعة في بيروت منهم: إبراهيم اليازجي ونصيف اليازجي وفارس نمر ونجيب عازوري وشاهين مكاريوس.
وكان أستاذهم إلياس حبالين ثم انتقلت هذه الأسر النصرانية إلى مصر لتواصل تدمير الإسلام وتمزيق الدولة العثمانية وعملت دار الهلال وصاحبها النصراني جرجس زيدان عملا هائلا في هذه القضية.
۲- جاء محمد علي باشا سنة ١٨٠٥م إلى عرش مصر وبدأ بالتغريب والعلمنة وترجمة القانون الفرنسي ليحل محل القانون الإسلامي واحتضنت فرنسا محمد علي ووضعت له سليمان باشا «الفرنساوي» من أجل إنشاء جيش وأسطول بحري لمحمد علي لضرب الخلافة العثمانية والاستقلال عنها وقد استعمل إبراهيم باشا ابن محمد علبي جيشه لضرب الحركة الوهابية خوفًا من انتشارها في المنطقة.
٣- ضرب الخلافة الإسلامية في عقر دارها في إستنبول فاتفق كریزون وزير خارجية بريطانيا مع عصمت إینونو ممثل مصطفى كمال أتاتورك في معاهدة لوزان «من أكتوبر سنة ١٩٢٢ إلى فبراير سنة ۱۹۲۳» على ضرب الخلافة ومحاربة أية محاولة لإعادة الخلافة ومحاربة الشعائر الإسلامية واتخاذ قانون غربي بدل القانون الإسلامي.
وهدم أتاتورك هذا الصرح الشامخ «الخلافة» الذي أقض مضاجع أوروبا وأرق أجفانها ثلاثة عشر قرنًا وكان إسقاط الخلافة في ٣ مارس سنة ۱۹۲۳- يقول أحدهم: «إن أوروبا كانت تفزع من الرجل المريض «تركيا» لأن وراءه ثلاثمائة مليون من المسلمين على استعداد... من أصبعه» عالمنا المعاصر المحمد قطب ص ١٦٧.
٤- بعد أن هدم أتاتورك الخلافة أراد أن يعيد تأليه «الذئب الأبيض بوزكورت» الذي كان يعبده الأتراك القدماء وكانوا يؤلهون «جنكيز خان» وقطع كل صلة بالإسلام والعرب.
٥- بعد أن انتشرت الأفكار القومية على يد النصارى مثل ميشيل عفلق «مؤسس حزب البعث» وأنطون سعادة وجورج عبد المسيح «مؤسس الحزب القومي السوري» وجورج حبش وأستاذه قسطنطين زريق «حزب القوميين العرب» صار العرب يقدمون العربي النصراني على المسلم التركي والباكستاني والأفغاني ووقف العرب في الحرب الأولى ضد الأتراك مع الإنجليز والفرنسيين الصلبيين.
٦- ثم انتقل الغرب خطوة أخرى: وهي إحياء العصبية الإقليمية النتنة: فأحيا الفرعونية ودفع روكفلر عشرة ملايين دولار للبحث عن الآثار الفرعونية.
وعادت أسماء الكفار التي يشمئز المسلم من ذكرها مثل الأهرام «قبور الفراعنة» ورمسيس «رمسيس الثاني: الفرعون الذي تربى في بلاطه سيدنا موسى عليه السلام» أبي الهول، فأصبحت هذه الأسماء محببة إلى المسلمين ويسمون بها البقالات والصالونات والمؤسسات والشركات.
يقول طه حسين: «لو وقف الإسلام بيني»
وقال حافظ إبراهيم:
أنا مصري بناني من بني *** هرم الدهر الذي أعيا ألفنا
ويقول شوقي عن مصر:
وجه الكنانة ليس يغضب ربكم *** إن تجعلوه كوجهه معبودًا
٧- ومزق العالم الإسلامي بشر ممزق وتفرقوا شيعًا فكل محلة فيها أمير المؤمنين ومنبر وجرت الحيلة على المسلمين فأصبح أحدهم يتعصب لحدود مصطنعة من قبل أعدائه، وصارت الأنهار والجبال تغير نظرة المسلم إلى أخيه.
صار المسلم لا يحس بأية غيرة للعذارى اللائي تنتهك أعراضهن على بعد أميال قليلة وذلك لأن الإنجليز قالوا له في معاهدة «سايكس بيكو» إن قطعة الأرض هذه ليست من بلدك.
والحمد لله: لقد كانت الصحوة الإسلامية من بشائر الخير الكبيرة في العقدين الأخيرين، ولكن رواسب الجاهلية وركام تقاليدها ووشائجها تكون ثقلًا ضخمًا على قلوب الشباب المسلم، لا زال الشباب المسلم مرتبطا بالحدود الجغرافية التي رسمها أعداؤه
لا زال الشاب يشعر بالوحشة والغربة تجاه أخيه الذي يحمل نفس مبادئه ويعاني في أعماقه من الآلام ويكابد من الأشواق والآمال التي تداعب خياله نفس الذي يعانيه أخوه.
ولكن الإحساس لم يصل إلى نفس الحرارة والحرقة التي يحس بها لمن يشاركه قطعة الأرض الصغيرة المسماة بالدولة وان كانت مدينة واحدة لا زال وجهه لا يتمعر غضبًا لله على دماء تسفك وأرواح تزهق من إخوانه المسلمين على مقربة منه وذلك لأن لون جواز سفره أخضر وجواز سفر أخيه أزرق.
يسافر الشاب إلى الغرب ليدرس ومع ذلك لا يستطيع كثير منهم أن يحطموا قيود الإقليمية التي تشده لأبناء إقليمه وإن كان لسانه ينطق بخلاف هذا ودعواه العريضة أن يحمل الإسلام العالمي بفكرته وعقيدته تكابد الأقاليم الإسلامية حوله من الفقر والمرض والذلة واحتلال الكفار ما لا يعلمه إلا الله ثم الذي يعيشه، ومع هذا لا غيرة لديه ولا نكير ولا حمية وأكبر مثال هو أفغانستان.
۱- أنا أعرف بعض الدعاة زاروا باكستان عدة مرات ولا شهر أحيانًا ومع هذا لم يخصصوا أسبوعًا لدراسة قضية أفغانستان أو لزيارة مخيم أو معسكر أو دار أيتام بينما كارتر ونيكسون الرئيسان الأمريكيان زارا بنفسيهما أرض أفغانستان لأن كارتر أو نيكسون له من الاهتمام بهذه القضية الإسلامية الضخمة لعله يقطف بعض ثمارها، أما المسلم الداعية فلا تثير له اهتمامًا فأية حرقة وأية غيرة عند هذا المسلم.
۲- إن كثيرًا من المتعبدين وبعضهم أصحاب مناهج إسلامية لا زال يلوم من يخف بنفسه إلى أرض الجهاد الأفغاني «القضية التي تهز العالم بأسره» وبعضهم يرى أن المجيء إلى أفغانستان ليلبي نداء ربه ضرب من الخفة والتسرع والتهور والتعجل والعاطفية والحماس والطيب المنبثق من السذاجة إن لم يقل نوع من البلاهة والغباء يستحق الإشفاق والرثاء.
ونحن ندعو الشباب المسلم أن يأتوا ليتذوقوا بأنفسهم حلاوة الجهاد وندعو الله أن يشرح صدورهم لحب الجهاد والاستشهاد.
وندعو الشباب المسلم أن يعيشوا بأنفسهم أيامًا من الرباط والجهاد ليروا ضخامة التجربة وعذوبة المعاناة الطويلة.
وندعو الشباب المسلم أن يدخلوا آتون المحنة لتصفو أرواحهم وتصقل نفوسهم وتنقى قلوبهم.
ندعو الشباب المسلم أن يطرحوا عن أنفسهم الأماني وينزلوا من البروج العاجية ويعيشوا مع المسلمين أتراحهم وأحزانهم ودموعهم وآلامهم ويشاركوهم مسيرة الدماء والدموع.
ندعوهم لئلا تفوتهم الفرصة ولئلا يسبقهم الركب، وقد يحسون يومًا بالندم، ولات ساعة مندم، فستذكرون ما أقول لكم وأفوض أمري إلى الله أن الله بصير بالعباد.
وسبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.