; المجتمع التربوي (العدد 1798) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي (العدد 1798)

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر السبت 19-أبريل-2008

مشاهدات 55

نشر في العدد 1798

نشر في الصفحة 54

السبت 19-أبريل-2008

الإصلاح بين دعاته وأدعيائه (١ من ٢)
أحمد المتوكل (*)
  • رسالات السماء نزلت لإصلاح شؤون العباد وتطهير الأرض من الفساد والإجرام.
  • منهج الإصلاح الحق يجب أن يؤخذ من القرآن الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

خلق الله الكون في نظام محكم دقيق، متكامل صالح للإعمار، وجعله بما فيه مسخرًا للإنسان واستخلفه في أرضه، وأمره بالإصلاح في الأرض وحذره من الإفساد فيها، وصد الناس عن دين الله، وحثه على التأمل في مصير الظالمين المفسدين الذين تجاوزوا قوانين الله في كونه، ونهاه عن سلوك طريق الذين طغوا في البلاد، وأكثروا فيها الفساد، حتى صب عليهم ربهم سوط عذاب؛ حيث كان لهم بالمرصاد، فقال جل شأنه: ﴿وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا ۚ وَاذْكُرُوا إِذْ كُنتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ ۖ وَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ (الأعراف: 86).

وإن الله جلت قدرته اختار خير الناس وأزكاهم لإصلاح شؤون العباد النفسية والدنيوية والأخروية، وهم الأنبياء والرسل، السادة الصالحون المصلحون، حيث بعثوا ببرنامج شامل للإصلاح، فقادوا سفينة الإصلاح بحكمة وسلام مبشرين ومنذرين وقاموا بواجبهم أحسن قيام، وطهروا الأرض من الفساد والإجرام، ولقد عرفت الرسالات السماوية بأنها رسالات إصلاحية، فقال سيدنا شعيب عليه السلام لقومه: ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ (هود: 88)، وهو الذي قال لقومه: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ (الأعراف: 85)، وقال سيدنا موسى لأخيه هارون لما ذهب إلى الطور: ﴿اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ (الأعراف: 142).

رجال أوفياء:

وبعد ذهاب الرسل قام بمهمة الإصلاح وقمع الفساد ورثتهم الأوفياء العلماء والدعاة والأولياء؛ حيث اقتفوا سبيل الرسل وما بدلوا تبديلًا، فها هم قوم قارون الصالحون جعلوا ينصحونه لما طغى وبغى قائلين له: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ۖ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ۖ وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ ۖ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ (القصص: 77)، ولقد تصدى رجال الإصلاح الأوفياء عبر التاريخ للمفسدين وقطعوا الطريق عليهم، ووقفوا في وجوههم لئلا ينتشر الفساد ويعم ضرره وتصاب الدنيا كلها بويلاته، قال الله عز وجل: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ (البقرة: 251).

والإصلاح: هو التغيير إلى الأفضل والصلاح ضد الفساد. 

ولما طال العهد بالناس، وابتعدوا عن زمن الرسالات والرسل، ضعف الإيمان وبلي في القلوب واندثر من أخرى، وفترت الهمم وضعفت الإرادات، ومالت الأفئدة إلى الشر وسقطت النفوس في المنكرات فكثرت الفواحش والرذائل بكل أنواعها، وفسدت أحوال الأمة عبر القرون، وقل المصلحون حتى تحكم المفسدون في أزمة الأمور وأرادوها حياة فاسدة كاسدة، واكتفى من بقي فيهم الخير من هذه الأمة بإصلاح أحوال أنفسهم، فمالوا إلى الزوايا والتكايا والخلوات ومجالس الذكر والمجاهدة منقطعين إلى ربهم يشكون إليه فساد العباد ونكد الحياة.

إن واقعنا اليوم يعرف بعصر الفساد والمفسدين بامتياز؛ تكاثر فيه المفسدون وظهرت فيه أنواع الفساد وأشكاله، وأماكنه ودعاته وحماته، وبغاته ومنابره حتى طم البلاد والعباد وعم حتى انتشرت مظاهره في كل مكان، ودخل كل المجالات، حتى علا أصحابه وغلبوا المصلحين، فأصبحنا نرى طوفانًا من الفساد مغرقًا، ولا أحد يستطيع أن ينكر هذه الحقيقة، قال الله عز وجل: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (الروم: 41).

وأمام أمواج الفساد العارمة تضايق الناس من ويلاته، وادعى الكل الإصلاح، وكثر دعاته وأدعياؤه، ومنابره وهيئاته وتعددت البرامج، ولكن الله خيب ظنهم وأظهر مكرهم وكشف سوء نواياهم، فعجزوا وفشلوا: لأنهم أبعدوا أصول الأمة وجاءوها ببرامج لا تصلح لها. فانطبق عليهم قول الله عز وجل: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَٰكِن لَّا يَشْعُرُونَ﴾ (البقرة: 1١- ١٢)، فلماذا فشل هؤلاء الذين ادعوا الإصلاح؟! لأنهم استوردوا لأبناء الإسلام حلولًا غريبة عنهم، وطبقوها على أرض الإسلام وبين أبنائه، وأبعدوا الدين عن الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والتعليمية، واعتقدوا أنه باستطاعتهم إصلاح الأوضاع بذلك فخابوا وباءوا بالفشل، قال الله عز وجل في مثلهم: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (104)﴾ ( الكهف: ١٠٣- ١٠٥).

لقد جربت الإنسانية في هذه العصور مجموعة من النظريات وعاشت كثيرًا من التجارب ومحاولات الإصلاح المستوحاة من أهواء الناس وتفكيرهم الأعوج السقيم، فرغم بعض التقدم المادي الذي أحرزته أحيانًا، يبقى الفشل والمعاناة في الجوانب النفسية والأخلاقية والاجتماعية والروحية ولم تحصل على الاطمئنان المنشود والأمان المفقود.

نموذج للمفسدين:

وقد عرف التاريخ كثيرًا من المفسدين الذين ادعوا الإصلاح، وخدعوا الناس بكلامهم المنمق المزوق، حيث قلبوا الحقائق، وظهروا للناس في أثواب الصالحين، فردوا الصلاح فسادًا والفساد صلاحًا وواجهوا وقمعوا الصادقين من أهل الإصلاح واتهموهم بالإفساد، ومن هذه النماذج فرعون المفسد المستبد الذي فضح الوحي الإلهي المنزل على موسى ومحمد حقيقته، وأظهر مكره قبل أن يفضحه التاريخ الذي هو ميدان التجارب، قال فرعون الملعون كما حكى عنه القرآن الكريم: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَىٰ وَلْيَدْعُ رَبَّهُ ۖ إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ (غافر: 26)، إنه نموذج لفراعنة كل زمان ومكان الطغاة البغاة المستبدين الذين يعادون الحق وأهله، وينسبون إليهم الشر. فمن المصلح، موسى الذي نبذ الباطل ودعا إلى الله وأصلح شؤون الناس؟ أم فرعون الذي ادعى الربوبية وقتل آلاف أبناء بني إسرائيل، وحبس نساءهم للخدمة؟ قال الله جل شأنه: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَىٰ وَلْيَدْعُ رَبَّهُ ۖ إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ (غافر: 26).

 اللهم إنا نعوذ بك من الفساد والمفسدين.

وفي عصرنا الحالي وأمام كثرة الفساد وتمكن المفسدين، ومحاولات الإصلاح الفاشلة يئس الناس ونفضوا أيديهم من الذين يزعمون الإصلاح وقطعوا منهم رجاءهم وفقدوا الثقة فيهم بعد فشلهم، وأخذوا يبحثون عن مصلحين حقيقيين غير كاذبين ليخلصوهم من أزماتهم، فما هي صفات وبرامج المصلحين الحقيقيين القادرين على تغيير الواقع وكنس دنس المدنسين وتطهير المجتمع من فساد المفسدين؟

إن منهج الإصلاح يجب أن يؤخذ من القرآن الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾ (الأعراف: 170)، وقال جل شأنه: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا ۖ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ۖ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَىٰ وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ﴾ (طه: 12٣- ١٢٤).

 (*) كاتب مغربي

بالفضل لا بالعدل

الأردن: لبنى شرف

قال على بن عبيدة الريحانى: المودّة تعاطف القلوب، وائتلاف الأرواح، وحنين النفوس إلى مثابة السرائر، والاسترواح بالمستكنّات في الغرائز، ووحشة الأشخاص عند تباين اللقاء، وظاهر السرور بكثرة التزاور، وعلى حسب مشاكلة الجواهر يكون اتفاق الخصال. 

ما أجمل أن تشيع هذه المودة بين الزوجين وأن يشعرا وكأنهما روحان في جسد واحد، وأن يكون كل منهما مدعاة سرور الآخر، فيصطحبا بالمعروف بالقول الطيب، والفعل الحسن والهيئة الحسنة، فلا فظاظة ولا غلظة، ولا قسوة، ولا عبوس في الوجه؛ فإن هذا أهدأ للنفس وأهنأ للعيش، وبهذا تكون السكينة التي هي من نعم الله العظمى على الزوجين.

وما أروع أن يتعامل الزوجان بالفضل لا بالعدل أن يتسابق كل منهما في إكرام الآخر وإعطائه ما له من حقوق، بل ويزيد ويغفر كل منهما للآخر الزلل والتقصير، يبتغيان بذلك الأجر والثواب من الله عز وجل: فهذا من السمو والرقي في الحياة الزوجية فكوني لزوجك أمة يكن لك عبدًا، وكن لها عبدًا تكن لك أمة، وصاحب الفضل هو الذي يبدأ.

الرابط المختصر :