; الإصلاح ونكران الذات | مجلة المجتمع

العنوان الإصلاح ونكران الذات

الكاتب سالم الفلاحات

تاريخ النشر السبت 04-يونيو-2011

مشاهدات 78

نشر في العدد 1955

نشر في الصفحة 36

السبت 04-يونيو-2011

ليست دعوة للتحليق في أجواء الخيال، أو طلب ما كان صعب المنال أو تكليف النفس بما لا تطيق، إنما هو ضرورة من ضرورات العمل الجماعي ولا يمكن الاستغناء عنه لسالك طريق الإصلاح.

فالعيش للذات ومصالحها والدوران حول الأنا، لا يمكن أن يؤهل المرء لمزيد من الادعاء أنه يعيش بعقلية جماعية عامة ويمكن أن يغير الواقع الفاسد.

وليس فيما نعنيه أن يهمل الإنسان مصالحه الخاصة، وحاجات أهله وتنمية نفسه وأخذ حاجته وما يباح له من متاع الدنيا، إنما الذي نعنيه ما حذر منه رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث طويل جاء فيه: «حتى إذا رأيت شحًا مطاعًا وهوى متبعًا ودنيًا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بخاصة نفسك ودع العوام فإن من ورائكم أيامًا، الصابر فيها مثل القابض على الجمر».

الصابر على كل ذلك المتجاوز له لما ينفع ويغني ويبني:

1- الشح المطاع: فالنفس لأول وهلة تحرص على امتلاك كل شيء تستطيعه وهكذا يفعل الطفل ويفكر، فكل الألعاب لهم والمجلس كله لهم، والسيارة له وحده و... إلخ، والله وصف النفس بقوله: ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنفُسُ الشُّحَّ ۚ﴾ (النساء: ۱۲۸)، والرسول صلى الله عليه وسلم يستعيذ بالله -وهكذا يجب أن يكون المسلم- تمضي الأهلة الثلاثة لا يوقد في بيته نار، ينفق كل ما يأتيه وينسى أهله من هذا المتاع على كثرته. 

2- وأما الهوى: فموجود في كل نفس ولكن اتباعه هو الخطأ الكبير، أما أن تعتمل في نفس الإنسان وساوس الهوى والشيطان ودواعيه، فيردعها ويخالفها ويبحث عن الشرع والقول الفصل فهو ناج، وقد قال الله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَىٰ﴾ (النازعات: ٤٠- ٤١) وهكذا يمكن أن يجتنب الإنسان هواه ولا يضخم «ذاته» الهاوية، ويتذكر أن ما عند الله خير وأبقى، وأن ما يرتضيه الله تعالى لعبده خير مما يتوهم العبد أنه يخدم نفسه، والله يقول محذرًا: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ ( الكهف: ۲۸).

3- والدنيا المؤثرة: فإن كانت الدنيا بمالها وجاهها ومتاعها وبنيانها ورياشها وزخرفها مقدمة على غيرها من الأهداف العظام، عندها يعيش الإنسان لنفسه، وينكر غيره ويعظم ذاته، ولا أشد من هذا التحذير الرباني: ﴿فَأَمَّا مَن طَغَىٰ (37) وَءَاثَرَ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا (38) فَإِنَّ ٱلۡجَحِيمَ هِيَ ٱلۡمَأۡوَىٰ (39)﴾ (النازعات: ٣٧- ٣٩). 

4- ورابعها مما يهدم العمل ويورث الخسارة، فهو إعجاب كل ذي رأي برأيه، فلا بد أن يتواضع أصحاب مشاريع الإصلاح لبعضهم.

وربما كان هذا من أخطر الأمور؛ لأنه من المشتبهات التي يمكن أن يلبس على الإنسان فيها، فالرأي في أي مسألة مقدور على طرحه والمساهمة فيه مهما كان المستوى الثقافي والعلمي والقدرة القيادية، وعلى الأقل بقول موافق، أو غير موافق ونحو ذلك، وقد يتعصب الإنسان لرأيه دون أن يشعر بهذا التعصب ويسميه الاجتهاد المأجور أخطأ أو أصاب، ظانًا أن كل رأي يطرح في أي مسألة ما دام صادرًا عن إنسان حاصل على مستوى علمي معرفي متقدم، وليس من عامة الناس يسمى «اجتهادًا».

فهل من وقفة مراجعة لوقف الاسترسال في تحسين الإعجاب بالرأي الفردي عندما يخالف الجماعة.

إن الذين يصابون بهذه الأمراض الأربعة، أو ببعضها يصعب عليهم الإصلاح والعمل العام والاستمرار فيه، وإن استوعبهم العمل الجماعي، فسيكونون نشازًا، لن يتقدموا به خطوة واحدة بل ربما ضعف وتفرق بسببهم إن كثروا.

فألجموا هذه النفوس عن هواها وشحها والتعلق بدناياها والإعجاب برأيها وتقديمه على رأي المجموع العام، وافطموها، فإن الحلم بالتحلم، والصبر بالتصبر، والتواضع مع إبداء الرأي واستيعاب الآخر ونكران الذات والحكمة والبصيرة والعمل الجاد دون يأس.

[1] (*) المراقب العام السابق لجماعة الإخوان المسلمين بالأردن.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل