العنوان الإعجاز البياني في القرآن الكريم
الكاتب د. سعد المرصفي
تاريخ النشر السبت 17-نوفمبر-2012
مشاهدات 52
نشر في العدد 2027
نشر في الصفحة 53
السبت 17-نوفمبر-2012
مازال حديثنًا موصولًا عن المصدر الأول من مصادر الثقافة الإسلامية، وهو القرآن الكريم، هذا الكتاب الذي ﴿لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ ۖ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ (فصلت:42)، وقد تعددت جوانب إعجازه وتنوعت حتى أنه يطول تعدادها، ويكثر إيرادها، ومنها فصاحة كلماته، وبراعة نظمه، وجزالة أسلوبه وبلاغته في الدلالة على معانيه.
ولا شك أن القرآن قد بلغ الغاية التي تميزه عما عداه، في جميع العصور وكل الدهور، منذ نزوله وحتى الآن، وقد أدرك بلغاء العرب ذلك بسليقتهم، حتى أنهم اختاروا أعلمهم بالسحر والكهانة والشعر وهو عتبة بن ربيعة، ليذهب باسم قريش يعرض على الرسول له من الدنيا ما يشاء لو شاء، حتى يكف عن دعوته إلى الله وكان جواب الرسول صلى الله عليه وسلم أن قرأ قول الحق تبارك وتعالى: ﴿حم (1) تَنزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ الرَحيم(2) كِتَابٌ فَصَلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَقَوْم يَعْلَمُونَ (3) بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ (4) وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكنَة كَمَا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقَرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنَكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ(5)﴾ (فصلت:1-5).
ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ حتى بلغ قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مَثْلَ صَاعِقَة عَادٍ وَثَمُودَ﴾ (فصلت:13).
ورجع عتبة إلى أصحابه، فقال بعضهم لبعض: نحلف بالله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به، فلما جلس إليهم قالوا: ما وراءك يا أبا الوليد؟ قال: ورائي أنَّي سمعت قولًا، والله ما هو بالسحر ولا بالشعر ولا بالكهانة يا معشر قريش أطيعوني واجعلوها لي، خلُّوا بين الرجل وبين ما هو فيه، فاعتزلوه، فوالله ليكوننَّ لقوله الذي سمعت نبأ.. وفي رواية: وقد علمتم أن محمداً إذا قال شيئًا لم يكذب، فخشيت أن ينزل بكم العذاب.
ولقد سجل التاريخ العجز على أهل اللغة أنفسهم في عصر نزول القرآن.. وما أدراك ما عصر نزول القرآن، إنه أزهى عصور البيان العربي، وأرقى أدوار التهذيب اللغوي وهل بلغت المجامع اللغوية في أمة من الأمم ما بلغته الأمة العربيّة في ذلك العصر من العناية بلغتها، حتى أدركت هذه اللغة أشدها، وتم لها - بقدر الطاقة البشرية - تهذيب كلماتها وأساليبها، وحينما جاء القرآن، فما قَدَرَ أحد منهم أن يباريه أو يجاريه.. ودعاهم إليه أفرادًا وجماعات، بل تحداهم وكرّر عليهم ذلك التحدي في صور شتى، مُتَهكَّمًا بهم، مُتنزلًا معهم إلى الأخف فالأخف، فدعاهم أول مرة أن يجيئوا بمثله ثم دعاهم أن يأتوا بعشر سور مثله، ثم أن يأتوا بسورة واحدة مثله، ثم أن يأتوا بِسُورَةٍ من مثله، وأباح لهم في كل مرة أن يستعينوا بمن شاؤوا ومن استطاعوا، ثم رماهم والعالم كله بالعجز في غير مواربة فقال: ﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ (الإسراء:88)، ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قل فأتوا بعشر سُورٍ مَثْلِهِ مُفْتَرَيَاتِ وَادْعُوا مَن اسْتَطَعْتُم من دون الله إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ (هود:13)، ﴿قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾
(يونس:38)، ﴿وَإنَ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَة مَن مَثْله وَادْعُوا شُهَداءَكُم من دُونَ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا وَلَن تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ (البقرة:23-24).
فانظر أي إلهاب، وأي استفزاز، لقد أجهز عليهم بالحكم البات المؤبد، ثم هددهم بالنار، ثم سواهم بالأحجار، فلعمري لو كان فيهم لسان يتحرك لما صمتوا عن منافسته، وهم الأعداء الألداء، وقد أصاب منهم موضع فخارهم، ولكنهم لم يجدوا ثغرة ينفذون منها إلى معارضته، ولا سُلَّمًا يصعدون به إلى مزاحمته، بل وجدوا أنفسهم منه أمام طود شامخ، فما اسطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقبًا، حتى إذا استيأسوا من قدرتهم واستيقنوا عجزهم ما كان جوابهم إلا أن ركبوا متون الحتوف واستنطقوا السيوف بدل الحروف.. وتلك هي الحيلة التي يلجأ إليها كل مغلوب في الحجة والبرهان، وكل من لا يستطيع دفعا عن نفسه بالقلم واللسان، ومضى عصر نزول القرآن والتحدي قائم، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.. وذلك موضوع تولاه بالبحث والبيان كثيرٌ من العلماء، ولهم في ذلك مؤلفات كثيرة ومشهورة.
وخلاصة الأمر أن القرآن الكريم ما نزل إلا للتلاوة والتدبر والتفكر والفهم والعمل، قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَك لَيَدَبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ﴾ (ص:29)، ومن واجبنا نحو هذا الكتاب المبين، أن نصبغ حياتنا به، ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ ۖ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً ۖ وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ﴾ (البقرة:138)، اتباعًا لأوامره واجتنابًا لنواهيه، وأخذ العظة والعبرة من قصصه والتخلق بأخلاقه واتخاذه منهاجًا في الحياة فكرًا وسلوكًا وثقافة ومرجعية، وصلى اللهم على سيدنا محمد الأسوة والقدوة الحسنة الذي كان خلقه القرآن، حتى أن الله سبحانه وتعالى قال في شأنه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (القلم:4).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل