العنوان الإعجاز العلمي في القرآن الكريم (١-٢)
الكاتب د. سعد المرصفي
تاريخ النشر الأحد 14-أكتوبر-2012
مشاهدات 57
نشر في العدد 2024
نشر في الصفحة 46
الأحد 14-أكتوبر-2012
القرآن الكريم من أهم روافد الثقافة الإسلامية، بيانا كما أوضحنا، وعلميًا كما سنبين في هذا المقال، فالثابت أن الإعجاز العلمي حجة الله على عباده، وأن إدراك هذا الإعجاز ليس موقوفًا على فصحاء العرب ومن لف لفهم، لأن الإنسانية كلها مخاطبة به، مطالبة بالتسليم بأنه كلام الله، وليس لأدمي فيه كلمة ولا حرف.
ولأن الإنسانية أعجميها أكثر من عربيها، كان لابد أن يتضح إعجاز القرآن لكل إنسان، ولو كان أعجمي اللسان، لتلزمه حجة الله إن أبي الإسلام، ولا شك أن هذا النوع من النظر والتفكير يؤدي إلى نتيجة لازمة مؤداها أن لإعجاز القرآن نواحي غير الناحية البلاغية.
والواقع أن إعجاز القرآن لا يزال بكرًا برغم كل ما كتب فيه، وبخاصة الناحية التي لا يتوقف تقديرها والتسليم بها على معرفة لغة لا تتيسر معرفتها لكل أحد، تلك هي الناحية العلمية من الإعجاز.
وإذا فهمنا الناحية العلمية على أوسع معانيها أبصرنا الناحية النفسية، وكيف اقتاد القرآن النفس، ويقودها طبق قوانين فطرتها، والناحية التشريعية، وكيف نزلت أحكام القرآن وفق قوانين الفطرة للأفراد والجماعات، والناحية الكونية، ناحية ما فطر الله تعالى عليه غير الإنسان من الكائنات في الأرض، وما فطر عليه الأرض وغير الأرض.
هذه النواحي هي التي ينبغي أن يشمر المسلمون للكشف عنها، وإظهارها للناس في هذا العصر الحديث، ولن يستطيعوا ذلك على وجهه حتى يطلبوا العلوم كلها، ليستعينوا بكل علم على تفهم ما اتصل به من آيات القرآن، ويستعينوا بها جميعًا على استظهار أسرار آيات القرآن التي اتصلت بالعلوم.
ولا غرابة في أن يتصل القرآن بهذه العلوم، فما العلوم إلا نتاج متطلبات الفطرة الإنسانية، والقرآن ما هو إلا كتاب الله فاطر الفطرة، فلا غرو أن يتطابق القرآن والفطرة، وتتجاوب آياتها وآياته، وإن كانت آياتها وقائع وسننا، وآياته تتضح وفق ما تقتضيه حكمة الله في مخاطبة خلقه، ليأخذ منها كل عصر على قدر ما أوتي من العلم والفهم، وكذلك دواليك على مر العصور.
هذا التدرج في إدراك تمام التطابق بين القرآن والفطرة أمر لا مفر منه في الواقع، ثم هو مطابق لحكمة الله سبحانه في جعله الإسلام الدين الخالد، وجعله القرآن معجزة الدهر، أي معجزة خالدة متجددة، يتبين للناس منها على مر الدهور وجه لم يكن تبين وناحية لم يكن أحد يعرفها أو يحلم بها من قبل، فيكون هذا التجدد في الإعجاز العلمي تجديدًا للدعوة -بأسلوب العلم الحديث- كأنما رسول الإسلام قائم في كل عصر يدعو الناس إلى دين الله تعالى، ويريهم دليلًا على صدقه أية جديدة من آيات تطابق ما بين الفطرة وبين القرآن.
هذا النوع من الإعجاز يعجز الإلحاد أن يجد موضعًا للتشكيك فيه، إلا أن يتبرأ من العقل، فإن الحقيقة العلمية التي لم تعرفها الإنسانية إلا في العصر الحاضر مثلًا، والتي ذكرها القرآن، لابد أن تقوم عند كل ذي عقل دليلًا محسوسًا على أن خالق هذه الحقيقة هو منزل القرآن، على أنه يجب ألا نفسر كونيات القرآن إلا باليقيني الثابت من العلم، لا بالفروض ولا بالنظريات التي لا تزال موضع فحص وتمحيص.
إن الحقائق هي سبيل التفسير الحق، هي آيات الله الكونية، ينبغي أن يفسر بها نظائرها من آيات الله القرآنية، أما الحدسيات والظنيات فهي عرضة للتصحيح والتعديل، إن لم يكن للإبطال في أي وقت.
وحسبنا أن نقرأ: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا ۚ وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ (٢٧) وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَٰلِكَ ۗ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ (فاطر: 27).
وواضح أن العلماء هنا هم الذين يتدبرون هذه الآيات التي أودعها الحق -جل شأنه- فيما أشار إليه القرآن في عوالم الأرض، وفي الثمرات، وفي الجبال، وفي الناس، وفي الدواب والأنعام، في كلمات قلائل تجمع بين الأحياء وغير الأحياء في هذه الأرض جميعًا، وتدع القلب مأخوذًا بعظيم قدرة الخالق، وتشد الإنسان شدًا إلى أن يتدبر آيات الله تعالى في الكون، ومن ثم يدرك أن الآيات القرآنية الكثيرة الواردة في الحض على تطلب آيات الله في الكون، وتعرف أسرار الخلق، هي في الواقع توجيه للعقل إلى مجالات العلم الطبيعي وفق لغة العصر، وهنا يضع الإنسان يده على أن هذا الأمر ليس مجرد دعوة، ولكنه أمر من الله يجب أن يطلب لأن الآيات الكونية من أسرار الفطرة التي هي مطمح العلم ومرماه: ﴿قُلِ انظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ﴾ (يونس: ۱۰۱)، ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ۗ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (الأنعام: 97)، ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ﴾ (الروم: 22).
ومن هنا تقدم سلفنا الصالح ركب العلم، وأثار الحياة للبشرية في كل المجالات، وقدم طريق البحث وروحه التي هي في صميمها التجرد للحق والصدق فيه، والاستمساك به، والتعاون عليه، وبين في جلاء ووضوح أن العلم في الإسلام يشمل كل ميادين الحياة ومن هنا -كذلك- نبصر الآيات القرآنية الكثيرة التي سبقت الاستكشافات الحديثة بقرون، دلائل على أن هذا القرآن كلام الله تعالى، ومن هذه الآيات قول الله تعالي: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا ۖ﴾ (الأنبياء: 30).
إن هذه الآية الكريمة من عجائب الإعجاز العلمي في القرآن؛ لأنها سبقت علماء الفلك المحدثين إلى ما قرروه من أن الكون كله، قبل أن تتشكل عوالمه ومجراته ونجومه، كان كيانًا سديميًا غير متميز بعضه عن بعض، ثم أخذ يتميز ويتطور لا يدرون بالضبط كيف، وإن نسبوه إلى فعل الجاذبية العامة، حتى صار إلى ما هو عليه مما يشاهدون ويدرسون، ولا تزال السدم الهائلة منتشرة فيه على أبعاد فلكية مذهلة، وواضح أن السماوات -بالجمع لا بالإفراد- هي والأرض تشمل الكون كله، وحالته السديمية الأولى، قبل أن تتخلق السماوات والأرض، كما أخبر الله تعالى، ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾ (الطلاق: 12)، وللحديث بقية.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل